الجزائر.. كلمة السر في التحولات الإقليمية ورأس الحربة في مواجهة الأطماع القادمة.. بقلم/صخر الترك

في منطقة تتغير خرائطها السياسية بسرعة، وتتداخل فيها المصالح الدولية والإقليمية بصورة غير مسبوقة، تبدو الجزائر أمام اختبار تاريخي يتجاوز حدودها الجغرافية، ليضعها في قلب معادلة جديدة تتشكل ملامحها في شمال افريقيا والبحر المتوسط والشرق الأوسط.
الجزائر ليست دولة عابرة في حسابات المنطقة، فهي تملك ما يجعل حضورها مؤثرا في أي ترتيبات إقليمية قادمة: موقع استراتيجي، ثقل سياسي، موارد طبيعية، جيش قوي، وذاكرة تاريخية جعلت من فكرة السيادة والاستقلال جزءا راسخا من هويتها الوطنية.
ولهذا فإن السؤال لم يعد: ماذا تريد الجزائر؟ بل أصبح: ماذا يمكن أن تفعل الجزائر في ظل التحولات القادمة؟
فالمنطقة مقبلة على مرحلة مختلفة، عنوانها إعادة ترتيب النفوذ، وفتح ملفات الحدود والطاقة والأمن والهجرة، ومحاولات بناء تحالفات جديدة قد تغير موازين القوى. وفي مثل هذه المرحلة، تصبح الدول التي تمتلك قرارها الوطني وقدرتها على حماية مصالحها رقما صعبا في أي معادلة.
وهنا تحديدا تظهر أهمية الجزائر.
فالجزائر تدرك أن الأطماع لا تأتي دائما بصورة مباشرة، وإنما قد تبدأ من بوابة الاقتصاد، أو الأمن، أو الصراعات الحدودية، أو محاولات التأثير السياسي، وصولا إلى صناعة واقع جديد تفرضه موازين القوة على الأرض.
ومن هنا، فإن الحفاظ على استقلال القرار الجزائري لا يمثل شأنا جزائريا فقط، بل يرتبط بصورة أوسع بمستقبل التوازن في المنطقة.
الجزائر تمتلك أيضا ورقة مهمة تتمثل في علاقاتها مع محيطها الافريقي والمتوسطي، وفي قدرتها على التواصل مع قوى دولية متعددة دون أن تتحول إلى تابع لمحور واحد. وهذه المساحة من الاستقلالية تمنحها فرصة للمناورة السياسية، لكنها في الوقت نفسه تضع عليها مسؤولية كبيرة في إدارة المرحلة القادمة بحكمة وهدوء.
وفي ظل ما تشهده المنطقة من أزمات وحروب وتنافس على النفوذ، قد تكون الجزائر أمام فرصة تاريخية لإعادة تقديم نفسها كقوة إقليمية قادرة على حماية مصالحها والمساهمة في صناعة الاستقرار، لا مجرد دولة تتفاعل مع الأحداث بعد وقوعها.
لكن القوة وحدها لا تكفي.
فالمرحلة القادمة تحتاج إلى رؤية سياسية واقتصادية وأمنية متكاملة، وإلى قراءة مبكرة للتحولات، وإلى بناء علاقات متوازنة مع الجوار، خصوصا في افريقيا ومنطقة الساحل والمتوسط.
إن الجزائر التي خرجت من واحدة من أعقد مراحل تاريخها الحديث وهي متمسكة بسيادتها، قادرة اليوم على تحويل إرثها التاريخي إلى مشروع مستقبلي أكثر تأثيرا، شرط أن تدرك أن العالم يتغير، وأن أدوات الصراع لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت اقتصادية وسياسية وإعلامية وتكنولوجية أيضا.
وربما تكون الجزائر بالفعل “كلمة السر” في التحولات الإقليمية القادمة، ليس لأنها تبحث عن مواجهة أحد، وإنما لأنها تمتلك مقومات تجعلها قادرة على رفض أن يكون مستقبل المنطقة مجرد نتيجة لمشاريع الآخرين.
المعركة القادمة لن تكون بالضرورة معركة جيوش وحدود، بل معركة إرادات ومصالح وقرارات.
ومن يملك قراره اليوم، سيكون أكثر قدرة على حماية مستقبله غدا.
ولهذا، فإن الجزائر أمام لحظة لا تحتمل التردد: إما أن تكتفي بمراقبة التحولات من موقع المتلقي، أو أن تتحول إلى أحد الأطراف التي تساهم في رسم ملامح النظام الإقليمي الجديد.
والسؤال الذي سيجيب عنه المستقبل ليس إن كانت الجزائر قادرة على لعب هذا الدور، بل إلى أي مدى ستقرر استخدام قوتها السياسية والاستراتيجية لصناعة مستقبل ينسجم مع مصالحها ومصالح محيطها العربي والافريقي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com