أن تعرف ماذا يملك خصمك… وأن تعرف كيف يفكر… بقلم:د. عبدالرحيم جاموس

قراءة في عقل ترامب ونتنياهو، وفي الحاجة إلى عقل فلسطيني وعربي جديد …
تُروى حكاية سياسية ذات دلالة عميقة عن السنوات الأخيرة من عهد ميخائيل غورباتشوف، حين زار وفد أمريكي عددًا من المواقع والمؤسسات السوفياتية التي ظلت لعقود طويلة مغلقة أمام العالم الخارجي، بما فيها مواقع تتصل بالقدرات النووية والاقتصاد ومؤسسات الدولة.
وفي الجلسة الختامية، سأل الأمريكيون نظراءهم السوفيات، بدهشة: ما الذي حدث؟ كنتم مجتمعًا مغلقًا، وكل شيء عندكم تقريبًا سري، أما اليوم فقد فتحتم لنا أبوابًا كنا نعتقد أنها مستحيلة الفتح، ورأينا بأعيننا ما كنتم تملكون!
وجاءهم، كما تُروى الحكاية، جواب بالغ الدلالة:
«أيها الرفاق، ليس صعبًا أن تعرفوا ماذا نملك، ولكن من الصعب أن تعرفوا كيف نفكر.»
بصرف النظر عن الدقة التاريخية لنسبة هذه الرواية، فإن مغزاها يتجاوز المناسبة نفسها؛ إذ يضع أيدينا على واحدة من أعقد مسائل السياسة والاستراتيجية: معرفة قدرات الخصم أسهل من معرفة العقل الذي يوظف هذه القدرات.
وهنا تحديدًا تكمن صعوبة قراءة ترامب ونتنياهو.
فليس السؤال الحقيقي: ماذا قال ترامب اليوم؟ وماذا قال نتنياهو أمس؟
بل السؤال الأهم:
كيف يفكر كل منهما عندما تتعارض الأقوال مع المصالح؟ وكيف يتصرف عندما تضيق الخيارات؟ وما الذي يخشاه؟ وما الذي يحتاجه؟ وما الذي يمكن أن يدفعه إلى تغيير موقفه؟
ترامب… السياسة بوصفها صفقة وقوة ومشهدًا
يصعب فهم دونالد ترامب من خلال منظومة أيديولوجية تقليدية ثابتة؛ فهو أقرب إلى عقل تفاوضي يرى السياسة في جانب كبير منها باعتبارها عملية مستمرة لإعادة توزيع القوة والمكاسب.
من يملك القوة؟
من يملك المال؟
من يستطيع أن يدفع؟
ومن يستطيع أن يمنع؟
وماذا يمكن أن أحصل عليه في مقابل ما أقدمه؟
ولهذا فإن تناقض التصريحات عند ترامب لا ينبغي أن يُقرأ دائمًا باعتباره تناقضًا فكريًا؛ فقد يكون جزءًا من طريقة إدارة التفاوض، أو من محاولة إبقاء جميع الأطراف في حالة انتظار وضغط.
إنه لا يحب أن يكشف أوراقه كلها دفعة واحدة، ولا يحب أن يُحاصر داخل موقف نهائي قبل أن يعرف ثمنه.
ومن هنا فإن الخطأ الاستراتيجي هو أن نتعامل مع كل تصريح له باعتباره سياسة نهائية.
ترامب يُقرأ من خلال اتجاه الحركة، لا من خلال حركة اللسان وحدها.
علينا أن نسأل: ما الذي يريد الوصول إليه في النهاية؟ وما المصالح الأمريكية التي يريد تحقيقها؟ وما الذي يريد أن يقدمه باعتباره «إنجازًا» أمام جمهوره؟ وأين يمكن أن يقبل بالتراجع إذا حصل على مقابل أكبر؟
إن فهم هذه الآلية أهم من الانشغال بكل تغريدة أو تصريح متناقض.
نتنياهو… حين تختلط استراتيجية الدولة باستراتيجية البقاء
أما بنيامين نتنياهو، فقراءته أكثر تعقيدًا.
فهو يتحرك في فضاء تتداخل فيه ثلاثة مستويات:
مصلحة إسرائيل كما يراها، ومشروع اليمين الإسرائيلي، ومستقبله السياسي والشخصي.
ولا يمكن دائمًا الفصل بينها.
فنتنياهو لا يتعامل مع غزة باعتبارها مجرد ملف عسكري، ولا مع الضفة باعتبارها مجرد قضية أمنية؛ بل ينظر إلى الجغرافيا والديموغرافيا والسيطرة والأمن ومستقبل المشروع السياسي الفلسطيني باعتبارها عناصر مترابطة في معادلة واحدة.
وفي الوقت نفسه، يبقى عامل البقاء السياسي حاضرًا بقوة في حساباته.
وهنا تكمن أهمية التمييز بين ما تريده الدولة الإسرائيلية على المدى الطويل، وما تحتاجه الحكومة الإسرائيلية في اللحظة الراهنة، وما يحتاجه نتنياهو شخصيًا للبقاء في موقعه.
قد تتقاطع هذه المصالح، لكنها ليست متطابقة بالضرورة.
ومن الخطأ، لذلك، أن نضع كل ما يفعله نتنياهو في خانة واحدة ونفترض أنه يتحرك وفق خطة واحدة مغلقة لا تتغير.
بل علينا أن نراقب دائمًا التفاعل بين الحكومة والجيش والمؤسسة الأمنية واليمين الاستيطاني والرأي العام والولايات المتحدة والانتخابات وموازين القوة الداخلية.
أين يلتقي ترامب ونتنياهو؟
على الرغم من اختلاف طريقة تفكير الرجلين، فإن هناك نقطة التقاء أساسية:
كلاهما يتعامل مع السياسة باعتبارها مجالًا لإدارة القوة والمصالح، وليس مجرد مجال لإصدار المواقف الأخلاقية.
ولهذا فإن التعامل معهما بالمواعظ وحدها لا يكفي.
ولا يكفي كذلك أن نثبت للعالم أننا أصحاب الحق.
فالحق يحتاج إلى قوة سياسية تحميه، وأدوات قانونية تدافع عنه، ومؤسسات قادرة على ترجمته، وعلاقات دولية تجعله حاضرًا في معادلة المصالح.
وهنا تبدأ المشكلة الفلسطينية والعربية.
المشكلة ليست فقط في عقل الخصم… بل في عقلنا نحن
من أكبر نقاط الضعف في الأداء الفلسطيني والعربي أننا كثيرًا ما نمارس السياسة بمنطق رد الفعل.
ننتظر ماذا ستفعل واشنطن.
ثم ننتظر ماذا ستفعل إسرائيل.
ثم نحلل ما حدث.
ثم نصدر بيانًا.
ثم نعود إلى الانتظار.
وهكذا يصبح الآخر هو الذي يحدد جدول أعمالنا، بينما نحن نتحرك داخل الجدول الذي وضعه هو.
وهذه ليست استراتيجية؛ هذه إدارة للأزمة.
الاستراتيجية تبدأ عندما نمتلك نحن جدول أعمالنا.
عندما نعرف ماذا نريد، وماذا نستطيع، وما هي أوراق قوتنا، وما هي حدود التنازل، وما هي البدائل إذا فشل الخيار الأول.
كيف نواجه طريقة تفكيرهما؟
ليس المطلوب أن نعرف ما يدور في رأس ترامب ونتنياهو في كل دقيقة، فهذا مستحيل.
المطلوب أن نبني سياسة فلسطينية وعربية تستطيع التعامل مع كل الاحتمالات المعقولة التي يمكن أن تنتج عن تفكيرهما.
وهذا يتطلب أولًا إعادة بناء العقل السياسي الفلسطيني على أساس:
المبادرة بدل الانتظار،
والاستراتيجية بدل رد الفعل،
والوحدة بدل التشرذم،
وتعدد الأدوات بدل الاعتماد على أداة واحدة.
فالقضية الفلسطينية لا تملك القوة العسكرية التي يملكها خصمها، لكنها تملك عناصر قوة أخرى هائلة: الشرعية الدولية، والحق التاريخي، والوجود على الأرض، والهوية الوطنية، والدعم العربي والإسلامي، والتعاطف الدولي، والقانون الدولي، والقدرة على التأثير في الرأي العام العالمي.
المشكلة ليست في غياب الأوراق.
المشكلة في كيفية جمع الأوراق وتوظيفها ضمن استراتيجية واحدة.
والعرب أيضًا بحاجة إلى إعادة تعريف قوتهم
أما النظام العربي، فلا ينبغي أن يبقى في موقع المتلقي.
العالم لا يتعامل مع الدول من خلال ما تقوله فقط، وإنما من خلال ما تستطيع فعله.
ولذلك فإن الموقف العربي من القضية الفلسطينية ينبغي أن ينتقل من التضامن السياسي إلى التأثير السياسي؛ ومن الاعتراض على السياسات إلى امتلاك القدرة على تغيير كلفتها ونتائجها.
وهذا لا يعني بالضرورة مواجهة عسكرية.
بل يعني استخدام السياسة والدبلوماسية والاقتصاد والقانون والعلاقات الدولية والإعلام والرأي العام، ضمن رؤية متكاملة.
فالقوة في عالم اليوم ليست بندقية فقط.
القوة هي القدرة على جعل إرادتك حاضرة في حسابات الآخرين.
لا نريد عقلًا فلسطينيًا يعيش على ردود الأفعال
المطلوب فلسطينيًا ليس أن نعرف ماذا يريد ترامب فقط، ولا أن نتوقع ماذا سيفعل نتنياهو.
المطلوب أن نسأل:
ماذا نريد نحن؟
كيف نريد أن يكون مستقبل غزة؟
كيف نريد أن تكون الضفة؟
كيف نحمي القدس؟
كيف نعيد بناء النظام السياسي الفلسطيني؟
كيف نستعيد الوحدة الوطنية؟
كيف نحول الاعتراف الدولي الواسع بالحقوق الفلسطينية إلى واقع سياسي؟
كيف نجعل أي مشروع يتجاوز الشعب الفلسطيني مكلفًا سياسيًا وقانونيًا ودوليًا؟
هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تحتل مركز التفكير الفلسطيني.
الخلاصة
لقد علّمتنا التجربة أن معرفة السلاح الذي يملكه الخصم لا تكفي لمعرفة الحرب التي يمكن أن يخوضها.
ومعرفة حجم قوته لا تكفي لمعرفة حدود استخدامها.
ومعرفة تصريحاته لا تكفي لمعرفة قراراته.
لذلك فإن الحكمة السياسية ليست أن ندّعي أننا نعرف كيف يفكر ترامب أو نتنياهو، وإنما أن نفهم منظومة مصالحهما ومخاوفهما وحدود حركتهما، وأن نبني في المقابل استراتيجية قادرة على التعامل مع كل ما يمكن أن يفعلاه.
وهنا نصل إلى الحقيقة الأهم:
المشكلة الفلسطينية والعربية ليست فقط أننا لا نعرف كيف يفكر خصمنا؛ بل أننا لم نحسم بعد كيف نريد أن نفكر نحن.
فإذا ظللنا ننتظر قرار ترامب، ونراقب نتنياهو، ونحلل تصريحاتهما، فسنبقى نتحرك داخل اللعبة التي يضعان قواعدها.
أما إذا امتلكنا مشروعنا الوطني والقومي، ووحدنا قرارنا، ورتبنا أوراق قوتنا، وأحسنا استخدام القانون والشرعية والدبلوماسية والعلاقات الدولية، فإننا لن نحتاج إلى معرفة ما يدور في رأسيهما في كل لحظة.
يكفينا أن نكون مستعدين لكل ما يمكن أن يفكرا فيه.
وهنا فقط ينتقل الفلسطيني والعربي من موقع من ينتظر المستقبل إلى موقع من يشارك في صناعته.
د. عبد الرحيم جاموس
6/9/2026
طاب صباحكم 🌺
تُقدّم مقالة الدكتور عبد الرحيم جاموس مقاربة استراتيجية عميقة تُفكّك آليات إدارة الصراع، متجاوزةً السرد التقليدي لتغوص في فلسفة إدارة القوة وتشكيل العقيدة السياسية.
المرتكزات التحليلية للمقال
💐 عقدة التشخيص (معادلة غورباتشوف):
انطلق الكاتب من حكمة السياسة السوفياتية ليرسخ قاعدة حاسمة: امتلاك الخصم للسلاح أقل خطورة من طريقتين في توظيفه. الأزمة العربية ليست في “عدم معرفة الإمكانيات الإسرائيلية أو الأمريكية”، بل في العجز عن فك شفرة “العقل الموجه” لهذه الإمكانيات.
💐تفكيك العقل المزدوج (ترامب ونتنياهو):
عقل الصفقات (ترامب):
يُدار بمنطق المكاسب والمخاطر المتبادلة، حيث التصريحات ليست مواقف أيديولوجية بل تكتيكات تفاوضية لانتزاع أقصى أرباح.
عقل البقاء (نتنياهو): يُدار بتشابك المعتقد اليميني مع غريزة الحفاظ على الذات السياسية، مما يجعل قرار الحرب أو السلم لديه محكومًا بالمعادلة الداخلية لا بالالتزامات الدولية.
💐 نقطة التقاء الخصمين:
كلاهما يُقدّس “موازين القوة والمصالح”، ولا يُقاد بمواعظ الحق الأخلاقي المجرد.
نقد الذات (مأزق رد الفعل):
يُشرّح د. جاموس الخلل العربي والفلسطيني المتمثل في “عقلية الانتظار”—انتظار التصريح، ثم التحليل، ثم البيان.
هذا النمط يحصر الفاعل العربي داخل “جدول أعمال الآخر”، فيتحول من صانع للأحداث إلى مجرد مُدارِس للأزمة.
💐معادلة التحول الاستراتيجي:
الخروج من الفخ لا يتطلب مجاراة القوة العسكرية للخصم، بل تجميع وتأطير أوراق القوة المبعثرة: الشرعية والقانون الدولي، التواجد الديموغرافي الثابت على الأرض، وكلفة المصالح الاقتصادية والدبلوماسية الإقليمية.
💐 مؤشرات الرؤية الاستراتيجية ونقلة البناء المقترحة
تتجسد النقلة النوعية التي يدعو إليها المقال في الانتقال الشامل من النمط القائم المعتمد على رد الفعل إلى نمط المبادرة والفاعلية.
فعلى مستوى محرك الحركة، تقتضي الرؤية التخلي عن ترقب تصريحات الخصم وخطواته، لصالح فرض جدول أعمال وطني وقومي مستقل يحدد السقف والخيارات.
وفي منطق الخطاب، ينبغي التحول من مجرد الاستشهاد بالحق الأخلاقي المظلوم إلى بناء أدوات ضغط ترفع الكلفة السياسية والاقتصادية على الخصم وتجعل ممارساته مكلفة.
أمّا في إدارة الأدوات، فتتطلب المرحلة تجاوز حالة التشرذم والارتهان لأداة واحدة، باتجاه مأسسة شاملة توحد أوراق القوة بين دبلوماسية، وقانون، واقتصاد.
وأخيرًا، يتجسد الموقف الإقليمي في الانتقال من مربع التضامن السياسي العاطفي والبيانات النظريّة إلى ممارسة التأثير المباشر والفاعل في معادلة المصالح الدولية والإقليمية.
💐 القيمة الناجزة للتحليل
تكمن القوة الشديدة في نص د. جاموس في تحويل النقاش من “كيف نفهم الخصم؟” إلى “كيف نعيد بناء عقلنا نحن؟”. المقال يضع الأصبع على الجرح المفصلي: الاستغراق في قراءة الخصم دون امتلاك مشروع مقابل يُحوّل الفعل السياسي إلى مجرد مشاهدة منفعلة.
إن الانتصار في معارك المصالح لا يتطلب قراءة الطالع في أفكار ترامب أو نتنياهو، بل يتطلب بناء بنية سياسية فلسطينية وعربية صلبة تجعل أي سيناريو يفكّر فيه الخصم مكلفًا وغير قابل للتحقيق.
تحياتي واحترامي 🌹🌹🌹

د/ عادل جودة



