يراقبون الطائرات الورقية… ويتغاضون عن دم غزة.. بقلم: عصام أبو دقة

في غزة، التي فقد أطفالها المدارس والملاعب والبيوت، أصبحت الطائرة الورقية واحدة من أبسط الأشياء التي بقيت لهم. أعواد خفيفة، وقطعة نايلون، وخيط طويل… دقائق قليلة يركض فيها الطفل خلف شيء في السماء، لا يحمل صوت طائرة حربية ولا خوف مسيّرة.
لكن حتى هذه اللعبة أصبحت اليوم قضية أمنية.
بعد العثور على طائرات ورقية قرب مستوطنة ناحل عوز، أعلن الجيش الإسرائيلي، بعد فحصها، أنه لم يجد فيها مواد مشبوهة أو خطرة. ومع ذلك، صدرت تهديدات إسرائيلية بالتصعيد والاغتيال وإخلاء مناطق في غزة إذا استمر إطلاق الطائرات والبالونات، بل جرى التعامل معها في الخطاب السياسي باعتبارها «نشاطًا مسلحًا».
وهنا تبرز المفارقة التي لا يستطيع الفلسطيني تجاهلها: طائرة من ورق تستدعي الشكوى والتحذيرات والتهديدات، أما قتل الفلسطينيين واستمرار القصف وسقوط الأطفال، فيتحول في كثير من الأحيان إلى خبر عابر، أو إلى دعوة جديدة لضبط النفس.
لسنا ضد التحقق من أي جسم يعبر الحدود، ولا ندعو إلى تجاهل أي خطر حقيقي. فإذا حملت طائرة ورقية مواد حارقة أو متفجرة، فمن الطبيعي التعامل معها بوصفها خطرًا. لكن المشكلة تبدأ عندما تُساوى طائرة ورقية خالية من أي مادة خطرة بطائرة مسيّرة، وحين يصبح فعل طفل ذريعة محتملة لقصف منطقة كاملة أو تهجير سكانها.
والأخطر أن أهل غزة أنفسهم بدأوا يمنعون أطفالهم من اللعب بالطائرات الورقية، لا لأنهم اقتنعوا بأنها سلاح، بل خوفًا من الثمن الذي قد يدفعه الطفل وعائلته إذا قرر الاحتلال اعتبارها تهديدًا. وقد وثقت تقارير صحفية دعوات للأهالي إلى منع الأطفال من إطلاقها خشية التصعيد الإسرائيلي.
وهذا وحده يلخص واقعًا قاسيًا: الطفل في غزة لا يفكر فقط في كيفية اللعب، بل في ماذا قد يحدث له بسبب لعبته.
المطلوب من الوسطاء والمؤسسات الدولية ليس الدفاع عن الطائرات الورقية، بل الدفاع عن معيار واحد للعدالة. من حق الجميع مراقبة كل ما يمكن أن يشكل خطرًا، لكن عليهم أن يراقبوا أيضًا القصف والقتل والتهجير والانتهاكات بالصرامة نفسها.
لا يجوز أن يصبح خيط طائرة ورقية أكثر حضورًا في النقاش الدولي من دم طفل.
ولا يجوز أن يُطلب من الفلسطيني دائمًا إثبات أنه لا يشكل خطرًا، بينما يبقى استخدام القوة ضده خاضعًا لتبريرات جاهزة وتحقيقات طويلة لا تصل غالبًا إلى محاسبة حقيقية.
غزة لا تطلب استثناءً من القانون؛ تطلب فقط أن يُطبَّق القانون عليها كما يُطبَّق على غيرها، وأن تُقاس حياة أطفالها بالميزان نفسه الذي تُقاس به حياة الآخرين.
راقبوا الطائرة الورقية إن شئتم، لكن راقبوا أيضًا الطائرة الحربية. احسبوا الخيط الذي تعبر به الرياح، لكن لا تتغاضوا عن الدم الذي يسيل على الأرض.



