نبض الحياة.. الحاخام صوتوا لليسار.. عمر حلمي الغول

دولة إسرائيل تعيش على صفيح ساخن، لأن التناقضات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والدينية والحزبية وفي مختلف مجالات الحياة تنهشها، وتتصاعد وتيرتها بين مكونات المجتمع والدولة، وتزداد حدتها عشية الانتخابات الإسرائيلية القادمة في 27 تشرين اول / أكتوبر 2026، وبالضرورة ستترك بصمات قوية على مستقبل بعض القوى الصهيونية الدينية والعلمانية، التي يطلق عليها مجازا صفة “اليسارية”، وهي لا تمت لليسار بصلة، بيد أن استخدام المفهوم يندرج في خانة التمييز بين اليمين المتطرف واليمين الصهيوني الأقل تطرفا أو ما يصنف بالوسط.
وسأتوقف مجددا أمام ما نشر أمس الأربعاء 12 آب / أغسطس الحالي، في صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية، من تصريحات للحاخام الأكبر السابق يتسحاق يوسف، وعضو مجلس حكماء حزب شاس، نقلا عن تلاميذه للصحيفة، تضمنت دعوته الى عدم التصويت الى حزب شاس ولإسقاط بنيامين نتنياهو في الانتخابات القادمة. قال أحد التلاميذ نقلا عن الحاخام له ولزملائه: “نتنياهو والصهيونية الدينية يكرهوننا، بينما اليسار يحترمنا.” ويعود السبب الى اشتداد الصراع بين يوسف وآرييه درعي زعيم شاس السياسي على خلفية عدم اعفاء طلاب المعاهد الدينية من الخدمة العسكرية، الى جانب اتهامات بحدوث “أشكنة” في قيادة الحزب، مع أن يوسف ينفي ذلك: “لم يكن هذا ولم يحدث.” وتعني “الأشكنة” تبني توجهات وشخصيات ذات طابع اشكنازي على حساب الهوية السفاردية التقليدية للحزب.
وأضاف أحد التلاميذ أن الحاخام يوسف: “طلب مني أن أعده بأنني لن أصوت لشاس، وأن اطلب من أفراد عائلتي الا يصوتوا للحزب، وأن أنقل طلبه الى كل من أستطيع”. وتابع تلميذ آخر إن الحاخام استحلفه هو وأصدقاؤه بالا يصوتوا للحزب. كما أكد مصدر في شاس هذه الاقوال، وقال إن يوسف ادلى أمامه أيضا بتصريحات مماثلة. وذكر المصدر “بمجرد أن تنشر هذه المواقف، فإنه سينفيها بالطبع، لكن في الأحاديث داخل البيت يقول ذلك بوضوح. لقد كان في الغرفة، خلال احدى المحادثات معه، ما لا يقل عن عشرة من المقربين منه، وهو لا يحاول إخفاء الأمر، ودرعي أيضا يعرف ا، الحاخام يتسحاق يطلب من الناس عدم التصويت للحزب.” وأضاف المصدر، يرى الحاخام أنه يجب إسقاط حكومة اليمين. لأن الحريديم لن يتمكنوا من التوصل الى تفاهمات بشأن إعفاء طلاب المعاهد الدينية من الخدمة العسكرية الا في ظل حكومة يسارية. وخلص المصدر الى أن يوسف يرى أن اليمين لا يعرف كيف يحكم. وكان الحاخام قال علنا في وقت سابق إن من الأفضل للأحزاب الحريدية أن تتحالف مع غادي ايزنكوت.
وكانت اشارت إذاعة الجيش الإسرائيلي مؤخرا بأن الحاخام يوسف قال عن ايزنكوت: “انه رجل جيد، يهودي دافئ، يحب دارسي التوراة، يمكن أن نذهب معه في الانتخابات المقبلة، ويمكن دعمه ليكون رئيس الوزراء المقبل.” وفي عدد من الفعاليات التي نظمها حزب شاس مؤخرا، سُمعت بين الحاضرين هتافات مثل: “درعي خائن” و”درعي الى البيت”، الى جانب لافتات كتب عليها: “درعي خان مَرَن”، في إشارة الى الزعيم الروحي التاريخي للحركة عوفاديايوسف، والد الحاخام يتسحاق الحالي.
وعلى إثر هذا التصريحات للحاخام، قال أحد التلاميذ ل “هآرتس”، إن يوسف أخبره أنه تلقى، مباشرة بعد تصريحه العلني الذي أشاد فيه بإيزنكوت، اتصالا توبيخيا من درعي. و”روى الحاخام أن درعي صرخ عليه، وقال لي: ارأيت ما يحدث؟ موظف حزبي يصرخ في وجه حاخام. أين احترام التوراة؟ لقد تأذى الحاخام كثيرا من ذلك.” وأضاف تلميذ جديد أن يوسف لا ينوي المشاركة في مؤتمرات شاس الانتخابية.
وجاء ذلك في ظل صراع غير مسبوق بين الحاخام الأكبر السابق ورئيس الحزب درعي على السيطرة على شاس، وعلى صورة الحزب وهويته أيضا. ونتيجة ذلك يتجنب درعي الى حد كبير، المشاركة في مؤتمرات شاس في انحاء البلاد، خشية تعرضه لهتافات الاستهجان. ومن بين أوجه الصراع بين الرجلين، اعتبار درعي أن خانه وتآمر عليه، عندما أدخل خلال السنوات الأخيرة الى قيادة شاس حاخامات سفارديين، في مقدمتهم الحاخام ابرهام سالم، من تيار “مربيصي”، وهو تيار حريدي سفاردي يرتبط بعالم التوراة الاشكنازي – الليتواني، وكان هؤلاء قد تعاونوا مع حزب “ديغل هتوراه” ومع الحملة التي جرت في تسعينيات القرن الماضي ضد الحاخام عوفاديا يوسف وحزب شاس. ويرى يوسف وتلاميذه أن إدخال هؤلاء الذين يصفونهم ب “المستأشكنين” يشكل خيانة لإرث ماران، أي الحاخام عوفاديا يوسف، وقال مصدر في الحزب: “من وجهة نظر الحاخام يتسحاق، فإن درعي والحاخام سالم نفذا استيلاءً عدائيا على شاس.”
هذه الصورة من الصراع داخل الحزب الحريدي الشرقي، تعكس جزءً من المشهد الإسرائيلي، وتشير الى أن التناقضات البينية داخل شاس تسير في خط بياني متصاعد، ولا يبدو أن هناك إمكانية لضبط ايقاعها، لا سيما وان الاتهامات من قبل الحاخام يوسف وانصاره ذهبت بعيدا، باعتبار أن درعي والحاخام سالم وضعوا شاس في تبعية لحزب “ديغل هتوراه” الاشكنازي، وشوهوا صورة الحزب الذي تم تأسيسه لرفع مكانة اليهود الشرقيين، الامر الذي يهدد مستقبل الحزب، ويشي بأن إمكانية الانفجار والانقسام واردة جدا، لأنه حدث انكسار للضوابط الحزبية وللعلاقة بين الحاخامية والمستوى السياسي، وأيضا نتاج أكاذيب نتنياهو وائتلافه الحاكم، وعدم وفائه بالالتزامات التي قطعها لهم عشية بناء الائتلاف الحاكم قبل تشكيل الحكومة السادسة 2022.
وما يجري في شاس قد يطال أحزاب أخرى، ومنها حزب الليكود، الذي يعيش تناقضا بين زعيم الحزب نتنياهو وأقطاب المعارضة الداخلية، ليس فقط على حصة رئيس الوزراء في ترشيح الموالين له في المقاعد الامامية لقائمة الليكود، وانما تمتد لطريقة إدارة الحزب والحكومة، وكذلك تصيب التناقضات ائتلاف “ياحد” بين نفتالي بينت ويأئيرلبيد، وإن لم تظهر للسطح بشكل علني، وقادم الأيام يحمل بالضرورة إعادة رسم خارطة حزبية جديدة في الوسط الإسرائيلي.
oalghoul@gmail.com
a.a.alrhman@gmail.com
نبض الحياة
صرخة الدفاع عن الذات
عمر حلمي الغول
في زمن احتدام الازمات التي تعيشها الأنظمة السياسية، وعشية اشتداد وتعاظم التنافس بين القوى الداخلية المتصارعة على كرسي الحكم، إن كانت تلك المحطات اجراء انتخابات في البلاد، أو مواجهة تحديات اقتصادية أو عسكرية أمنية إقليمية او دولية، تبحث الأحزاب او الائتلافات الحاكمة عن روافع لمكانتها وتعزيز دورها في مؤسسة الحكم عبر عملية التحريض على الخصوم السياسيين، لكبح نفوذهم، والحد من فرصهم في الإطاحة بنظامهم القائم، ودفع التيارات والقوى الداعمة لنظام الحكم بشد الاحزمة على البطون، وابتداع اليات وأساليب جديدة أو متجددة لاستنهاض الذات والانصار، واستثمار أوراق القوة المتوفرة بأيديهم من مال ووسائل اعلام ومؤسسات وشركات اقتصادية واجتماعية وثقافية ودينية للبقاء في كرسي الحكم.
ومثال حي على ما ورد أعلاه، الازمات الحادة التي يعيشها الرئيس الأميركي دونالد ترمب وادارته والحزب الجمهوريفي الداخل الأميركي وفي العلاقات مع الأقطاب الدوليةوالمؤسسات والهيئات الاممية، نتاج السياسات الاقتصادية المالية والحروب في أكثر من جبهة، التي انتهجها المتربع على عرش البيت الأبيض، والتطورات الموضوعية الناجمة عن التحولات الجيوسياسية العالمية، وانعكاس الإبادة الجماعية الإسرائيلية على الشعب العربي الفلسطيني على الرأي العام الأميركي عموما وخاصة في أوساط الشباب من اتباع الديانة اليهودية الاميركيين، وأثرها على المنظومة السياسية الأميركية عموما، وداخل الحزبين الرئيسيين الديمقراطي والجمهوري خصوصا، وارتباطها بالانتخابات النصفية الأميركية في تشرين ثاني/ نوفمبر القادم، وفي التحولات الكيفية داخل المجتمع الأميركي في مجالات الحياة كافة.
ولاستشعار الرئيس ال 47 للولايات المتحدة وادارته الاخطار المهددة لكرسي حكمه ومكانة حزبه في المؤسسات التشريعية في الانتخابات القادمة، بسبب التحولات النوعية في الشارع الأميركي عموما المتناقضة مع توجهاتهوسياساته وحزبه، وانعكاسها السلبي العميق على الرئيس والإدارة والحزب. لذا بات يصرخ أكثر فأكثر عبر عمليات التحريض والتشويه على خصومه في الحزب الديمقراطي وخاصة ضد التيار التقدمي، الذي أصبح مصدر قلق وخشية من تأثيراته على مستقبل الحزب الجمهوري في السنوات القادمة، وليس في الانتخابات النصفية القادمة فقط. وكذلك على حلفائه من اللوبيات المؤثرة في صناعة القرار، وخاصة اللوبي الصهيوني وعلى رأسه “الايباك”، الذي باتت أمواله المرصودة لشراء الذمم من أعضاء المجلسين النواب والشيوخ من أعضاء الحزبين مصدر نقمة، وارتدت سلبا على كل مرشح جمهوري ام ديمقراطي غرق في متاهته، وانعكست انحسارا كبيرا على نفوذه في الشارع الأميركي.
وهذا ما أكده مجددا الرئيس ترمب في مقابلته الأطول مع شبكة “ريل أميركا فويس”، أمس الثلاثاء 11 آب / أغسطس الحالي، حيث أشار: الى تراجع نفوذ إسرائيل بعدما كان لديها “أقوى لوبي” في الولايات المتحدة، ورابطا ذلك بالتحذير “من فوز الحزب الديمقراطي في الانتخابات النصفية للكونغرس”. وأضاف قائلا: “أن أكبر تغيير شهده في واشنطن خلال السنوات ال 25 الماضية يتمثل في التراجع الحاد، لنفوذ إسرائيل السياسي داخل الكونغرس الأميركي، بعدما كانت تمتلك أقوى لوبي في العاصمة الأميركية.” وفي سياق عملية الربط، لفت النظر الى تصاعد التيارات المؤيدة للقضية الفلسطينية، خصوصا داخل الحزب الديمقراطي، في ظل ما تشهده العلاقات الأميركية الإسرائيلية من توترات متزايدة. في تحريض مباشر للمرة الالف على الشعب العربي الفلسطيني، وعنصرية مقيتة تتنافى مع ابسط معايير الديمقراطية
ولتحريض الشارع الأميركي على الحزب الديمقراطي، حذر ترمب الناخبين الاميركيين من نتائج الانتخابات النصفية المقبلة، معتبرا أن فوز الحزب الديمقراطي سيؤدي، الى تسليم إدارة البلاد الى “تيار جهادي”، “إذا سمحنا للطرف الآخر بالفوز في الانتخابات القادمة.” ولم يتوانَ عن مهاجمة عددا من الشخصيات السياسية الصاعدة في الحزب الديمقراطي، متهما اياهم بتبني أفكار شيوعية وبمعاداة المصالح اليهودية، منهم عبدول السيد مرشح الحزب الديمقراطي في ميشيغان لانتخابات مجلس الشيوخ. وسعى في خلطه المتعمد أو الناجم عن عدم تمييز بين “التيار الجهادي” و”الأفكار الشيوعية”، للتحريض على الحزب الديمقراطي عموما وشخصياته التقدمية، كما خلط عن سابق تصميم وإصرار بين اليهود والمنظمات الصهيونية في محاولة يائسة لتحريض اتباع الديانة اليهودية على الحزب الديمقراطي، واستجداءهم واستصراخ أموالهم ونفوذهم المتراجع لدعمه في الانتخابات النصفية القادمة. > عمر حلمي الغول: وتناسى الرئيس الأميركي أن قطار التحول في الرأي العام الأميركي غادر محطة المراوحة والضبابية، ولم يعد يخشى الايباك ولا أمواله، وبات يميز بين اليهود والديانة اليهودية وبين الحركة الصهيونية ومنظماتها، كما تجاهل ترمب ان التحول لم يقتصر على الحزب الديمقراطي بل أصاب الحزب الجمهوري، وإن بدرجات أقل، لذا على ساكن البيت الأبيض الان أن يدرك الحقيقة كما هي، وكما ذكرها هو بلسانه وصوته، وما كان صالحا في حملته الانتخابية الرئاسية عام 2024، لم يعد صالحا في حملة الانتخابات النصفية القادمة.
oalghoul@gmail.com
a.a.alrhman@gmail.com



