” اتفاقية مكة للدفاع المشترك ” .. هل ستفعّل؟ ولمصلحة من؟.. د/ كاظم ناصر

وقع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس وزراء باكستان شهباز شريف، وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الجمعة 7/8/2026 ” اتفاقية مكة للدفاع المشترك “، وقالت الدول الثلاث في بيان مشترك إن الاتفاقية التي تنص على أن أي هجوم مسلح على أي منها يعد هجوما على الجميع تهدف إلى تطوير التعاون الأمني والدفاعي بينها، وتعزيز أمنها المشترك وقدراتها على ردع أي اعتداء، وعلى تحقيق الأمن والسلام والاستقرار في المنطقة والعالم. وأعلن الرئيس التركي ” إن الاتفاقية تقوم على مبدأ الردع الجماعي، وتطوير مشاريع مشتركة في الصناعات الدفاعية، والتعاون ضد الإرهاب.” وقال وزير الخارجية التركي إن مصر والدول العربية والإسلامية الأخرى يمكنها الانضمام إلى الاتفاقية إذا أرادت ذلك.
وجاءت هذه الاتفاقية في ظل الحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، والهجمات الإيرانية على السعودية والإمارات والبحرين، وفي ظل تجدد النزاع بين المملكة والحوثيين، وما تفرضه هذه التطورات من تغييرات إقليمية على صعيد النفوذ والتحالفات.
الدول الثلاث تستطيع أن تقدم الكثير للعالمين العربي والإسلامي؛ فالسعودية تمتلك إمكانيات مالية هائلة بفضل قدراتها في سوق الطاقة ودورها المحوري في تصدير النفط، وتمتعها بموقع استراتيجي مهم، وبنفوذ سياسي وديني في المنطقة العربية والعديد من الدول الدولة الإسلامية؛ وتركيا دولة صناعية متطورة حققت تقدما كبيرا في مجال الصناعات والتكنولوجيا الدفاعية، وباكستان دولة نووية يمكنها أن تستخدم قدراتها في ردع أعداء الأمتين العربية والإسلامية.
ولهذا تعتبر هذه الاتفاقية تحولا استراتيجيا قد يعود تطبيقها بالفائدة على الدول الثلاث والمنطقة ككل: فالسعودية ستستغل الاتفاقية لتعزيز ردعها العسكري والأمني ضد التهديدات الإقليمية بعد أن أظهرت الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران أن أمريكا غير قادرة على منع اندلاع الحروب الإقليمية، أو حماية البنية التحتية والاقتصادية في السعودية ودول الخليج الأخرى من الرد الإيراني، لذا فإن السعودية تريد التعاون مع أكثر من جهة لحفظ أمنها عوضا عن الاعتماد على المظلة الأمريكية وحدها. وتركيا توظف ثقلها العسكري وقدراتها الصناعية المتطورة لتعزيز حضورها الإقليمي اقتصادها، وباكستان سبق لها أن وقعت مع السعودية اتفاق دفاع استراتيجي مشترك في سبتمبر/ أيلول 2025، ترسخ دورها كقوة عسكرية لها ثقلها في المنطقة، وتستفيد من الشراكة السياسية والاقتصادية مع المملكة حيث ان ملايين الباكستانيين يعملون هناك.
لكن اللافت للنظر هو أن مصر التي شاركت تركيا وباكستان والسعودية في اجتماعات متكررة حول أمن المنطقة كان آخرها اجتماع وزراء خارجية الدول الأربعة في عمان في الخامس من آب/ أغسطس 2026، أي قبل يومين من توقيع الاتفاقية، لم تنضم إلى الدول الثلاث مما دفع بعض المراقبين للإشارة بأنها لم تدعى للمشاركة بضغط من المملكة العربية السعودية التي يعتقد بأن علاقاتها مع مصر ليست في أحسن أحوالها!
بالإضافة إلى غياب مصر فإن الاتفاقية تتسم بعدم وضوح مضامينها واستراتيجيتها في التعامل مع إسرائيل ومع هيمنة الولايات المتحدة وحربها على إيران وتداعيات تلك الحرب على دول المنطقة والعالم؛ فالدول الثلاث ترتبط بعلاقات سياسية وعسكرية وطيدة مع الولايات المتحدة الأمريكية. فتركيا عضو في حلف شمال الأطلسي ” الناتو ” وتربطها علاقات سياسية واقتصادية وتقنية قوية مع أمريكا، والسعودية تستضيف عددا من القواعد العسكرية الأمريكية وهناك شراكات دفاعية واقتصادية واستراتيجية بين البلدين توجت بتوقيع اتفاقية الدفاع الاستراتيجي بينهما لتعزيز التعاون العسكري والأمني المشترك ومواجهة التحديات الإقليمية، وباكستان ترتبط بعلاقات سياسية واقتصادية وعسكرية جيدة أيضا مع أمريكا، فكيف ستتعامل الدول الثلاث مع أمريكا التي تدعم الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين وأجزاء من سوريا ولبنان وتعمل على ” خلق شرق أوسط جديد ” يخضع لإرادتهما كما يريد ترمب وشريكه نتنياهو؟
وهناك العديد من التساؤلات الأخرى المتعلقة بالاتفاقية من ضمنها: ما هو الإرهاب الذي ستتصدى له الدول الثلاث كما قال الرئيس التركي؟ هل هو ما تفعله أمريكا وإسرائيل في المنطقة أم المقصود بذلك المقاومة ودول ومنظمات عربية تعتبرها إسرائيل وأمريكا وبعض العرب إرهابية؟ وهل ستتدخل تركيا وباكستان لمهاجمة إيران إذا قصفت القواعد الأمريكية في السعودية؟ وهل ستوافق على انضمام إيران للاتفاقية إذا أرادت ذلك؟ وكيف ستكون علاقات دول الاتفاقية الحالية والمستقبلية مع دولة الاحتلال؟ ولماذا لم تشر نصوص الاتفاقية إلى فلسطين والمسجد الأقصى والمقدسات الإسلامية والمسيحية والحروب الدائرة في المنطقة؟
 الشعوب العربية تدعم أي اتفاقيات بين الدول العربية والإسلامية قد تؤدي إلى إيجاد حلول للصراعات المتعددة الدائرة في المنطقة، وتعزز أمنها واستقرارها وتطويرها، وتساهم في نصرة الشعب الفلسطيني، ودعم القضايا العربية والإسلامية. لكنها، أي الشعوب العربية، لا تتوقع الكثير من هذه الإتفاقية بعد ان خاب أملها في العديد من الاتفاقيات المماثلة التي وقعتها دول عربية فيما بينها، ومع دول إسلامية وبقيت جميعها حبرا على ورق، ولم تفعّل في صد أي من الاعتداءات التي شنتها إسرائيل والولايات المتحدة على عدد منها، وتخشى أن تتحول هذه الاتفاقية إلى أداة جديدة لتضليل وتخدير شعوب العالمين العربي والإسلامي، وتعميق الخلافات الدينية، والدفع نحو التطبيع العربي – الإسلامي مع دولة الاحتلال!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com