هل غدر بحر السياسة أم الساسة الفلسطينيون؟.. بقلم: شريف الهركلي

على شاطئ خانيونس، في منطقة «فش فرش»، جلست على صخرة أعاتب الأفق، وأراقب البحر وهو يمد أمواجه ثم يتراجع بها. وبينما كنت غارقًا في صمتي، سمعت طفلًا يصرخ بصوت مرتفع: «غدّار يا بحر!»، وهو يضرب بقدمه الصغيرة الموج، ثم يعود إلى اللعب مع الأطفال.
أغمضت عيني، ورددت في سري: «غدّار يا بحر»… وفجأة اصطدمت الكلمة بالسياسة الفلسطينية، فرأيت أمامي لوحة وطنية تشبه البحر بكل تقلباته.
مراكب فلسطينية متنوعة قادمة من بعيد؛ ألوانها أصفر وأخضر وأسود، وبينها الشراع والمجداف واللنشات واليخوت، في صورة تختصر تعدد الفصائل واختلاف إمكاناتها، التي كثيرًا ما تتأثر بمصادر التمويل والدعم السياسي.
على كل مركب أخوة ورفاق، يتصافحون حينًا ويختلفون حينًا آخر. ينزل بعضهم من المركب، فيبني مركبًا أصغر يدور حول المركب الأول، ويصنع من حوله تيارات ودوامات، وكأن الخلاف الفلسطيني لا يكتفي بتعدد المراكب، بل يهدد الجميع بالغرق.
وكما يقول الشاعر الفلسطيني سالم الدبجي:
وتباتُ في عتمِ العبابِ غريقةً
عند اصطدامِ الناسِ والقبطانِ
وهنا يبرز السؤال: هل تصل المراكب الفلسطينية إلى بر الأمان، أم تظل تبحر في بحر السياسة المتلاطم؟
ولعلنا بحاجة إلى إعادة النظر في فكرة «المركب الواحد». فليس العيب في كثرة المراكب، ولا في تعدد الألوان والاتجاهات السياسية؛ إذ إن البحر يتسع للجميع. العيب الحقيقي في القبطان حين يفقد البوصلة، أو يجعل لمركبه وجهة غير وجهة الوطن.
لكل قبطان بوصلته، ولكل مركب وجهته، لكن الوطن لا يحتمل أن تتعدد وجهاته حين تكون العاصفة في كل اتجاه. قد تختلف المراكب، وقد تختلف راياتها، لكن ينبغي أن تتجه جميعها نحو مرسى وطني واحد.
وألوان الطيف موجودة؛ فكل لون له مكانه، ولا يلغي لونٌ لونًا آخر، وإنما تكتمل الصورة حين تجتمع الألوان في طيف واحد. هكذا نريد فلسطين: تعددًا لا يلغي أحدًا، واختلافًا لا يبدد البوصلة الوطنية.
شعبنا الفلسطيني يشتاق إلى شواطئ الأمن والأمان، بعد سنوات طويلة من الإبحار وسط العواصف والحروب والانقسام.
لكن يبقى السؤال الأصعب: أين يكمن الغدر؟ في بحر السياسة أم في الساسة الفلسطينيين؟
ربما البحر بريء؛ فصراعات الساسة هي التي شوّهت السياسة، وحوّلتها أحيانًا من وسيلة لإدارة الاختلاف وحماية الوطن والمواطن إلى ساحة للصراع على المراكب والمواقع والنفوذ.
فهل يتوحد الساسة من أجل نجاح سياسة الوطن؟ وهل يمكن أن تخرج القرارات المصيرية من الغرف المغلقة وتحت الطاولات، إلى فضاء الشفافية والمساءلة؟
الاتفاقات الوطنية لا ينبغي أن تُبرم في الظلام؛ لأن الشعب هو صاحب المصلحة الأولى، ومن حقه أن يعرف وأن يشارك وأن يحاسب، من خلال مؤسسات ديمقراطية حقيقية، واستفتاء شعبي عندما تكون القضايا مصيرية.
يقال إن السياسة فن الممكن، لكن السياسة في أصلها ليست كذبًا ولا مراوغة؛ وإنما يفسدها حين تتحول من خدمة الوطن إلى خدمة المصالح الضيقة. فالسياسة بريئة من سوء استخدامها، كَبَراءة الذئب من دم يوسف.
البحر لا يغدر بأحد؛ إنما يغدر الساسة حين ينسون أن المراكب التي يتصارعون عليها، مهما اختلفت ألوانها وأشرعتها، تحمل شعبًا واحدًا ووطنًا واحدًا.
ولذلك، لا نريد بالضرورة مركبًا فلسطينيًا واحدًا، بل نريد مراكب متعددة، وبوصلات واضحة، وقبلة وطنية واحدة، ومرسى واحدًا… ووطنًا يتسع لجميع أبنائه.



