الموت… ورقة الربح؟.. بقلم: د. صبري صيدم

وصلت الأمور في معرض الانتخابات الإسرائيلية إلى واقع غير مسبوق. فالتنافس بين أرباب السياسة قد عزز مفهوم «انتخابات الدم». هذه العبارة وفق أدبيات الذكاء الاصطناعي قد تبدو قاسية إلى حدّ الصدمة، لكنها تختصر شيئاً من المشهد الذي يطل علينا كلما اقترب السياسيون من صناديق الاقتراع، حيث يتحول الدم أحياناً إلى أرقام، والدمار إلى أوراق تفاوض، والموت إلى مادة في حسابات الربح والخسارة.

في غزة، لا يزال الموت فلسطينياً بامتياز، فيما تتنقل المفاوضات بين العواصم والغرف المغلقة. وفي تل أبيب، يجلس نتنياهو أمام معادلة أكثر تعقيداً: كيف يواصل الحرب بما يرضي قاعدته السياسية، وكيف يتعامل في الوقت ذاته مع رغبة واشنطن في تحريك المياه الراكدة؟

لقاء جاريد كوشنر بنتنياهو، بعد لقاءات مع أطراف فلسطينية وإقليمية، لم يحمل اختراقاً حاسماً، بقدر ما كشف عمق المأزق. فإسرائيل تتمسك بنزع سلاح حماس قبل الانسحاب وإعادة الإعمار، فيما يطالب كثيرون بوقف الهجمات والانسحاب وبدء إعادة الإعمار ونجدة المكلومين أولاً.

وبين الشرط والشرط، يبقى الإنسان هو الحلقة الأضعف. لكن السؤال الأكثر إيلاماً ليس: ماذا يريد نتنياهو؟ بل: ماذا يفعل الموت في الحساب الانتخابي؟ حين تصبح الحرب جزءاً من حملة انتخابية، تصبح المناورة مخاطرة، ويصبح وقف إطلاق النار تنازلاً، ويصبح الاعتراف بحجم الكارثة الإنسانية عبئاً سياسياً.

وهنا تكمن المأساة الأكبر: أن يتحول استمرار الألم إلى وسيلة لإثبات القوة، وأن يصبح إنهاء الحرب بحاجة إلى شجاعة سياسية أكبر من إشعالها. نتنياهو يعرف أن أي تنازل في غزة قد يُقرأ داخل إسرائيل بوصفه ضعفاً، خصوصاً وهو يواجه استحقاقاً انتخابياً صعباً.

وفي المقابل، يدرك ترامب أن استمرار الحرب يضع إدارته أمام امتحان سياسي وأخلاقي، خصوصاً مع رغبتها في تقديم نفسها صاحبة مشروع لإنهاء الصراع.

وهكذا يصبح الموت، للأسف، رقماً في معادلة أكبر من الإنسان، لكن التاريخ لا يرحم الذين يضعون صناديق الاقتراع فوق صناديق الموتى، ويقتنعون بأن الدم الفلسطيني كلما زاد سيخلق ربحاً انتخابياً محققاً. فالسياسة التي لا تستطيع إنقاذ إنسان واحد من تحت الركام، لن تنجح في إقناع العالم بأنها تبحث عن الحلول، إذ أنها تبحث فقط عن استدامة بقائها في السلطة واستطالة عمرها السياسي على حساب الناس والبشر والحجر والشجر، وعلى حساب ملايين البشر الذين انتصروا لفلسطين في كل مكان.

والحلول الحقيقية لا تبدأ من حسابات الانتخابات، بل من سؤال بسيط: كم إنساناً يمكن إنقاذه إذا وقفت البشرية عند أولوية تثبيت الحياة وانهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية ووقف أحلام أرباب الدم بحثاً عن ورقة رابحة، ليبدأ العالم في البحث عن حياة جديدة للشعب الفلسطيني؟

s.saidam@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com