حين تصبح الاستراتيجية بعيدة عن المريض: حدود التخطيط الإداري في واقع قطاع غزة الصحي لا يحتمل الانتظار.. نضال احمد جابر جودة

تجتهد وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة لاستحضار مصطلح الاستراتيجية، وأيضًا مبدأ تحليل SWOT، وكأنها تحاول بناء مؤسسة جديدة ليس لها وجود من قبل؛ فتستدعي الرؤية والرسالة والقيم، وتحلل نقاط القوة والضعف والفرص والتهديدات، ثم تنتقل إلى الأهداف الاستراتيجية والتشغيلية والمشاريع ومؤشرات الأداء، وصولًا إلى مصفوفات المواءمة وربط الأهداف بالبرامج والمشروعات والمسؤوليات.
ولا شك أن هذا التوجه يستند إلى مدارس إدارية حقيقية، وأن أدوات التخطيط الاستراتيجي والمواءمة المؤسسية ليست بدعة إدارية ولا مفاهيم عابرة. بل إن لها مكانتها في إدارة المؤسسات التي تحتاج إلى تحديد اتجاهها، وترتيب أولوياتها، وربط مواردها بأهدافها، وقياس مستوى تقدمها.
لكن المشكلة لا تكمن هنا.
المشكلة تبدأ عندما نفترض أن صلاحية النظرية تعني صلاحية تطبيقها بالطريقة نفسها في كل سياق.
وهنا يصبح السؤال أكثر أهمية من الأداة ذاتها:
هل نحن أمام مؤسسة تحتاج إلى بناء استراتيجية من جديد، أم أمام نظام صحي قائم يواجه أزمة تشغيلية وإنسانية تحتاج أولًا إلى الحفاظ على استمرارية خدماته الأساسية؟
التخطيط الاستراتيجي بطبيعته ينظر إلى الأمام.
أما الخدمة الصحية الحرجة، فكثيرًا ما تنظر إلى اللحظة.
المؤسسة تستطيع أن تضع خطة لعام أو ثلاثة أعوام، وتحدد أهدافًا ومشروعات ومؤشرات، وتعيد توزيع الموارد وفق الأولويات.
لكن المريض قد لا يملك رفاهية الانتظار.
وهنا تظهر إحدى أهم المفارقات الإدارية في النظام الصحي:
المؤسسة تحتاج إلى استراتيجية، لكن المريض يحتاج إلى استجابة.
المؤسسة تحتاج إلى مؤشرات، لكن المريض يحتاج إلى نتيجة.
المؤسسة تحتاج إلى مشاريع تطويرية، لكن المريض يحتاج إلى خدمة في الوقت المناسب.
والمؤسسة قد تستطيع الانتظار حتى تكتمل دورة التخطيط والمراجعة والتقييم، بينما قد لا يستطيع المريض الانتظار حتى نهاية اليوم.
لذلك فإن استخدام الأدوات الاستراتيجية في بيئة صحية استثنائية يجب ألا يؤدي إلى نقل مركز الاهتمام من المريض إلى المصفوفة.
عندما تتحول الأداة إلى غاية
من السهل أن تصبح الإدارة مفتونة بالأدوات.
رؤية.
رسالة.
SWOT.
أهداف استراتيجية.
أهداف تشغيلية.
مشروعات.
مؤشرات.
مصفوفة.
ثم تقارير متابعة.
ويبدو المشهد مكتملًا من الناحية الإدارية.
لكن السؤال الذي يجب ألا يغيب وسط كل هذه الأدوات:
ماذا تغير في الخدمة؟
إذا لم يتغير شيء جوهري في رحلة المريض، فقد نكون أمام خطة مكتملة العناصر، لكنها ناقصة القيمة.
فالاستراتيجية ليست عدد الصفحات التي كتبتها المؤسسة، ولا عدد المؤشرات التي وضعتها، ولا جمال المصفوفة التي صممتها.
الاستراتيجية في القطاع الصحي يجب أن تنتهي في مكان واحد:
عند المريض.
المشكلة في «المتوسط»
من أكثر الأخطاء شيوعًا في الإدارة الاعتماد على المؤشرات الكلية والمتوسطات العامة.
لنفترض أن مؤسسة صحية استطاعت رفع مستوى توافر مجموعة من الخدمات من 65% إلى 85%.
هذا، من منظور المؤشر، تقدم واضح.
لكن ماذا لو كانت نسبة الـ15% المتبقية تتضمن خدمة لا يمكن تأجيلها لفئة محدودة من المرضى؟
هل يصبح المؤشر 85% تعبيرًا حقيقيًا عن نجاح الخدمة؟
ليس بالضرورة.
وقد يحدث الأمر نفسه في زمن الانتظار.
إذا نجحت المؤسسة في خفض متوسط الانتظار من 48 ساعة إلى 24 ساعة، فهذا تحسن إداري.
لكن ماذا لو كانت بعض الحالات تحتاج إلى تدخل خلال ساعتين؟
هنا يصبح المتوسط جيدًا، بينما تكون الحالة الحرجة سيئة.
وهذه قاعدة يجب أن تحضر بقوة في الإدارة الصحية:
المتوسط قد يخفي الفشل.
فالمؤسسة الصحية لا تتعامل مع وحدات متجانسة من الطلب؛ بل مع حالات تختلف في الخطورة، والحاجة، والوقت، وكلفة التأخير.
ليس كل المرضى متساوين في حساسية الزمن
العدالة في تقديم الخدمة لا تعني بالضرورة مساواة جميع الحالات في زمن الاستجابة.
هناك خدمة يمكن تأجيلها.
وهناك خدمة يمكن تنظيمها ضمن قائمة انتظار.
وهناك خدمة لا ينبغي أن تنتظر أصلًا.
وهناك خدمة يصبح تأخيرها خطرًا على حياة المريض أو على فرصته في التعافي.
ومن هنا ينبغي أن ينتقل التفكير الإداري من مجرد قياس حجم الخدمة إلى قياس حرجية الخدمة.
فإذا كان لدينا مائة طلب خدمة، فإن التعامل معها على أنها مائة وحدة متساوية قد يكون سهلًا من الناحية الإدارية، لكنه ليس بالضرورة صحيحًا من الناحية الصحية.
قد تكون عشرة طلبات منها أكثر أهمية من التسعين الأخرى مجتمعة، ليس بسبب عددها، وإنما بسبب أثر التأخير على المرضى الذين يقفون خلفها.
وهنا يصبح السؤال:
هل مؤشر الأداء يقيس كمية العمل، أم يقيس أثر العمل؟
من «كم أنجزنا؟» إلى «من تأخر؟»
هذه ربما تكون أهم نقلة نحتاج إليها في التفكير الإداري الصحي.
فالسؤال التقليدي:
كم معاملة أنجزنا؟
قد يكون مهمًا.
لكن السؤال الأكثر أهمية في ظروف الأزمة:
كم حالة حرجة تأخرت؟ ولماذا؟
والسؤال الذي يليه:
ما أثر هذا التأخير؟
قد تنجح الإدارة في إنجاز 95% من الطلبات، لكن إذا تركزت نسبة التأخير في الحالات الأكثر حرجًا، فإن نسبة الإنجاز العالية لا تعكس بالضرورة جودة الأداء.
وهنا نكتشف أن المؤشر الإداري يحتاج إلى طبقة إضافية من القراءة:
الحجم + الزمن + الحرجية + النتيجة.
بدون هذه الأبعاد قد يتحول القياس إلى عملية حسابية جميلة، لكنها لا تخبرنا بما يكفي عن الواقع الصحي.
SWOT تشخيص وليس علاجًا
تحليل البيئة الداخلية والخارجية أداة مفيدة لفهم الواقع.
لكن علينا ألا نمنحه أكثر مما يحتمل.
أن تقول المؤسسة إن لديها نقصًا في الموارد، أو ضعفًا في البنية التحتية، أو فرصًا للشراكة، أو تهديدات مرتبطة بالبيئة المحيطة، فهذا تشخيص.
لكن التشخيص ليس تدخلًا.
المشكلة الإدارية تبدأ عندما نتعامل مع اكتشاف الفجوة وكأننا عالجناها.
إذا اكتشفنا نقصًا في مورد حرج، فإن السؤال ليس فقط: لماذا يوجد نقص؟
بل:
ما حجم النقص؟
من يحتاجه؟
متى يحتاجه؟
ما البدائل؟
ما الحد الأدنى المقبول؟
من يملك القرار؟
وما الإجراء الذي يجب أن يحدث خلال الساعات القادمة؟
هنا ننتقل من التفكير الاستراتيجي إلى الإدارة التشغيلية للفجوة.
وهذا الانتقال مهم جدًا في القطاع الصحي.
هل مصفوفة المواءمة تكفي؟
مصفوفات المواءمة، الاستراتيجية أدوات مهمة عندما نريد أن نربط بين الأهداف والمشروعات والمؤشرات والمسؤوليات.
لكنها لا تستطيع وحدها أن تجيب عن كل أسئلة الخدمة الصحية.
فالمصفوفة قد تخبرنا بأن مشروعًا معينًا يخدم هدفًا معينًا، وأن مؤشرًا معينًا يقيس التقدم، وأن فريقًا معينًا مسؤول عن التنفيذ.
لكنها قد لا تخبرنا بالسرعة التي يحتاجها المريض.
وقد لا تخبرنا بمن هو المريض الأكثر عرضة للضرر.
وقد لا تكشف الاختناق الذي يحدث في منتصف العملية.
وقد لا تقيس تكلفة التأخير الإنساني والصحي.
ولهذا فإن المشكلة ليست في المصفوفة.
المشكلة في الاعتقاد بأن المصفوفة يمكن أن تحل محل إدارة الواقع.
فالاستراتيجية تحتاج مصفوفة، لكن التشغيل يحتاج أيضًا إلى مراقبة يومية، وإدارة اختناقات، وتحليل أسباب الجذور، وتصنيف الأولويات، وتتبع الحالات، وقياس الزمن، والتدخل السريع.
من المؤشر إلى خط الأساس
لا يمكن الحديث عن مؤشر دون أن نسأل عن خط الأساس.
فالمستهدف ليس نقطة بداية.
عندما نقول إننا نريد الوصول إلى 90% أو 85% أو 80%، فإن الرقم وحده لا يخبرنا كثيرًا.
نحتاج أولًا إلى معرفة:
أين نحن الآن؟
ثم:
ما الفجوة؟
ثم:
ما الذي يمنعنا من سدها؟
ثم:
ما التدخل المطلوب؟
ثم:
ما الزمن الواقعي؟
ثم:
هل أدى التدخل فعلًا إلى تحسين النتيجة الصحية؟
وهنا يصبح القياس عملية إدارية حقيقية، وليس مجرد وضع أرقام في جدول.
الاستراتيجية ليست بديلًا عن التشغيل
ربما يكون أهم ما نحتاج إلى إدراكه هو أن التخطيط الاستراتيجي والتشغيل اليومي ليسا خصمين.
المؤسسة الصحية تحتاج الاثنين.
تحتاج استراتيجية طويلة الأمد حتى لا تتحول إلى مؤسسة تلاحق الأزمات إلى الأبد.
وتحتاج إدارة تشغيلية يومية حتى لا تتحول الاستراتيجية إلى وثيقة منفصلة عن حياة المرضى.
المشكلة تبدأ عندما نستخدم مستوى واحدًا من الإدارة لحل مشكلة تنتمي إلى مستوى آخر.
فالمشكلة الاستراتيجية تحتاج استراتيجية.
والمشكلة التشغيلية تحتاج إدارة تشغيلية.
أما الأزمة الحرجة فتحتاج إدارة أزمة واستمرارية خدمة.
ولا يمكن لمستوى واحد أن يحل محل المستويات الأخرى.
ما الذي نحتاج إلى قياسه إذن؟
نحتاج إلى الانتقال من مؤشرات تقول فقط:
كم أنجزنا؟
إلى مؤشرات تقول:
ماذا أنجزنا؟ ولمن؟ وفي أي وقت؟ وبأي نتيجة؟
وهنا يمكن بناء منظومة أكثر ملاءمة للواقع الصحي، تبدأ من:
حاجة المريض → درجة الحرجية → الزمن المقبول للاستجابة → قدرة النظام → الفجوة → التدخل → النتيجة.
هذه السلسلة أقرب إلى الواقع الصحي من النظر إلى الأداء باعتباره مجموعة أرقام منفصلة.
فإذا كان لدينا مريض يحتاج إلى خدمة خلال ساعتين، فإن المؤشر الحقيقي ليس فقط أن المؤسسة أنجزت 90% من الطلبات، وإنما أن هذه الحالة تحديدًا حصلت على الخدمة ضمن النافذة الزمنية المطلوبة.
لا نحتاج إلى إلغاء النظرية، بل إلى إنزالها من الورق إلى الواقع
ليس المطلوب أن نتخلى عن الاستراتيجية، ولا أن نرفض SWOT، ولا أن نلغي مصفوفات المواءمة.
بل المطلوب أن نضع كل أداة في مكانها الصحيح.
الاستراتيجية تحدد الاتجاه.
التخطيط التشغيلي يحول الاتجاه إلى عمل.
المؤشرات تقيس التقدم.
إدارة العمليات تكشف الاختناقات.
إدارة الأزمات تحمي الاستمرارية.
والنتيجة الصحية تحكم على كل ذلك.
وعندما تتعارض هذه المستويات، يجب أن نتذكر دائمًا أن المؤسسة موجودة لخدمة الإنسان، وليس الإنسان موجودًا لإكمال مؤشرات المؤسسة.
وفي النهاية… أين المريض؟
هذه ليست دعوة إلى رفض الفكر الإداري الحديث، وإنما دعوة إلى استخدامه بوعي.
فالأداة التي تنجح في مؤسسة مستقرة قد تحتاج إلى تعديل عندما تعمل داخل نظام صحي منهك.
والمؤشر الذي يصلح للحكم على الأداء الكلي قد لا يصلح للحكم على حالة حرجة.
والهدف الذي يبدو منطقيًا على المستوى المؤسسي قد يحتاج إلى إعادة ترتيب عندما يتعارض مع أولوية إنقاذ الخدمة.
ولهذا فإن السؤال الأكثر أهمية في أي خطة صحية ليس:
هل لدينا استراتيجية؟
ولا:
هل لدينا مصفوفة؟
ولا حتى:
هل لدينا مؤشرات؟
بل:
هل استطاعت هذه المنظومة أن تقلل الفجوة بين حاجة المريض وقدرة النظام على الاستجابة، وفي الوقت الذي يحتاج فيه المريض إلى هذه الاستجابة؟
فإذا كانت الإجابة نعم، فقد تحولت الإدارة إلى قيمة حقيقية.
أما إذا نجحنا في بناء استراتيجية جميلة، ومصفوفة متماسكة، ومؤشرات دقيقة، وتقارير منتظمة، بينما ظل المريض ينتظر الخدمة التي لا تحتمل الانتظار، فعلينا أن نمتلك الشجاعة الإدارية لنسأل أنفسنا:
هل نحن ندير المؤسسة لكي تحقق أرقامها، أم ندير الأرقام لكي تنقذ المؤسسة مريضها؟
نضال احمد جابر جودة.



