نظام التفاهة: لماذا لا يكفي الإصلاح؟ الجزء الثاني.. عائد زقوت
من إعادة إنتاج النخبة إلى إعادة تأسيس النظام

إذا كان الجزء الأول قد حاول الإجابة عن سؤال: كيف يعيد النظام إنتاج النخبة التي تحميه؟ فإنّ السؤال الآن يصبح أكثر صعوبة: كيف يمكن كسر هذه الحلقة دون الوقوع في وهم إعادة التأسيس السريع، أو في فوضى انهيار النظام القائم؟
فإعادة التأسيس ليست قرارًا إداريًا ولا تصميمًا ذهنيًا، بل صراع سياسي واجتماعي طويل، له تكاليفه وتوازناته ومقاوموه. فالبنى السياسية لا تتخلى طوعًا عن امتيازاتها، والنخب التي استفادت من النظام لا تصبح فجأة طرفًا محايدًا في تغييره. ولذلك فإنّ تغيير الأشخاص، مهما كان ضروريًا، لا يكفي إذا بقيت القواعد التي تُنتجهم وتعيد إنتاج سلوكهم كما هي.
الخارج: فاعل في تشكيل النظام
لا يمكن التفكير في هذا الانتقال من دون الاعتراف بوزن الخارج. فالنظام السياسي الفلسطيني لم يتشكل في فراغ؛ إذ كانت العلاقات الإقليمية والدولية، بما فيها الاعتراف والدعم والتمويل والوساطة، جزءًا من إنتاج القوة السياسية وتحديد حدود الممكن الفلسطيني.
لكن الاعتراف بدور الخارج لا يعني تحويله إلى شماعة. فالقوى الخارجية تستطيع التأثير في موازين القوى، لكنها لا تستطيع إنتاج شرعية داخلية مستدامة. وتظهر المشكلة حين يصبح التمويل الخارجي بديلًا عن بناء القدرة الذاتية، أو يتحوّل الدعم السياسي إلى وسيلة لتثبيت شبكات النفوذ، أو تصبح العلاقة بالخارج مصدرًا لشرعية تنافس الشرعية التي يمنحها المجتمع.
لذلك لا يتعلق الأمر بقطع العلاقة مع الخارج، وهو أمر غير واقعي، بل بإعادة تعريفها؛ بحيث يرتبط الدعم ببناء المؤسسات والكفاءة والشفافية، ويصبح التمويل استثمارًا في المجتمع، لا أداة لإعادة إنتاج المحاصصة. فالمطلوب ليس الانعزال عن الخارج، وإنما منع الاعتماد عليه من التحوّل إلى بديل عن بناء القدرة الفلسطينية على إنتاج القرار وإدارة الشأن العام.
لا يمكن انتظار اتفاق شامل
لكن كيف يبدأ التحوّل في ظل انقسام فلسطيني عميق؟ قد يبدو منطقيًا القول إنّ البداية يجب أنّ تكون باتفاق وطني شامل، غير أنّ هذا الشرط قد يتحول إلى وسيلة أخرى لتأجيل التغيير. فإذا كان الانقسام نفسه أحد نتائج البنية التي نريد تغييرها، فإنّ انتظار اتفاق بين الأطراف المستفيدة من استمرارها قد يعني انتظار تخلي النظام طوعًا عن شروط بقائه.
ومن هنا تبدو الخطوات الانتقالية أكثر واقعية من انتظار اتفاق شامل: توسيع المشاركة، وحماية المؤسسات العامة، وتعزيز استقلال المؤسسات المهنية والمدنية، ووضع قواعد تمنع استخدام الموارد العامة لإعادة إنتاج الولاءات. وهذه الخطوات لا تنهي الانقسام، لكنها قد تخلق حدًا أدنى من الثقة يمهّد لعملية سياسية أوسع.
فالتوافق الوطني يظل ضروريًا، لكن ليس بالضرورة أنْ يكون نقطة البداية. وقد يكون الأجدى أنْ يصبح نتيجة لمسار تدريجي من توسيع المشاركة وبناء الثقة، بدل أنْ يتحول انتظار تحقيقه إلى شرط لتعطيل كل تغيير.
من يدعو إلى الطاولة الوطنية؟
هنا يظهر السؤال العملي: من يملك الشرعية أو القدرة على إطلاق هذا المسار؟ لا يمكن افتراض أنّ فصيلًا واحدًا يستطيع الدعوة إلى إعادة تأسيس تحظى بالقبول العام، كما أنّ أي مبادرة تطلقها شخصيات مستقلة أو قوى اجتماعية من دون غطاء وطني قد تُقرأ بوصفها محاولة لإنشاء جسم سياسي جديد.
لذلك تقتضي الواقعية صيغة تجمع الشرعية القائمة بالشرعية الاجتماعية المتجددة. ومن هنا يمكن أنْ تبدأ مبادرة وطنية تشاركية تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية، تضم القوى السياسية، والمؤسسات المهنية والمدنية، والشخصيات المستقلة، وممثلين عن قطاعات المجتمع المختلفة.
ولا تكون وظيفتها تأسيس منظمة جديدة أو منافسة الفصائل، وإنما خلق مساحة مؤقتة لإعادة بناء قواعد المشاركة والثقة، وتهيئة الشروط السياسية والقانونية لمؤتمر وطني تأسيسي.
منظمة التحرير والطاولة الانتقالية
ينبغي أنْ يكون واضحًا أنّ الطاولة الوطنية الانتقالية ليست بديلًا عن منظمة التحرير؛ فإقامة جسم موازٍ لها ستنقل الصراع من إعادة بناء النظام إلى صراع جديد حول الشرعية.
الأفضل أنْ تكون الطاولة آلية مؤقتة تعمل تحت مظلة المنظمة، مهمتها توسيع التمثيل، وإعادة ترتيب العلاقة بين القوى السياسية والمجتمع، وإعداد الشروط اللازمة للمؤتمر التأسيسي. وبذلك تصبح أداة لتجديد منظمة التحرير، لا منافسًا لها، بما يعيد إليها دورها باعتبارها الإطار الوطني الجامع.
فالمشكلة ليست بالضرورة في وجود الإطار الوطني، بل في قدرته على مواكبة مجتمع تغيرت تركيبته وتجربته واحتياجاته. وتجديد المنظمة، بهذا المعنى، لا يعني إلغاء تاريخها أو تجاوز القوى التي شكلتها، وإنما إعادة وصلها بالمجتمع وبالتحولات التي طرأت عليه.
المؤتمر الوطني التأسيسي
ومن داخل هذا المسار يمكن أنْ يصبح المؤتمر الوطني التأسيسي أداة تأسيسية حقيقية. وتكمن أهميته في طريقة تشكيله والوظيفة التي يُكلَّف بها، لا في مجرد عقده.
يمكن أنْ يُنتخب على أساس وطني لا فصائلي، بحيث لا تكون المقاعد حصصًا للتنظيمات، بل تمثيلًا للمجتمع ومكوناته السياسية والاجتماعية والمهنية والجغرافية. وألا يكون المؤتمر قائمًا على المحاصصة الفصائلية؛ لأنّ تحويله إلى توزيع جديد للمقاعد بين القوى القائمة سيعيد إنتاج النظام الذي يفترض أنْ يعيد تأسيسه.
ويُكلَّف بوضع ميثاق وطني جديد يحدد قواعد اللعبة السياسية، وآليات التداول والمساءلة، والعلاقة بين المجتمع والسلطة، وحدود الصلاحيات.
ولا ينبغي أنْ يكون المؤتمر نقطة البداية، بل نتيجة لمسار تراكمي من بناء الثقة وتوسيع المشاركة؛ فالمؤتمر الذي يسبق تهيئة شروطه قد يعيد إنتاج المحاصصة، بينما يمكن للمؤتمر الذي يأتي بعد بناء مساحة سياسية جديدة أنْ يشكل لحظة تأسيس حقيقية.
التعافي وإعادة بناء المؤسسات
ولا يمكن فصل إعادة تأسيس النظام السياسي عن برنامج متزامن للتعافي وإعادة بناء ما دمرته الحرب في غزة والضفة الغربية. فإعادة بناء المجتمع والمؤسسات ليست مسارين منفصلين؛ إذ لا يمكن إنتاج شرعية سياسية جديدة في بيئة اجتماعية واقتصادية مدمرة، كما لا ينبغي أنْ يتحول التعافي إلى مجرد إعادة بناء مادي تحت قواعد سياسية قديمة.
فإعادة الإعمار ليست إعادة بناء الحجر فقط، وإنما إعادة بناء القدرة المؤسسية والاجتماعية أيضًا. وإذا جرى التعافي بالآليات السياسية نفسها التي أنتجت اختلالات الماضي، فقد نعيد بناء البنية المادية من دون أنْ نُغيّر البنية التي أنتجت الأزمة.
ولهذا يرتبط إصلاح النظام وتغيير قواعد إنتاج النخبة ببرنامج وطني متزامن للتعافي وإعادة البناء، على أنْ يسبق هذا المسار الانتخابات العامة للمؤسسات الفلسطينية، سواء انتخاب مجلس وطني جديد، أو انتخاب رئيس السلطة والمجلس التشريعي.
لكن الحديث عن الانتخابات في الحالة الفلسطينية الراهنة، خاصة في ظل التدويل المتصاعد للشأن الغزي، يطرح سؤالًا جوهريًا: هل تستطيع هذه الانتخابات، إنْ أُجريت، أنْ تُنتج شرعية سياسية مستقلة، أم أنها ستظل رهينة لشروط خارجية تعيد إنتاج التبعية نفسها؟
فالانتخابات هنا لا ينبغي أنْ تكون مجرد وسيلة لتجديد الوجوه داخل البنية القائمة، بل تتويجًا لمسار يعيد تحديد قواعد التمثيل والشرعية والمساءلة؛ وإلا فإنّ الانتخابات بالقواعد القديمة قد تعيد إنتاج النخبة نفسها التي يسعى المشروع إلى تجاوزها.
المقاومة والسلطة: إشكالية الشرعية
تبقى العلاقة بين المقاومة والسلطة من القضايا الحساسة. فالمشكلة لا تكمن في وجود المقاومة أو في شرعيتها الوطنية، وإنما في تحويل شرعية المقاومة إلى مصدر دائم لشرعية إدارة المجتمع.
وفي المقابل، لا يجوز استخدام قصور السلطة القائمة، وهي تعمل في ظل الاحتلال وغياب السيادة الكاملة، لتبرير احتكار القرار الوطني.
ولهذا لا تبدو العلاقة بين المقاومة والحكم قابلة للحسم بفصل ميكانيكي بين المجالين. تظل شرعية المقاومة محل احترام من دون أنْ تتحوّل إلى حصانة من المساءلة، وتخضع إدارة الشأن العام لقواعد المشاركة والمحاسبة، حتى في ظل غياب الدولة الكاملة.
فالمقاومة تمنح صاحبها شرعية وطنية في مجالها، لكنها لا تمنحه تفويضًا مفتوحًا لإدارة المجتمع. كما أنّ السلطة، في المقابل، لا تستطيع أن تجعل قصورها أو اعترافها الدولي مصدرًا وحيدًا للشرعية. والتحدي هو بناء نظام تتعدد داخله مصادر الشرعية، وتتوازن فيه القوة بالمساءلة، وتبقى القضية الوطنية ملكًا للمجتمع لا لأي فصيل أو مؤسسة.
الانتقال ليس لحظة بل مسار
لن تجري عملية إعادة التأسيس بسلاسة. فالنخب المستفيدة ستقاوم تغيير قواعد النظام، والفصائل لن تتخلى بسهولة عن امتيازاتها، والقوى الخارجية ستتعامل مع التحول وفق مصالحها، فيما قد يخشى مجتمع أنهكته الحرب والانقسام من كلفة التغيير.
لذلك فإن الواقعية السياسية ليست تنازلًا عن التغيير، بل شرط لإمكانه. وإعادة التأسيس لا تعني هدم كل ما هو قائم أو إلغاء القوى التي راكمت تاريخًا وشرعية، وإنما تغيير مواقعها داخل النظام، بحيث تنتقل من احتكار المجال السياسي إلى التنافس داخله.
إنها عملية تفاوض وصراع وتدرج، وقد تمر بانتكاسات وتسويات غير مثالية؛ لكن عدم كمال المسار لا يعني عدم ضرورته.
من إصلاح الفصائل إلى إعادة تأسيس السياسة
لهذا لا ينبغي أنْ يكون الهدف إلغاء الفصائل، ولا استبدال نخبة بأخرى، ولا إنتاج قيادة جديدة بالوسائل القديمة. المطلوب هو تغيير قواعد إنتاج القيادة نفسها: أن تصبح الشرعية قابلة للتجدد، وتاريخ المقاومة مصدر احترام لا حصانة، والكفاءة شرطًا للصعود، والاختلاف جزءًا من الحياة الوطنية، وإدارة الشأن العام مسؤولية تجاه المجتمع لا امتدادًا للتنظيم.
وهنا تتصل الدوائر كلها: احتكار الحقيقة يُضيّق مجال الاختلاف، وضيق الاختلاف يوسع مساحة الامتثال، والامتثال يعيد إنتاج النخبة، والنخبة تحمي البنية التي أنتجتها.
لذلك قد لا يكون السؤال في المرحلة المقبلة: كيف نصلح النظام السياسي الفلسطيني؟ بل سؤالًا أكثر جذرية: هل ما زالت القضية تحتاج إلى إصلاح النظام الذي عرفناه، أم تحتاج إلى إعادة تأسيس نظام جديد بقواعد مختلفة؟
فبعد غزة، وما يتشكل في الضفة، لم يعد المستقبل امتدادًا طبيعيًا للماضي. تغيرت الأرض، وتغير المجتمع، وتغير الإقليم، وتغير العالم. وما لا ينبغي أنْ يبقى على ما هو عليه، هو طريقة التفكير في الشرعية والسلطة والنخبة.
فالمعركة ليست فقط من أجل تحرير الأرض، بل من أجل بناء مجتمع لا يحتاج إلى احتكار الحقيقة كي يحافظ على وحدته، ولا إلى تأجيل الإصلاح كي يحافظ على مقاومته، ولا إلى نظام التفاهة كي يعيد إنتاج نخبه.
وربما يكون الاختبار الأصعب أمام الفلسطينيين في المرحلة المقبلة ليس فقط: من يستطيع أن يقاوم؟ بل: من يستطيع أنْ يبني نظامًا سياسيًا يجعل المقاومة طريقًا إلى الحرية، لا ذريعة لتأجيل بناء النظام الذي تستحقه الحرية؟



