قلنديا: تكشف ما وراء الحرب على الأونروا.. أبو شريف رباح

لم يعد ما يجري مع وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” بحاجة إلى كثير من التفسير، فاقتحام قوات الاحتلال معهد التدريب المهني التابع للوكالة في قلنديا وإخلاؤه من موظفيه بالتزامن مع اقتحام وزير الأمن الإسرائيلي إيتمار بن غفير للمعهد يكشف أن المسألة تجاوزت الخلاف السياسي حول عمل الوكالة الأممية وأصبحت جزءاً من محاولة فرض واقع جديد على الأرض.

فمعهد قلنديا ليس مجرد مبنى أو مؤسسة تعليمية بل واحد من المؤسسات التي ارتبطت بحياة أجيال من اللاجئين الفلسطينيين وقدم التعليم والتدريب المهني ضمن منظومة الخدمات التي أنشأتها الأونروا منذ أكثر من سبعة عقود، ومن هنا لا يمكن قراءة اقتحام المعهد وإخلائه بمعزل عن الحملة المتواصلة لإنهاء حضور الأونروا في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، فالأونروا ليست مجرد وكالة تقدم الغذاء والدواء والتعليم، بل يرتبط وجودها بواقع سياسي لم يُحل وبقضية ملايين اللاجئين الذين لم تنته قضيتهم ولم يسقط حقهم في العودة.

والأونروا لم تنشئ قضية اللاجئين ولم تمنحهم صفة اللاجئ أو حق العودة، بل جاءت نتيجة قضية قائمة نشأت عن النكبة والتهجير، ولذلك فإن الإصرار الإسرائيلي على إنهائها لا يستهدف خدماتها فحسب بل يسعى إلى إزالة أحد أبرز الشواهد الدولية المستمرة على قضية اللاجئين الفلسطينيين.

لماذا قلنديا تحديداً؟ لأن قلنديا ليست مكاناً عاديا، فالمعهد يقع في منطقة تربط مخيم قلنديا بالقدس ويقدم خدمات تعليمية ومهنية للاجئين واستهدافه يحمل دلالة تتجاوز الجانب الإداري أو الأمني خصوصا أن معهد قلنديا هو آخر منشأة للأونروا لا تزال تعمل في القدس الشرقية، من هنا فإن دخول القوات الإسرائيلية إلى مؤسسة تابعة للأمم المتحدة وإخلاء موظفيها وفرض السيطرة عليها يأتي ضمن خطوات متكررة للضغط على الأونروا وإخراجها من القدس وبالتالي فإن الرسالة لا تستهدف الوكالة وحدها بل تستهدف أيضا ما تمثله في الوعي الفلسطيني والدولي.

وهناك محاولة واضحة لإعادة تعريف القضية الفلسطينية بطريقة مختلفة فبدلاً من أن يكون الفلسطيني لاجئاً له قضية وحقوق يجري التعامل معه باعتباره مجرد إنسان محتاج إلى المساعدة، وبدلاً من الحديث عن أسباب اللجوء والتهجير والنكبة يجري التركيز على الغذاء والدواء والتعليم، ولا يعني ذلك التقليل من أهمية الدور الإنساني للأونروا بل على العكس فقد حافظت خدماتها لعقود على حياة ملايين اللاجئين، لكن الخطورة تكمن في محاولة فصل هذه الخدمات عن القضية التي أدت إلى وجودها، فإذا أُغلقت مدارس الأونروا لن تختفي النكبة، وإذا أُغلقت عياداتها لن تنتهي القضية، وإذا أُغلقت مكاتبها لن يسقط حق العودة، ولكن السؤال سيبقى قائما، ماذا حدث للاجئين، وأين حقوقهم، ومن المسؤول عن معالجة القضية التي أنشأت الأمم المتحدة الأونروا للتعامل مع آثارها؟

عندما أنشأت الجمعية العامة للأمم المتحدة الأونروا عام 1949 كان العالم يتعامل مع قضية لجوء فلسطيني نشأت بعد النكبة ومنذ ذلك الوقت لم يتم التوصل إلى حل عادل ونهائي للقضية الفلسطينية وقضية اللاجئين وهنا تكمن المفارقة، كيف يمكن إنهاء وكالة أُنشئت لمعالجة تداعيات قضية لم تنته حتى اليوم؟ وإذا كانت قضية اللاجئين قد حُلّت فليعلن المجتمع الدولي متى وكيف حُلّت، أما أن يجري العمل على إنهاء الأونروا بينما ملايين اللاجئين ما زالوا يعيشون في المخيمات والتجمعات ومناطق اللجوء فهذا يعني ترك القضية بلا حل ومحاولة التخلص من المؤسسة التي تذكر العالم بقضية اللاجئين.

ما حدث في قلنديا يحتاج إلى أكثر من بيانات الإدانة والاستنكار، فالأمم المتحدة مطالبة بحماية مؤسساتها وموظفيها والدول الأعضاء مطالبة بالدفاع عن الوكالة التي أنشأتها الجمعية العامة والدول المانحة مطالبة بتوفير تمويل مستدام لها حتى لا تصبح خدمات ملايين اللاجئين رهينة للضغوط السياسية، فالقضية هنا أكبر من الأونروا نفسها، إنها قضية هيبة القانون الدولي ومصداقية الأمم المتحدة، قد يستطيع الاحتلال إغلاق مبنى أو الاستيلاء على أرض، لكنه لن يستطيع إغلاق ذاكرة الشعب الفلسطيني، فالمخيم ليس مجرد بيوت، ومدرسة الأونروا ليست مجرد غرفة صف، وبطاقة اللاجئ ليست مجرد وثيقة، بل وراء كل ذلك حكاية عائلة فلسطينية خرجت من قريتها أو مدينتها وحملت معها مفتاح البيت وصك الأرض وذاكرة المكان، لذلك فإن المعركة الحقيقية ليست حول مبنى الأونروا في قلنديا ولا حول مدرسة أو عيادة أو مركز تدريب، بل حول قضية اللاجئين ومن يملك حق تحديد مصيرها، والأونروا ليست صاحبة حق العودة حتى يستطيع أحد إلغاء هذا الحق بإلغائها وليست صاحبة قضية اللاجئين حتى يستطيع أحد تصفية القضية بتصفيتها بل مؤسسة أممية، أما قضية اللاجئين فهي قضية شعب أُخرج من أرضه بالقوة وحق العودة ليس ملفاً في أرشيف الأونروا حتى يُغلق بإغلاق مكاتبها.

ما حدث في قلنديا يجب ألا يُقرأ باعتباره حادثاً عابراً، بل إنذاراً للمجتمع الدولي، فالصمت على اقتحام مؤسسة تابعة للأمم المتحدة وإخلائها والاستيلاء على منشآتها لن يحمي الأونروا من الخطر، والمجتمع الدولي اليوم أمام اختبار حقيقي هل سيدافع عن المؤسسات التي أنشأها أم سيترك اللاجئين الفلسطينيين وحدهم أمام محاولة إنهاء الشاهد الدولي الأبرز على قضيتهم؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com