غزة بين ثروات البحر وعقائد البقاء: ماذا يريد العالم من القطاع.. بقلم: صخر الترك

منذ سنوات، لم تعد غزة مجرد بقعة جغرافية صغيرة محاصرة بين البحر والحدود، بل أصبحت في قلب صراع أكبر بكثير من حدودها ومساحتها وسكانها. وكلما اقتربنا من الحديث عن مستقبل القطاع، تتكاثر الأسئلة: لماذا كل هذا الاهتمام الدولي والإقليمي بغزة؟ ولماذا يبدو مستقبلها وكأنه جزء من ترتيبات تتجاوز حدود القضية الفلسطينية؟
هل ما يجري صراع على الإنسان والأرض فقط؟ أم أن وراء المشهد مصالح اقتصادية واستراتيجية، وموارد وطاقة وممرات بحرية، وموقعًا جغرافيًا بالغ الحساسية؟
هنا لا أطرح إجابة جاهزة، بل أطرح سؤالًا يجب أن يشغل كل فلسطيني وعربي: هل يريد العالم غزة من أجل إنقاذ أهلها، أم يريدها لأنها تمثل قيمة استراتيجية واقتصادية لا يستطيع تجاهلها؟
تقع غزة على شاطئ البحر المتوسط، وفي منطقة تتقاطع فيها طرق التجارة والطاقة والأمن الإقليمي. ومن الطبيعي أن تصبح هذه الجغرافيا جزءًا من حسابات القوى الكبرى، خصوصًا في عالم لم تعد فيه الحروب تُخاض بالسلاح وحده، بل بالاقتصاد والطاقة والموانئ والممرات البحرية وإعادة الإعمار والنفوذ السياسي.
لكن الأخطر من ذلك أن يتحول الإنسان الفلسطيني إلى مجرد رقم في معادلة المصالح.
فبعد كل حرب، يبدأ الحديث عن إعادة الإعمار: من سيدفع؟ ومن سيدير؟ ومن سيحكم؟ ومن سيمسك بالمعابر؟ ومن يملك قرار الأمن؟ ومن يحدد شكل الاقتصاد القادم؟ وفي وسط هذه الأسئلة الكبرى، يجب ألا ننسى السؤال الأهم: أين سيكون الفلسطيني من كل هذه الترتيبات؟
أما الحديث عن العقائد الدينية التي قد تختبئ خلف بعض المشاريع السياسية، فهو ملف أكثر حساسية وتعقيدًا. فالتاريخ يخبرنا أن الدين كثيرًا ما دخل في صلب الصراعات السياسية، وأن بعض القوى قد تستخدم التأويلات الدينية لتبرير السيطرة أو التوسع أو فرض واقع جديد. لكن الفرق كبير بين تحليل توظيف الدين في السياسة، وبين تحويل كل ما يحدث إلى مؤامرة دينية سرية بلا أدلة.
لذلك، علينا أن نكون أكثر وعيًا وأقل اندفاعًا.
لا يكفي أن نسأل: من يريد غزة؟ بل يجب أن نسأل أيضًا: ماذا يريد منها؟ ومن المستفيد من شكل غزة القادم؟ ومن يملك قرارها؟ ومن يملك مواردها؟ ومن يحدد مستقبل أبنائها؟
غزة ليست جائزة يتنافس عليها الآخرون، وليست أرضًا بلا أصحاب، وليست مشروعًا اقتصاديًا يمكن إعادة رسمه بعيدًا عن أهلها.
إن كان العالم يريد إعادة إعمار غزة، فمرحبًا بكل يد تمتد لإعمارها. وإن كان يريد إنهاء معاناة أهلها، فليكن ذلك من خلال حماية الإنسان الفلسطيني وحقوقه وكرامته.
أما إذا كانت إعادة الإعمار ستتحول إلى بوابة لإعادة تشكيل الجغرافيا والسياسة والاقتصاد بما يخدم مصالح الآخرين، فهنا يجب أن نتوقف طويلًا.
المشكلة ليست في أن تبحث الدول عن مصالحها؛ فكل دولة تفعل ذلك. المشكلة أن نكون نحن الطرف الوحيد الذي لا يبحث عن مصلحته.
لقد دفعت غزة ثمنًا هائلًا من الدم والدمار، ومن حق أهلها أن يكونوا شركاء حقيقيين في تحديد مستقبلها، لا مجرد متلقين لقرارات تُتخذ في عواصم بعيدة.
ولذلك، أعتقد أن المعركة القادمة لن تكون فقط على الأرض، بل على قرار غزة.
من يملك قرارها السياسي؟ من يملك اقتصادها؟ من يقرر مستقبل موانئها ومواردها؟ من يحدد علاقتها بمحيطها؟ ومن يضمن أن تتحول مواردها، إن وُجدت، إلى فرصة لأبنائها، لا إلى سبب جديد للصراع عليهم؟
ربما يكون السؤال الحقيقي أكبر من: «هل يريدون غزة؟».
السؤال هو: أي غزة يريدون؟
غزة التي يحيا فيها أهلها بحرية وكرامة، ويمتلكون قرارهم ومستقبلهم؟ أم غزة التي يُعاد تشكيلها لتصبح جزءًا من منظومة إقليمية ودولية جديدة، يكون فيها الفلسطيني حاضرًا بجسده، بينما القرار والثروة والنفوذ في يد الآخرين؟
إفشال أي مخطط يبدأ بامتلاك القرار
إن إفشال أي مخطط يستهدف غزة لا يكون بالشعارات وحدها، ولا بالاكتفاء برفض ما يُطرح من مشاريع، بل يبدأ بامتلاك الفلسطينيين لرؤيتهم الواضحة لمستقبل القطاع، ووحدة موقفهم، وقدرتهم على حماية قرارهم السياسي والاقتصادي.
وفي مواجهة كل هذه التحديات، تقع مسؤولية تاريخية على عاتق السلطات القائمة في قطاع غزة والضفة الغربية، وعلى جميع الفصائل والقوى السياسية الفلسطينية، بأن تدرك أن استمرار الانقسام لم يعد ترفًا سياسيًا يمكن احتماله، بل أصبح خطرًا يهدد القضية الوطنية ومستقبل الشعب الفلسطيني.
لقد آن الأوان للالتزام الجاد بالوحدة الوطنية، والالتحام تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية، باعتبارها الإطار الوطني الجامع، والعمل على إنهاء الانقسام بكل أشكاله وألوانه، والاحتكام إلى المصلحة الوطنية العليا بعيدًا عن الحسابات الفصائلية الضيقة.
ففي ظل ما يُرسم للمنطقة، وما قد تواجهه غزة والضفة من مشاريع سياسية واقتصادية وأمنية، لا يمكن لشعب منقسم أن يحمي أرضه أو موارده أو قراره.
قوتنا في وحدتنا الفلسطينية، وضعفنا في تشتتنا.
فالشعب الموحّد يستطيع الدفاع عن وطنه وحقوقه ومستقبله، أما التشتت فيجعل القرار الوطني أكثر هشاشة، ويفتح أبوابًا واسعة أمام التدخلات والمشاريع التي قد تُفرض من الخارج.
إن إفشال أي مخطط يستهدف غزة أو الضفة لا يبدأ فقط برفضه، وإنما يبدأ أولًا بإنهاء الانقسام، واستعادة الوحدة الوطنية، وبناء موقف فلسطيني موحد قادر على الدفاع عن الحقوق الوطنية.
فغزة ليست وحدها، والضفة ليست وحدها، وفلسطين ليست مجموعة جغرافية متفرقة؛ إنها قضية وطن وشعب وحقوق وتاريخ ومستقبل.
إذا كان الآخرون يرسمون خرائط المستقبل، فيجب ألا يكون الفلسطيني غائبًا عن رسم خريطته. وإذا كان هناك من يخطط لغزة، فعلينا أن نخطط نحن أيضًا لغزة، وأن نمتلك رؤيتنا وأدواتنا وقرارنا.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن يخطط الآخرون ضدنا، بل أن نختلف نحن إلى الحد الذي يجعل تنفيذ أي مخطط أمرًا سهلًا.
لذلك، فإن حماية غزة تبدأ من وحدة الموقف الفلسطيني، وحماية القرار الوطني، وضمان ملكية الفلسطينيين لمواردهم، وإشراك أهل غزة في كل ترتيبات مستقبلهم.
فغزة ليست ساحة مفتوحة لتجارب الآخرين، ولا ورقة تفاوضية تُدار بعيدًا عن أهلها، ولا ثروة يمكن أن تتحول إلى غنيمة لمن يملك القوة والنفوذ.
وإذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد معركة على الأرض والقرار والثروة، فإن أول سلاح فلسطيني في هذه المعركة هو الوحدة الوطنية.
غزة لأهلها، والضفة لأهلها، وفلسطين لكل أبنائها، وقرارها يجب أن يبقى فلسطينيًا.
فالوحدة ليست شعارًا نرفعه، بل ضرورة وطنية لحماية فلسطين وإفشال أي مشروع ينتقص من حقوق شعبها.
والتاريخ لا يرحم الشعوب التي تنشغل بالصراع على من يحكمها، بينما ينشغل الآخرون بتقرير ما سيكون عليه مستقبلها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com