هل الإعلام الحزبي يسعف الرواية الفلسطينية؟

بقلم: شريف الهركلي
تضاربت الأحداث والتغطيات الإعلامية خلال الحرب المجنونة على قطاع غزة، في ظل خناق شديد فُرض على الصحفي الفلسطيني، ومنع الصحفيين الأجانب من الوصول إلى القطاع، في وقت حاول فيه الاحتلال التحكم في مسارات الصورة والخبر والرواية.
ومن هنا يبرز السؤال المؤلم: من هي الرواية الفلسطينية؟ ومن سيكتب التاريخ الفلسطيني عندما تنتهي الحرب؟
الرواية الفلسطينية ليست بيانًا حزبيًا، ولا نشرة فصيل، ولا خطابًا سياسيًا عابرًا. إنها الأرض والإنسان والدم والذاكرة والتاريخ. وهي ما تنقله الصحافة المقروءة والمرئية والمسموعة، وما يوثقه الصحفيون والناشطون والكتاب والروائيون والفنانون في فضاء إعلامي مفتوح.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الرواية الوطنية إلى روايات حزبية متنافسة؛ فتُنتقى الأحداث وفق المصلحة السياسية، وتُعاد صياغة الكلمات والمصطلحات بما يخدم هذا الطرف أو ذاك، وقد تُحجب بعض الوقائع لأنها لا تناسب الحسابات الحزبية أو تمس الجهات المنافسة.
وهنا لا تعود المسألة مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل تصبح فوضى في صناعة الحقيقة والذاكرة الفلسطينية.
الإعلام الإسرائيلي يقدم مثالًا واضحًا على خطورة تداخل السياسة بالإعلام. فهناك منابر مرتبطة بتيارات سياسية وأيديولوجية مختلفة، وقد تتنافس في تفسير الحدث وتحديد المسؤولية وصياغة المصطلحات؛ فيتحول الخبر أحيانًا إلى جزء من المعركة السياسية الداخلية، وتصبح طريقة تقديم الحدث مرتبطة بالزاوية التي تخدم هذا التيار أو ذاك.
لكننا لسنا بمنأى عن هذه المشكلة.
في الساحة الفلسطينية أيضًا، تمتلك الفصائل ومنابرها الإعلامية رواياتها الخاصة. وقد تميل بعض وسائل الإعلام إلى إبراز ما يخدم موقف الفصيل، والتقليل من شأن ما يحرجه، أو تقديم الحدث من زاوية سياسية واحدة. وهنا يصبح السؤال أحيانًا ليس: ماذا حدث؟ بل: كيف نريد للناس أن يروا ما حدث؟
وهذه هي الكارثة.
فوضى النشر لا تصنع رواية وطنية. وعندما تتسابق المنابر الحزبية على تثبيت روايتها، ويعيد كل طرف ترتيب الوقائع بما يخدم قوته السياسية، يجد المواطن نفسه أمام أكثر من «فلسطين» إعلامية، بينما فلسطين الحقيقية؛ فلسطين الضحايا والنازحين والأسرى والبيوت المدمرة، تقف خارج هذه الحسابات.
هل نحن نوثّق فلسطين كما هي، أم كما تريد الفصائل أن يراها الناس؟
السؤال ليس دعوة إلى إعلام بلا موقف، ولا إلى صحافة بلا انتماء. بل إلى إعلام فلسطيني مهني يمتلك موقفًا وطنيًا، لكنه لا يزوّر الحقيقة ولا ينتقي الوقائع لخدمة حزبه. إعلام يوثق قبل أن يبرر، ويسأل قبل أن يحكم، ويحفظ الحقيقة حتى عندما تكون مؤلمة.
نحن بحاجة إلى مسار وطني ومهني للرواية الفلسطينية، يشارك في صياغته الصحفيون والكتاب والروائيون والفنانون والباحثون والمؤسسات الإعلامية، بعيدًا عن هيمنة الفصائل والنفوذ السياسي.
فالرواية الفلسطينية أكبر من فتح وحماس، وأكبر من السلطة والمعارضة، وأكبر من أي فصيل أو قائد.
إنها رواية شعب.
وحين تتعدد الاجتهادات، يجب ألا تتعدد الحقيقة.
فمن سيكتب التاريخ الفلسطيني عندما تنتهي الحرب؟ الصحفي الذي حمل كاميرته وسط الركام، والناجي الذي عاش المأساة، والكاتب الذي وثق التفاصيل، أم السياسي الذي يريد أن يكتب التاريخ بما يخدم موقعه ومستقبله؟
إذا لم نضع الحقيقة أولًا، ونفصل التوثيق عن الدعاية، فقد تنتهي الحرب، لكن حرب الروايات ستستمر، وقد نكتشف يومًا أن أخطر ما فقدناه لم يكن البيوت وحدها، بل الحقيقة التي كانت تسكن بينها.



