نسبة الحسم (العتبة الانتخابية): معادلة التمثيل والاستقرار.. بقلم د. سامر موسى

تعد العتبة الانتخابية او نسبة الحسم من الادوات القانونية التي تترك أثر في تشكيل النتائج الانتخابية ضمن نظم التمثيل النسبي، اذ تمثل الحد الادنى من الاصوات الذي يجب ان تحققه القائمة او الحزب للمشاركة في توزيع المقاعد البرلمانية، وقد تكون هذه العتبة منصوصا عليها صراحة في القانون فتسمى العتبة القانونية، او تنتج بصورة طبيعية عن تصميم النظام الانتخابي وحجم الدوائر وعدد المقاعد المخصصة لها، فتعرف بالعتبة الطبيعية.
ورغم ان هذه الالية تبدو في ظاهرها تقنية، فإنها تنطوي على ابعاد دستورية وسياسية عميقة تمس جوهر الحق في التمثيل والمشاركة السياسية، ولذلك فان تحديدها لا يعد خيارا فنيا محايدا، بل يعكس فلسفة المشرع في الموازنة بين توسيع المشاركة السياسية وضمان استقرار المؤسسات المنتخبة.
وينقسم الفقه الدستوري بصدد مشروعية نسبة الحسم بين اتجاهين رئيسيين، اذ يذهب أنصار الاتجاه الوظيفي الى انها اداة تنظيمية مشروعة ما دامت تحقق غاية دستورية تتمثل في حماية فاعلية المؤسسة التشريعية والحد من التشرذم الحزبي، دون ان تتحول الى قيد غير مبرر على الحق في الترشح والانتخاب.
وفي المقابل يرى أنصار الاتجاه الحقوقي ان مشروعية هذه النسبة لا تقاس بمجرد النص عليها في القانون، بل بمدى تناسبها مع طبيعة النظام الانتخابي وتحقيقها للتوازن بين مبدأ المساواة في قيمة الاصوات ومقتضيات الاستقرار السياسي، ويستند هذا الاتجاه الى الدراسات الكلاسيكية في النظم الانتخابية، وفي مقدمتها اعمال الفقيه الفرنسي موريس دوفرجيه، التي بينت ان تصميم النظام الانتخابي يؤثر بصورة مباشرة في بنية النظام الحزبي وعدد القوى السياسية الممثلة داخل البرلمان، وان ارتفاع العتبة الانتخابية قد يسهم في تقليص عدد الاحزاب، لكنه قد يكون على حساب عدالة التمثيل اذا تجاوز الحدود التي تبررها اعتبارات الاستقرار.
ويستند المدافعون عن العتبة الانتخابية الى فكرة حماية النظام السياسي من التشتت الحزبي، اذ ان دخول عدد كبير من الاحزاب الصغيرة الى البرلمان كثيرا ما يصعب تشكيل الحكومات ويضعف استقرارها ويجعل عملية اتخاذ القرار أكثر تعقيدا، ولهذا اعتمدت العديد من الديمقراطيات نسب حسم متفاوتة تتلاءم مع ظروفها السياسية، فبعضها اختار نسبا منخفضة لتوسيع قاعدة التمثيل، بينما تبنت دول اخرى نسبا اعلى بهدف الحد من التفتت البرلماني وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار المؤسسي.
غير ان هذا النظام يثير اشكالات دستورية جوهرية تتصل بمبدأ المساواة بين الاصوات وحق المواطنين في التمثيل العادل لإرادتهم السياسيةـ فالأصوات الممنوحة لقوائم لا تتجاوز نسبة الحسم تستبعد من عملية توزيع المقاعد، وهو ما يؤدي عمليا الى انتقال أثرها الانتخابي الى القوائم الاكبر، وقد يترتب على ذلك حصول بعض القوائم على عدد من المقاعد يفوق وزنها الانتخابي الحقيقي نتيجة استبعاد اصوات منافسيها، وتزداد هذه الاشكالية كلما ارتفعت نسبة الحسم، اذ تزداد معها نسبة الاصوات المهدرة التي لا تجد طريقها الى التمثيل البرلماني، بما قد يمس مبدأ المساواة في قيمة الصوت الانتخابي.
وقد اهتمت المحاكم الدستورية والمؤسسات الحقوقية الدولية بهذه الاشكالية من منظور معيار التناسب، فقد اعتبرت المحكمة الاوروبية لحقوق الانسان في قضية يوماك وساداك ضد تركيا ان للدول هامشا واسعا في تصميم نظمها الانتخابية، شريطة الا تمس نسبة الحسم بجوهر الحق في انتخابات حرة، كما قضت المحكمة الدستورية الاتحادية الالمانية بعدم دستورية نسبة الحسم في انتخابات البرلمان الاوروبي لعدم وجود مبرر وظيفي كاف يبرر الحد من المساواة بين الأصوات، كذلك اكدت لجنة حقوق الانسان التابعة للأمم المتحدة في تعليقها العام رقم 25 ان القيود المفروضة على الحقوق الانتخابية يجب ان تكون موضوعية ومعقولة ومتناسبة مع الغاية التي تستهدفها.
وفي فلسطين، اتجه المشرع بموجب التعديل الاخير لقانون الانتخابات العامة الى تخفيض نسبة الحسم من 2% الى 1%، في خطوة تعكس توجها نحو توسيع قاعدة المشاركة السياسية وتعزيز التعددية داخل المجلس التشريعي، ويكتسب هذا التعديل اهميته في ضوء التجربة الانتخابية الفلسطينية، اذ اظهرت الانتخابات التشريعية لعام 2006، التي جرت وفق النظام المختلط وباعتماد نسبة حسم بلغت 2%، تمكن 06 قوائم انتخابية من تجاوز العتبة الانتخابية من اصل 11 قائمة متنافسة، الامر الذي يشير الى ان نسبة 2% لم تكن تشكل في ذاتها حاجزا مرتفعا امام التمثيل، وان تقييمها يظل مرتبطا ببنية النظام الانتخابي الذي يطبق في كل مرحلة.
ويبدو تخفيض نسبة الحسم الى 1% منسجما مع التحول الى نظام التمثيل النسبي الكامل القائم على الدائرة الانتخابية الواحدة واعتماد طريقة سانت لوغي في توزيع المقاعد، وهي عناصر من شأنها تقليص حجم الاصوات المهدرة وتوسيع فرص تمثيل القوى السياسية ذات الحضور الانتخابي المحدود، كما يمكن النظر الى هذا التعديل في ضوء التراجع الملحوظ في مستويات المشاركة الشعبية في بعض الاستحقاقات الانتخابية المحلية الاخيرة، باعتباره أحد الوسائل التشريعية الرامية الى تشجيع المشاركة السياسية وتعزيز ثقة الناخبين بجدوى اصواتهم، دون الجزم بوجود علاقة سببية مباشرة بين الامرين.
ومع ذلك، فان نسبة 1% تظل اعلى من العتبة الطبيعية التي يفرزها النظام الانتخابي الفلسطيني في ظل التمثيل النسبي الكامل، وهو ما يحافظ على حد أدني من الجدية السياسية، وفي الوقت ذاته يحد من هدر الاصوات مقارنة بالنسبة السابقة، غير ان نجاح هذا الخيار لا يتوقف على تخفيض نسبة الحسم وحدها، بل يرتبط كذلك بقدرة القوى السياسية على بناء ائتلافات وبرامج انتخابية قادرة على تحويل التعددية الى عنصر اثراء للعمل البرلماني، بدلا من ان تصبح سببا في الانقسام او تعطيل فاعلية المؤسسة التشريعية.
وتؤكد الممارسة الدستورية المقارنة ان نسبة الحسم ليست قاعدة جامدة، بل اداة تنظيمية تخضع لخصوصية كل نظام سياسي، ففي هولندا تكاد العتبة القانونية تكون معدومة، بما يوسع نطاق التمثيل ويؤدي الى برلمان شديد التنوع، بينما تعتمد المانيا نسبة 5% في انتخاباتها التشريعية للحد من التشتت الحزبي وضمان الاستقرار الحكومي، في حين خفضت تركيا نسبة الحسم من 10% الى 7% بعد انتقادات واسعة لارتفاعها.
اما في عدد من الدول العربية فتتراوح النسبة بين 1% و5%، وقد تغيب في بعض النظم الانتخابية تبعا لطبيعة الدوائر والية توزيع المقاعد. ويؤكد هذا التنوع ان نجاح نسبة الحسم لا يقاس بارتفاعها او انخفاضها، وانما بقدرتها على تحقيق توازن حقيقي بين احترام الارادة الشعبية وضمان وجود مؤسسات منتخبة قادرة على العمل بكفاءة.
لا تمثل نسبة الحسم غاية في ذاتها، بل وسيلة لتحقيق التوازن بين قيمتين دستوريتين متكاملتين هما عدالة التمثيل واستقرار المؤسسات، فكل نظام انتخابي يسعى الى توسيع المشاركة السياسية دون ان يفقد قدرته على انتاج سلطة تشريعية فاعلة، ومن هذا المنطلق يبدو اعتماد نسبة حسم قدرها 1% في القانون الفلسطيني المعدل خيارا أقرب الى فلسفة التمثيل النسبي الكامل، لأنه يقلل من هدر الاصوات ويحافظ في الوقت ذاته على حد ادنى من الجدية السياسية، مع بقاء نجاح التجربة مرهونا بقدرة القوى السياسية على ترسيخ ثقافة التحالفات والعمل البرلماني المسؤول، باعتبار ان استقرار النظام الديمقراطي لا يتحقق بالقيود القانونية وحدها، وانما ببناء حياة سياسية قادرة على تحويل التعددية الى شراكة وطنية فاعلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com