غُيِّبت حقوق المريض في قطاع غزة بين البيانات والمعلومات: أزمة في إدارة المعرفة والمعيار

نضال احمد جابر جودة
في قطاع غزة، لا تبدو المشكلة دائمًا في غياب البيانات أو نقص المعلومات، بل في المسافة التي تفصل البيانات عن المعرفة، والمعرفة عن القرار، والقرار عن حقوق المريض؛ وحين يضطرب المفهوم، يضطرب المعيار، وحين يفقد المعيار بوصلته، تصبح الخدمة أسيرة الإجراءات بدل أن تكون موجهة نحو احتياجات المريض.
لقد أنتجت سنوات الأزمة والحرب واقعًا صحيًا بالغ التعقيد، تراجعت فيه قدرة النظام الصحي على الاستجابة، وتعرضت المؤسسات الصحية والبنية التحتية الطبية إلى أضرار واسعة، وتزايدت الاحتياجات الصحية في الوقت الذي تقلصت فيه القدرة التشغيلية للمؤسسات. لكن المشكلة لا تكمن فقط في حجم الدمار أو نقص الموارد؛ فثمة مشكلة أخرى أكثر عمقًا تتعلق بكيفية إدارة النظام الصحي لما تبقى من قدراته، وكيفية تحويل البيانات المتراكمة عن المرضى إلى معلومات، والمعلومات إلى معرفة، والمعرفة إلى قرارات عادلة وفعالة.
المريض: أين يقع في منظومة المعرفة؟
عندما نتحدث عن إدارة المعرفة في القطاع الصحي، فإن التسلسل الطبيعي ينبغي أن يبدأ من الإنسان:
احتياجات المريض → البيانات → المعلومات → المعرفة → القرار → الخدمة → قياس النتيجة وتجربة المريض → التعلم والتدريب → تحسين الخدمة.
لكن الخلل يبدأ عندما يصبح المريض مجرد رقم في قاعدة بيانات، أو اسمًا في قائمة انتظار، أو ملفًا طبيًا ينتظر إجراءً إداريًا، بينما تغيب معرفته الخاصة بتجربته واحتياجاته ومخاوفه عن عملية صناعة القرار.
فالمريض لا يقدم للمؤسسة الصحية بيانات سريرية فقط؛ بل يقدم معرفة ميدانية لا تستطيع السجلات الطبية وحدها إنتاجها: أين تتعطل الخدمة؟ ما الذي يمنع الوصول إليها؟ ما الذي يحدث أثناء الانتظار؟ وهل وصلت الخدمة في الوقت المناسب؟ وهل كان القرار الطبي والإداري متناسبًا مع حاجته الفعلية؟
ومن هنا فإن حقوق المريض لا ينبغي أن تكون وثيقة معلقة على جدار المؤسسة، وإنما يجب أن تكون مدخلًا من مدخلات إدارة المعرفة الصحية.
حين تغيب المؤسسة ويظهر البديل
من أخطر ما أفرزته الأزمة الصحية في قطاع غزة ليس فقط تراجع أداء المؤسسات الحكومية، وإنما نشوء ما يمكن وصفه بـ المؤسسات الإحلالية؛ أي المؤسسات أو الترتيبات التي بدأت تمارس أدوارًا كان ينبغي أن تكون جزءًا من منظومة صحية حكومية واضحة وذات مرجعية ومسؤولية محددة.
وقد يبدو وجود هذه الترتيبات مفهومًا في ظروف الطوارئ، عندما تكون الأولوية لإنقاذ الأرواح وسد الفجوات العاجلة. لكن الطوارئ لا ينبغي أن تتحول إلى نموذج دائم، ولا ينبغي أن يتحول البديل المؤقت إلى مؤسسة موازية تستنزف الوظيفة الأصلية للمؤسسة الحكومية أو تحجب دورها.
المشكلة هنا ليست في وجود الشريك أو المؤسسة الدولية أو الجهة الداعمة؛ فالشراكة الصحية ضرورة في ظروف الكوارث. وإنما المشكلة عندما تتحول الشراكة من دعم المؤسسة إلى الحلول محل المؤسسة، ومن تعزيز النظام إلى إنشاء مسارات موازية له، بحيث يصبح السؤال: من يدير الخدمة؟ ومن يمتلك بيانات المريض؟ ومن يحدد الأولويات؟ ومن يقرر؟ ومن يتحمل المسؤولية عندما لا تصل الخدمة إلى مستحقها؟
عند هذه النقطة لا تعود القضية قضية تنسيق إداري، وإنما تصبح قضية حوكمة ومعرفة وحق.
قوائم الانتظار: عندما يتحول المريض إلى رقم
ولعل قوائم الانتظار المتراكمة تمثل الصورة الأكثر وضوحًا لهذه الأزمة.
قائمة الانتظار في حد ذاتها ليست مشكلة؛ فقد تكون أداة إدارية ضرورية لتنظيم الطلب عندما تكون الموارد محدودة. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول القائمة من أداة لإدارة الأولويات إلى مستودع للمرضى.
فليس كل مريض في القائمة سواء، وليس كل انتظار متساويًا في أثره.
مريض الأورام ليس كغيره، ومريض الفشل الكلوي ليس كغيره، والحالة التي يمكن تأجيلها أيامًا ليست كالحالة التي قد يؤدي تأجيلها إلى فقدان فرصة العلاج أو تدهور لا يمكن تداركه.
وهنا يظهر السؤال الحقيقي:
هل نملك قائمة انتظار، أم نملك نظامًا لإدارة الأولويات؟
الفرق بينهما هو الفرق بين تسجيل المرضى وبين إدارة المعرفة المتعلقة بهم.
فالقائمة التي تحتوي اسم المريض ورقم ملفه وتاريخ طلب الخدمة هي بيانات.
أما عندما نعرف عدد المرضى، وأمراضهم، ودرجة خطورتهم، ومدة انتظار كل منهم، وموقعهم الجغرافي، ونوع الخدمة المطلوبة، والطاقة المتاحة، واحتمالية تدهور الحالة نتيجة التأخير، فإننا أمام معلومات.
وعندما نستطيع تحليل هذه المعلومات لتحديد من يجب أن يحصل على الخدمة أولًا، وأين توجد الفجوة، وما الموارد المطلوبة، وما أثر التأخير، فإننا ننتقل إلى المعرفة.
وعندما تستخدم المؤسسة هذه المعرفة لاتخاذ قرار عادل وفي الوقت المناسب، نكون قد وصلنا إلى إدارة حقيقية للمعرفة.
المشكلة ليست في البيانات، بل في عدم تحويلها إلى قرار
يمتلك القطاع الصحي كميات هائلة من البيانات: ملفات مرضى، تقارير طبية، قوائم انتظار، طلبات تحويل، نتائج مختبرات، صور أشعة، بيانات تشغيلية، أعداد مراجعين، مؤشرات إشغال، ومعلومات عن الموارد المتاحة.
لكن امتلاك البيانات لا يعني امتلاك المعرفة.
فالمؤسسة التي تعرف أن لديها آلاف المرضى في قوائم الانتظار، لكنها لا تعرف من الأكثر حاجة، ولماذا ينتظر، وكم يستطيع الانتظار، وما أثر الانتظار على حالته، وأين يمكن توفير الخدمة له، لا تزال في مرحلة البيانات والمعلومات، ولم تصل إلى إدارة المعرفة.
وهنا تحديدًا تضيع حقوق المريض.
من يملك معرفة المريض؟
السؤال الأكثر حساسية هو: أين تتجمع معرفة المريض داخل النظام الصحي؟
هل هي في الملف الطبي؟
أم عند الطبيب؟
أم في إدارة المستشفيات؟
أم في إدارة التحويلات؟ (اللجنة الطبية البديلة).
أم لدى الجهة التي تنظم قوائم الانتظار؟ (شاشة استعلام).
أم لدى المؤسسات التي تقدم الخدمة بصورة بديلة؟ (منظمة الصحة العالمية).
إن تشتت المعرفة بين هذه الجهات يعني بالضرورة تشتت المسؤولية.
والمريض هو أول من يدفع ثمن هذا التشتت؛ فقد يكرر قصته الطبية أكثر من مرة، ويقدم أوراقه في أكثر من مكان، وينتظر دون معرفة سبب الانتظار، وقد لا يعرف من يملك قرار حالته، ولا أين وصلت معاملته، ولا ما المعيار الذي حدد أولويته.
وهنا تصبح الشفافية جزءًا من حق المريض في المعرفة.
المعيار: البوصلة التي لا يجوز أن تضيع
في الظروف الطبيعية يمكن للمؤسسة الصحية أن تعتمد على البروتوكولات والإجراءات والمسارات الإدارية. أما في ظروف الانهيار والطوارئ، فإن الحاجة إلى المعيار تصبح أكثر أهمية، لا أقل.
المعيار هو الذي يجيب عن الأسئلة الصعبة:
من له الأولوية؟
ما درجة الاستعجال؟
ما الحد المقبول للانتظار؟
متى تصبح الحالة طارئة؟
ما الخدمة التي يجب توفيرها أولًا عندما تكون الموارد محدودة؟
كيف نوزع الموارد بعدالة؟
ومن يتحمل مسؤولية القرار؟
وعندما لا تكون هذه المعايير واضحة أو قابلة للقياس، يصبح القرار عرضة للتقدير الشخصي، أو ضغط العلاقات، أو نفوذ المؤسسة، أو رد الفعل الآني.
وهنا يفقد المعيار بوصلته، وتفقد العدالة معناها.
من إدارة المرضى إلى إدارة حقوق المرضى
المطلوب اليوم ليس مجرد إعادة تشغيل المستشفيات أو زيادة عدد الأسرّة أو تقليص قوائم الانتظار، رغم أهمية ذلك كله.
المطلوب هو إعادة بناء النظام الصحي الحكومي حول المريض.
وهذا يتطلب بناء منظومة متكاملة تبدأ بالاستماع إلى المريض، ثم جمع بياناته، وتنظيمها، وتحليلها، وتحويلها إلى معرفة، ثم استخدامها في اتخاذ القرار، ومتابعة تنفيذ القرار، وقياس النتيجة، ثم إعادة المعرفة الناتجة إلى المؤسسة من أجل التعلم والتحسين.
بمعنى آخر:
المريض → مصدر معرفة، وليس مجرد متلقٍ للخدمة.
البيانات → وسيلة، وليست غاية.
المعلومات → خطوة، وليست معرفة مكتملة.
المعرفة → أساس القرار.
القرار → التزام بحق المريض.
والنتيجة → درس تتعلم منه المؤسسة.
المؤسسة الصحية الحكومية ليست مبنى
إعادة الاعتبار للمؤسسة الحكومية لا تعني الدفاع عن البيروقراطية أو إعادة إنتاج الهياكل القديمة، وإنما تعني استعادة المرجعية والمسؤولية والحوكمة.
فالمؤسسة الصحية الحكومية الحقيقية ليست مبنى ولا مسمى وظيفيًا، بل هي منظومة قادرة على معرفة احتياجات مجتمعها، وإدارة بياناته، وحماية حقوق مرضاه، وتحديد أولوياته، وتوزيع موارده، ومساءلة نفسها عن نتائج قراراتها.
أما عندما تتعدد الجهات، وتتداخل الصلاحيات، وتتشتت البيانات، وتتشكل قوائم انتظار بلا معيار واضح، وتعمل مؤسسات بديلة خارج المسار المؤسسي الأصلي، فإن النظام قد يستمر في تقديم بعض الخدمات، لكنه يفقد تدريجيًا قدرته على إدارة المعرفة وصناعة القرار.
إعادة بناء النظام تبدأ من سؤال بسيط
بعد كل ما حدث في قطاع غزة، ربما لا يكون السؤال الأكثر أهمية:
كم مستشفى نستطيع أن نعيد تشغيله؟
بل:
أي نظام صحي نريد أن نبني؟
نظامًا يسجل المرضى في قوائم؟
أم نظامًا يعرف مرضاه؟
نظامًا يجمع البيانات؟
أم نظامًا يحولها إلى معرفة؟
نظامًا يتخذ قراراته تحت ضغط اللحظة؟
أم نظامًا يمتلك معايير واضحة لترتيب الأولويات؟
نظامًا يرى المريض رقمًا في ملف؟
أم نظامًا يرى فيه إنسانًا يمتلك حقًا في المعرفة، وحقًا في العدالة، وحقًا في الخدمة في الوقت المناسب؟
إن إعادة بناء القطاع الصحي في غزة لا ينبغي أن تكون إعادة إعمار للأبنية فقط، بل إعادة إعمار للمعرفة المؤسسية، وللمعيار، وللحوكمة، ولحقوق المريض.
فحين يعود المريض إلى مركز المنظومة، تعود البيانات إلى وظيفتها الحقيقية، وتتحول المعلومات إلى معرفة، وتتحول المعرفة إلى قرار، ويتحول القرار إلى خدمة عادلة، وتتحول نتائج الخدمة إلى تعلم وتدريب وتحسين مستمر.
فالهدف ليس اعادة تشغيل مؤسسة صحية، بل اعادة بناء نظام صحي يعرف لماذا يفعل، ولمن يفعل، وكيف يقيس أثر ما يفعل.



