كيف أثرت حرب الإبادة الإسرائيلية على مستقبلنا؟

وهل تستطيع الانتخابات إعادة بناء ما دمرتة الحرب؟
بقلم: د. سالم محمود سعد
لم تكن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة مجرد مواجهة عسكرية، بل زلزالاً ترك آثاراً عميقة في الإنسان والمكان والمستقبل. فقد دخلنا الحرب في ظل احتلال وحصار وانقسام سياسي وجمود في الأفق الوطني، وخرجنا أمام واقع أكثر قسوة: دمار واسع، نزوح، فقدان للأنسان والممتلكات ومصادر الرزق، وانهيار في قطاعات حيوية تمس تفاصيل الحياة اليومية.
قبل الحرب، كانت غزة، رغم الحصار، مجتمعاً حياً؛ فيها مدارس وجامعات ومستشفيات وأسواق ومؤسسات، وكان المواطن يتمسك بحقه في الحياة وبالأمل في مستقبل أفضل. أما اليوم، فقد أصبح السؤال: كيف نعيد بناء غزة، والأهم كيف نعيد بناء الإنسان الفلسطيني؟
إن إعادة الإعمار لا يمكن أن تبدأ بالإسمنت وحده. الأولوية هي للإنسان: رعاية نفسية واجتماعية للأطفال والنساء والناجين، إعادة التعليم والصحة، حماية الملكيات والوثائق، وتوفير فرص العمل حتى ينتقل المواطن من حالة الاعتماد على الإغاثة إلى الإنتاج والاستقلال والكرامة.
لكن إعادة بناء الإنسان تحتاج إلى إعادة بناء الوطن والمؤسسات. ولا يمكن تحقيق ذلك في ظل الانقسام. نحن بحاجة إلى وحدة وطنية حقيقية، ومؤسسات موحدة، وإدارة مهنية وشفافة لملف الإعمار، بعيداً عن المحاصصة والصراع الفصائلي.
أما الأمن والاستقرار، فلا يمكن أن يكونا مستدامين في ظل الاحتلال الاسرائيلي والاستيطان والتهجير. والطريق إلى المستقبل يمر عبر مشروع سياسي فلسطيني موحد، ينهي الاحتلال ويعطي شعبنا حقة في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة.
وبعد أكثر من ثلاثة عقود على أوسلو، يبرز سؤال مشروع: هل ما زال حل الدولتين قابلاً للتحقيق؟ وإذا أصبح واقع الأرض يجعل هذا الحل أكثر صعوبة، فهل يمكن أن يفرض خيار الدولة الواحدة نفسه؟ إن الدولة الواحدة لا يمكن أن تكون بديلاً عادلاً إلا إذا قامت على المساواة الكاملة في الحقوق والواجبات، وإنهاء التمييز، وضمان الحرية والكرامة للجميع.
وهنا تأتي الانتخابات المرتقبة باعتبارها فرصة لإعادة بناء الشرعية السياسية، لكنها ليست عصاً سحرية لإعادة إعمار غزة. نجاحها يتوقف على قدرتها على إنتاج قيادة ومؤسسات جديدة، وعلى برامج واضحة لإعادة الإعمار وإنهاء الانقسام وإصلاح النظام السياسي.
ومع اقتراب العام الرابع للحرب، يبقى السؤال الأكثر إيلاماً: من سيحمل الآخر؛ القائمة أم المواطن؟
لقد حمل المواطن الفلسطيني وطنه وقضيته طوال عقود، ودفع الثمن من دمه وبيته وأمنه ومستقبله. وحان الوقت لكي تحمل القيادات مسؤوليتها، وأن تتحول الانتخابات من صراع على المقاعد إلى مشروع لإنقاذ الوطن وإعادة بناء الإنسان.
فلسطين اليوم لا تحتاج إلى انتخابات تعيد إنتاج الماضي، بل إلى بداية جديدة: وحدة وطنية، وشرعية ديمقراطية، ومؤسسات نزيهة، وإعمار عادل، ومشروع سياسي ينهي الاحتلال ويصنع مستقبلاً يليق بتضحيات شعبنا.



