مرضى قطاع غزة ما بين المتعة الإدارية والإجراءات السيادية المهمَّشة.. نضال احمد جابر جودة

ثمة فارقٌ بين إدارةٍ تبحث عن الأثر، وإدارةٍ تجد متعتها في ظهور الفعل الإداري. الأولى تبدأ من الاحتياج وتنتهي بالأثر، أما الثانية فقد تنتهي عند لحظة ظهور الحدث؛ قائمةٌ أُعلنت، لجنةٌ اجتمعت، إجراءٌ اكتمل، وبيانٌ صدر، فينشأ ذلك الشعور اللحظي بالإنجاز: المتعة الإدارية.
وتصبح المسألة أكثر تعقيدًا حين تنشأ حول هذه المتعة بدائل وليدة تقفز فوق المؤسسة بدل أن تعمل من خلالها؛ فتتراجع الإجراءات السيادية للمؤسسة الصحية الوطنية، لا لأن الحاجة إليها قد انتهت، وإنما لأن الحاجة إلى إظهار الحركة أصبحت أكثر إلحاحًا من الحاجة إلى بناء الأثر. وهنا لا يعود السؤال: من يعمل؟ بل يصبح السؤال الأهم: أي منظومة تعمل، ولأي احتياج، وبأي معيار، وإلى أي نتيجة؟
في ملف مرضى العلاج خارج قطاع غزة، لا تبدأ الإدارة عند القائمة، ولا تنتهي عند المعبر. هناك مسار تراكمي يبدأ من الاحتياج العلاجي، ثم التشخيص والتوثيق، فالطبيب المعالج، وإدارة المستشفى، والقنوات المختصة بالعلاج بالخارج، وتنسيق وارتباط المرضى، وإجراءات المعابر، ثم الجهة الصحية المستضيفة. هذه ليست حلقاتٍ زائدة في طريق المريض؛ إنها مدخلات معيارية متراكمة لصناعة قرارٍ يمكن قياسه وتقييمه ومساءلته.
لكن «المتعة الإدارية» تبدأ حين يُختصر هذا المسار في لحظة ظهوره. عندها يغيب القياس القبلي: ما الاحتياج الحقيقي للمرضى؟ ما تصنيفاتهم؟ ما الأولويات؟ ما الفجوة بين الحاجة والقدرة؟ وما الذي كان ينبغي أن تنتجه المؤسسة قبل أن تبدأ العملية؟ وحين يغيب هذا القياس، يصبح ظهور المؤسسات أو الهياكل الصحية الإحلالية وكأنه دليلٌ على ملء الفراغ، بينما قد يكون الفراغ الحقيقي هو غياب معيار الاحتياج نفسه.
ثم يأتي القياس المرحلي: ماذا حدث للمدخلات عندما دخلت في الإجراءات؟ هل انتقلت المعلومات الطبية بصورة صحيحة؟ هل تحولت الحاجة إلى قرار؟ وهل عملت كل حلقة من حلقات المسار بوظيفتها أم أصبحت كل حلقة بديلًا عن أخرى؟ هنا يظهر الفرق بين إدارةٍ تراقب المسار، وإدارةٍ تراقب المشهد.
أما المخرجات، فلا ينبغي أن تكون عدد القوائم أو عدد الأسماء التي غادرت، بل مقدار ما تحقق من الاحتياج العلاجي. فالقائمة مخرجٌ إداري، لكنها ليست بالضرورة أثرًا علاجيًا. والحدث قد يكون ناجحًا في لحظته، بينما يظل الاحتياج الذي أنشأه قائمًا بعدها.
ثم تأتي المنطقة الأكثر صمتًا: القياس البعدي. ماذا حدث للمريض بعد خروجه؟ هل وصل إلى الجهة المستضيفة؟ هل تلقى العلاج الذي أُحيل من أجله؟ هل كانت الوثائق والمعلومات الطبية كافية؟ هل استمر التنسيق؟ هل عاد ملفه بالمعلومة التي تسمح للمؤسسة الوطنية بالتعلم والتصحيح؟ أم أن الدور الإداري والطبي انتهى عند عبور المريض معبر رفح، وكأن خروجه هو نهاية المسؤولية لا بداية مرحلة أخرى منها؟
هنا تبلغ «المتعة الإدارية» ذروتها: حين يصبح خروج المريض هو نهاية القصة الإدارية، بدل أن يكون نقطة انتقال في دورة علاجية قابلة للقياس والتقييم والمتابعة.
وعندها تتحول المؤسسة من منظومةٍ تنتج أثرًا إلى منظومةٍ تنتج أحداثًا؛ من إدارةٍ تبدأ بالاحتياج وتنتهي بالنتيجة، إلى إدارةٍ تبدأ بالحدث وتنتهي بانتهائه. وبين الاثنين تضيع المسافة التي لا تظهر في البيانات والصور والقوائم: مسافة المريض نفسه، واحتياجه، ووقته، ومآل علاجه.
لذلك، فإن استعادة الإجراءات السيادية المهمَّشة ليست مسألة دفاعٍ عن هياكل إدارية بعينها، ولا رفضًا لكل بديل أو شريك؛ بل هي استعادةٌ لمنطق المؤسسة: أن تُبنى البدائل لسد فجوة، لا لتصبح بديلًا دائمًا عن الأصل؛ وأن يُقاس الإجراء بمدخلاته ومراحله ومخرجاته وأثره، لا بحجم الضجيج الذي أحدثه.
فالإنجاز الإداري ليس أن نرى أن شيئًا حدث، بل أن نستطيع أن نثبت ما الذي تغيّر بعد أن حدث.
وهنا فقط تنتهي المتعة الإدارية، ويبدأ الأثر.
نضال احمد جابر جودة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com