ورقة موقف صادرة عن مركز “شمس” بمناسبة اليوم الدولي للديمقراطية

لا ديمقراطية بلا مؤسسات دستورية منتخبة ولا انتخابات حقيقية دون حريات عامة ومشاركة فاعلة للنساء والشباب
رام الله 15/9/2026
لا ديمقراطية بلا مؤسسات دستورية منتخبة ولا انتخابات حقيقية دون حريات عامة ومشاركة فاعلة للنساء والشباب
الديمقراطية حق للشعب وليست مجرد إجراء انتخابي
تأتي هذه الورقة، الصادرة عن مركز إعلام حقوق الإنسان والديمقراطية “شمس” بمناسبة اليوم الدولي للديمقراطية الذي يصادف الخامس عشر من أيلول من كل عام، لتسليط الضوء على واقع الديمقراطية والمؤسسات الدستورية في فلسطين، في ظل غياب المجلس التشريعي وتعطل الاستحقاقات الديمقراطية لسنوات طويلة. كما تتناول الانتخابات التشريعية الفلسطينية لعام 2026 بوصفها مدخلاً أساسياً لتجديد الشرعية، واستعادة التوازن بين السلطات، وتعزيز سيادة القانون والمساءلة، شريطة أن تكون انتخابات حرة ونزيهة وشاملة، تضمن مشاركة حقيقية ومؤثرة للنساء والشباب وجميع فئات المجتمع، وتحترم إرادة المواطنين وحقهم في اختيار ممثليهم وصناعة مستقبلهم السياسي.
ويشكل اليوم الدولي للديمقراطية مناسبة عالمية لمراجعة واقع النظم السياسية ومدى احترامها لحقوق الإنسان وسيادة القانون والمشاركة الشعبية في إدارة الشأن العام. ويكتسب هذا اليوم أهمية خاصة في الحالة الفلسطينية، في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي وجرائمه، وتعطّل الحياة الدستورية، وغياب المجلس التشريعي المنتخب، وضعف الرقابة والمساءلة، واتساع الفجوة بين المواطنين ومؤسسات الحكم، الأمر الذي يستدعي إعادة بناء النظام السياسي على أساس الإرادة الشعبية والشرعية الدستورية.
فالديمقراطية ليست شعاراً سياسياً، ولا إجراءً موسمياً يقتصر على وضع أوراق الاقتراع في الصناديق، وإنما هي منظومة متكاملة تقوم على دورية الانتخابات وحريتها ونزاهتها، والفصل بين السلطات، واستقلال القضاء، وخضوع السلطة التنفيذية للمساءلة، وحماية الحقوق والحريات العامة، وضمان التعددية السياسية والإعلامية، وتمكين المواطنين من المشاركة في صنع القرارات التي تمس حاضرهم ومستقبلهم. ولا تستقيم الديمقراطية في ظل احتكار القرار، أو تغييب المؤسسات الدستورية، أو إدارة الشأن العام بعيداً عن الرقابة الشعبية والمجتمعية.
الاحتلال الإسرائيلي اعتداء على حق الشعب في تقرير مصيره
يمثل استمرار الاحتلال الإسرائيلي العائق الأساسي أمام تمتع الشعب الفلسطيني بحقوقه السياسية والمدنية، وفي مقدمتها حقه غير القابل للتصرف في تقرير مصيره. فالاحتلال، بطبيعته القائمة على السيطرة العسكرية وفرض الإرادة بالقوة، يحرم الفلسطينيين من ممارسة سيادتهم على أرضهم ومواردهم، ومن إدارة شؤونهم الوطنية بحرية واستقلال، ويقوّض قدرتهم على بناء مؤسسات موحدة تعبّر عن إرادتهم ومصالحهم.
وتتجسد انتهاكات الاحتلال للحقوق السياسية في مصادرة الأراضي، والتوسع الاستيطاني، والتهجير القسري، والاعتقالات، والحصار، وتقييد حرية الحركة والتجمع والتنظيم والتعبير، إلى جانب تقطيع التواصل الجغرافي بين الضفة الغربية، بما فيها القدس، وقطاع غزة. وتشكل هذه السياسات منظومة متكاملة تهدف إلى تفتيت الشعب والأرض، وإضعاف الحياة السياسية، ومنع الفلسطينيين من ممارسة حقوقهم الجماعية والفردية بحرية.
ولا يستطيع الشعب الفلسطيني تقرير مصيره بصورة فعلية ما دام الاحتلال يتحكم في أرضه وحدوده وموارده وحركة أفراده، ويفرض عليه واقعاً سياسياً وقانونياً بالقوة. ومن ثم، فإن إنهاء الاحتلال ليس مطلباً سياسياً فحسب، بل شرط قانوني وحقوقي لتمكين الفلسطينيين من ممارسة سيادتهم، وتحديد مستقبلهم، وبناء دولتهم المستقلة، والتمتع الكامل بحقوقهم وحرياتهم دون تدخل أو إكراه.
وشكّل الاحتلال الإسرائيلي، على الدوام، عائقاً مباشراً أمام إجراء الانتخابات الفلسطينية بحرية وانتظام، من خلال تدخله في العملية السياسية، واعتقاله نواب المجلس التشريعي والمرشحين ورؤساء وأعضاء الهيئات المحلية، ومنعه الأنشطة والاجتماعات الانتخابية، ولا سيما في مدينة القدس. كما تؤدي الحواجز والإغلاقات العسكرية والقيود المفروضة على حرية الحركة والتنقل إلى عرقلة وصول الناخبين والمرشحين والمراقبين والصحفيين، وتقويض وحدة العملية الانتخابية وشمولها، والتدخل القسري في حق الفلسطينيين في اختيار ممثليهم بحرية.
غياب المجلس التشريعي واختلال النظام الدستوري
أدى غياب مجلس تشريعي منتخب وفاعل طوال سنوات طويلة إلى اختلال عميق في البناء الدستوري الفلسطيني، وإضعاف مبدأ الفصل بين السلطات، وحرمان المجتمع من المؤسسة الأصلية المختصة بالتشريع والرقابة على أداء الحكومة وإقرار الموازنة العامة ومساءلة المسؤولين. كما أفضى هذا الغياب إلى تراجع أدوات الرقابة السياسية والشعبية، وإضعاف قدرة المواطنين على التأثير في السياسات والتشريعات التي تنظم حياتهم وتمس حقوقهم.
وتقتضي معالجة هذا الاختلال إعادة الاعتبار إلى القانون الأساسي الفلسطيني باعتباره المرجعية الناظمة لعمل السلطات العامة والضامن للحقوق والحريات، وإنهاء أشكال التداخل بينها، وتعزيز استقلال القضاء والمؤسسات الرقابية، وضمان خضوع السلطة التنفيذية للمساءلة. فالمؤسسات الدستورية لا تستمد مشروعيتها من استمرارها بحكم الأمر الواقع أو من القرارات الإدارية، وإنما من احترام القانون وخضوعها للرقابة والتجديد الدوري للتفويض الشعبي من خلال انتخابات حرة ونزيهة.
ولم يعد انتخاب مجلس تشريعي جديد مجرد استحقاق سياسي قابلاً للتأجيل، بل أصبح ضرورة دستورية ووطنية لحماية النظام السياسي من مزيد من التآكل، وإعادة التوازن بين السلطات، واستعادة الرقابة على التشريع والإنفاق العام وأداء الحكومة. كما يشكل وجود مجلس منتخب شرطاً أساسياً لضمان مؤسسة تمثيلية تعبّر عن إرادة المواطنين، وتحمي حقوقهم، وتنقل أولوياتهم إلى دوائر صنع القرار، وتمثل مختلف فئات المجتمع دون إقصاء أو تمييز.
الانتخابات التشريعية لعام 2026 فرصة لتجديد الشرعية
تمثل الدعوة إلى إجراء الانتخابات التشريعية الفلسطينية في الثامن والعشرين من تشرين الثاني 2026 فرصة وطنية لإعادة بناء الشرعية الدستورية، وتجديد مؤسسات النظام السياسي، واستعادة ثقة المواطنين بالمؤسسات العامة، وإنهاء مرحلة استثنائية طال أمدها وألحقت أضراراً بالغة بالحياة السياسية والدستورية. كما يشكل هذا الاستحقاق مدخلاً ضرورياً لإعادة الاعتبار إلى الإرادة الشعبية بوصفها المصدر الأساسي للسلطة والشرعية.
ولا تقاس القيمة الحقيقية لهذه الانتخابات بمجرد إجرائها في موعدها أو استكمال إجراءاتها الشكلية، بل بمدى حريتها ونزاهتها وشمولها، وتكافؤ الفرص بين القوائم والمرشحين، واحترام نتائجها وتمكين المجلس المنتخب من ممارسة صلاحياته الدستورية كاملة. ولا يمكن القبول بانتخابات تستثني القدس، أو تعزل قطاع غزة، أو تحول دون مشاركة أي جزء من أبناء الشعب الفلسطيني، لأن وحدة العملية الانتخابية تمثل تعبيراً قانونياً وسياسياً عن وحدة الأرض والشعب والنظام السياسي.
وتقع على المجتمع الدولي، ولا سيما الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والدول الأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقيات جنيف، مسؤولية ممارسة ضغط جاد وفاعل على سلطات الاحتلال لمنع عرقلة الانتخابات، وضمان مشاركة المواطنين في القدس ترشحاً واقتراعاً ودعاية، وتأمين حرية حركة المرشحين والمراقبين والصحفيين، ووقف الاعتقالات والاستدعاءات والتدخلات التي قد تؤثر في حرية الناخبين وإرادتهم. كما تقتضي هذه المسؤولية رفض أي محاولة إسرائيلية لتوظيف السيطرة العسكرية على الأرض في تعطيل الاستحقاق الانتخابي الفلسطيني، أو الانتقاص من شموليته، أو المساس بوحدة التمثيل السياسي للشعب الفلسطيني.
ضمان الحريات العامة وحياد المؤسسات
تتطلب نزاهة العملية الانتخابية التزام جميع الجهات الرسمية والأمنية والسياسية بالحياد التام، والامتناع عن استخدام الوظيفة العامة أو المال العام أو موارد المؤسسات الرسمية لمصلحة أي قائمة أو مرشح. كما تقتضي منع أي تدخل أمني أو إداري في خيارات المواطنين، وضمان المساواة بين القوائم في الوصول إلى الجمهور، واستخدام المساحات العامة، والاستفادة من وسائل الإعلام، وعدم توظيف النفوذ السياسي أو الوظيفي للتأثير في إرادة الناخبين أو توجيه خياراتهم.
وتشكل حماية حرية الرأي والتعبير، والتجمع السلمي، والعمل الحزبي والنقابي والإعلامي، شرطاً أساسياً لإجراء انتخابات حرة ونزيهة. ويقتضي ذلك وقف أي ملاحقة أو توقيف أو استدعاء على خلفية سياسية أو انتخابية، وعدم فرض قيود على الدعاية الانتخابية إلا وفق القانون ومبادئ الشرعية والضرورة والتناسب وعدم التمييز. فلا يمكن وصف الانتخابات بالحرة إذا خاضها المواطنون والمرشحون في بيئة يسودها الخوف أو الرقابة أو التهديد أو تقييد التعبير السياسي.
ولا يمكن للانتخابات التي تجري في بيئة ينتشر فيها خطاب الكراهية والتحريض والتضليل الإعلامي والضغط الوظيفي والاجتماعي أن تنتج تمثيلاً ديمقراطياً حقيقياً أو تعبر عن الإرادة الحرة للناخبين. ومن ثم، تبرز ضرورة توفير فضاء مدني آمن ومفتوح يسمح بالنقد والمساءلة وتداول المعلومات، ويلزم وسائل الإعلام الرسمية والخاصة بمبادئ المهنية والتوازن والإنصاف، ويضمن للصحفيين ومنظمات المجتمع المدني حق التغطية والرقابة والوصول إلى المعلومات دون تضييق أو تدخل.
البرامج الانتخابية والمال السياسي
تقتضي الانتخابات الديمقراطية أن تتنافس القوائم على أساس برامج سياسية واقتصادية واجتماعية واضحة وقابلة للتنفيذ والقياس والمساءلة، تتضمن حلولاً واقعية لقضايا سيادة القانون، والحريات العامة، واستقلال القضاء، ومكافحة الفساد والمحسوبية والزبائنية السياسية، والبطالة والفقر، وحماية حقوق النساء والشباب والفئات المهمشة. فالعملية الانتخابية الحقيقية هي منافسة بين البرامج والرؤى والسياسات العامة، وليست صراعاً بين العصبيات والانتماءات والمصالح الفئوية والضيقة.
كما تتطلب نزاهة الانتخابات إخضاع تمويل الحملات الانتخابية لقواعد واضحة وشفافة، وإلزام القوائم والمرشحين بالإفصاح عن مصادر التمويل وحجم النفقات وأوجه صرفها، ومنع استخدام المال العام أو التمويل غير المشروع أو موارد المؤسسات الرسمية في الدعاية الانتخابية. ويشكل شراء الأصوات، أو تقديم الأموال والمنافع والخدمات مقابل التأييد السياسي، أو استغلال الاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين، انتهاكاً لحرية الاختيار ومساساً بمبدأ تكافؤ الفرص، إذ لا يجوز أن يتحول الفقر والبطالة والحاجة إلى أدوات للتأثير في إرادة الناخبين أو مصادرة قرارهم الحر.
مشاركة النساء من الحضور العددي إلى التأثير الفعلي
لا ينبغي اختزال مشاركة النساء في الحد الأدنى الذي تفرضه القوائم الانتخابية، أو في حضور عددي لا يقابله تأثير حقيقي في صناعة القرار. فالنساء يشكلن نحو 49% من المسجلين في سجل الناخبين في الضفة الغربية، وهو ما يجب أن ينعكس في حضورهن داخل القوائم وفي مواقع متقدمة وقابلة للفوز، وفي قيادة الحملات الانتخابية والمشاركة في صياغة البرامج والسياسات، وصولاً إلى تمثيل فاعل ومنصف داخل المجلس التشريعي وهيئاته ولجانه.
ويتطلب تحقيق المشاركة السياسية الفعلية للنساء تجاوز التعامل الشكلي مع تمثيلهن، واعتماد معايير واضحة وملزمة تضمن وصولهن إلى المراكز المتقدمة في القوائم، وإزالة العوائق المالية والاجتماعية والحزبية والإعلامية التي تحد من ترشحهن أو تقلل من فرص وصولهن إلى مواقع صنع القرار. كما يستوجب ذلك توفير الموارد والفرص المتكافئة لهن، وعدم حصر مشاركتهن في استكمال النسب القانونية أو تحسين الصورة العامة للقوائم.
وتقتضي سلامة العملية الانتخابية توفير حماية فعالة للمرشحات والناشطات والصحفيات من العنف السياسي والابتزاز والتشهير والتحريض والتهديد، ولا سيما العنف الرقمي القائم على النوع الاجتماعي، مع ضمان التحقيق الجاد في هذه الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها وفق القانون. فمشاركة النساء في الانتخابات والشأن العام حق دستوري وإنساني أصيل، وليست منحة تقدمها الأحزاب أو المؤسسات السياسية، ولا يجوز إخضاعها للحسابات الحزبية أو الأعراف الاجتماعية أو المصالح الانتخابية الضيقة.
الشباب شركاء في صناعة القرار
لا يمثل الشباب الفلسطيني مجرد كتلة انتخابية تُستدعى يوم الاقتراع أو قوة بشرية تُستخدم في الدعاية والتعبئة، بل هم شركاء أصيلون في صياغة السياسات العامة وتحديد الأولويات الوطنية وصناعة مستقبل النظام السياسي. ويمثل خفض سن الترشح إلى 23 عاماً فرصة مهمة لتوسيع مشاركتهم السياسية، شريطة أن يقترن بإرادة حزبية حقيقية تضمن إدماجهم في القوائم الانتخابية، ووضعهم في مواقع متقدمة وقابلة للفوز، وإتاحة المجال أمامهم لتقديم برامجهم ومبادراتهم والتأثير الفعلي في القرار.
ويتطلب تعزيز مشاركة الشباب استثماراً منظماً في التربية المدنية والوعي الانتخابي من جانب الجامعات والمؤسسات التعليمية ومنظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام، وتعريفهم بحقوقهم وواجباتهم وبآليات التسجيل والترشح والاقتراع والرقابة وتقديم الشكاوى والاعتراضات. كما يستوجب فتح مساحات آمنة للحوار تتيح لهم مناقشة البرامج السياسية والاقتصادية والاجتماعية للقوائم وتقييمها، بما ينقل المنافسة الانتخابية من الولاءات الضيقة والخطابات العامة إلى المفاضلة الواعية بين البرامج والسياسات والحلول.
ويقتضي التجديد الديمقراطي فتح البنى القيادية والتنظيمية للأحزاب والقوى السياسية أمام الشباب، وإشراكهم في صياغة البرامج واختيار المرشحين وإدارة الحملات وصنع القرارات، وعدم حصر أدوارهم في الأنشطة الميدانية أو الإعلامية. فالتجديد الديمقراطي الحقيقي يبدأ من داخل الأحزاب والقوائم نفسها، ولا يمكن بناء مجلس تشريعي يعبر عن المجتمع وتنوعه في ظل استمرار إقصاء الأجيال الشابة عن مواقع القيادة والتمثيل والتأثير.
ضمان مشاركة الأشخاص ذوي الإعاقة والفئات المهمشة
تتطلب الانتخابات الشاملة ضمان مشاركة الأشخاص ذوي الإعاقة وكبار السن وسكان المناطق المهمشة والتجمعات البدوية والمناطق المهددة بالاستيطان، وإزالة جميع العوائق التي قد تحول دون ممارستهم حقّي الترشح والاقتراع على قدم المساواة مع الآخرين. ويشمل ذلك تهيئة مراكز الاقتراع ومرافقها، وتوفير المعلومات والمواد الانتخابية بصيغ ميسرة، وضمان الوصول الآمن إليها، وتقديم المساعدة اللازمة بطريقة تحفظ استقلالية الناخب وكرامته وسرية اقتراعه.
ولا تتحقق عمومية الاقتراع بمجرد النص عليها في القانون، بل بترجمتها إلى إجراءات عملية تزيل العوائق المادية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية التي تقيد مشاركة المواطنين أو تحرمهم منها. كما أن أي عملية انتخابية لا تضمن وصول الفئات الأكثر تهميشاً إلى صناديق الاقتراع، ولا تتيح لها فرصاً عادلة في الترشح والتمثيل وصناعة القرار، تظل عملية منقوصة من منظور حقوق الإنسان، ولا تعكس بصورة كاملة تعددية المجتمع الفلسطيني وتنوعه.
الرقابة المستقلة ضمانة للنزاهة والشفافية
تمثل الرقابة المحلية المستقلة والمهنية ضمانة أساسية لحماية نزاهة العملية الانتخابية في جميع مراحلها، بدءاً من تسجيل الناخبين والترشح والدعاية الانتخابية، مروراً بالاقتراع والفرز، وانتهاءً بإعلان النتائج والنظر في الشكاوى والطعون. فالرقابة ليست إجراءً شكلياً أو حضوراً رمزياً، وإنما أداة لتوثيق المخالفات والانتهاكات، والتحقق من الالتزام بالقانون، وتعزيز ثقة المواطنين بسلامة العملية الانتخابية ومصداقية نتائجها.
وتتطلب فعالية الرقابة تمكين هيئات الرقابة والصحفيين من أداء مهامهم بحرية واستقلال، وضمان وصولهم دون عوائق إلى مراكز التسجيل والاقتراع والفرز، وحصولهم على المعلومات والقرارات والبيانات الانتخابية في الوقت المناسب. كما تقتضي توفير آليات فعالة وسريعة ومستقلة لتلقي الشكاوى والاعتراضات والطعون والبت فيها، وضمان التحقيق في المخالفات والجرائم الانتخابية ومساءلة مرتكبيها، بصرف النظر عن مواقعهم أو انتماءاتهم السياسية.
وترتبط نزاهة الانتخابات ارتباطاً مباشراً باستقلال لجنة الانتخابات المركزية، وتوفير الموارد والصلاحيات اللازمة لعملها، واحترام قراراتها، وحمايتها من أي ضغط أو تدخل سياسي أو أمني أو إداري. كما تتطلب وجود قضاء انتخابي مستقل وفاعل ومحايد، قادر على الفصل في المنازعات ضمن مدد زمنية معقولة تضمن حماية الحقوق وتحقيق العدالة، وتحول دون استخدام الإجراءات القضائية وسيلةً لإطالة النزاعات أو تعطيل العملية الانتخابية أو التأثير في نتائجها.
الانتخابات بداية لمسار ديمقراطي متكامل
يجب أن تشكل الانتخابات التشريعية بداية لمسار ديمقراطي متكامل ومستدام، لا محطة منفصلة تنتهي بإغلاق صناديق الاقتراع وإعلان النتائج. ويتطلب ذلك احترام الإرادة الشعبية، والقبول بالنتائج التي تفرزها انتخابات حرة ونزيهة، وضمان انتقال سلمي ومنظم للسلطة، وتمكين المجلس المنتخب من ممارسة صلاحياته الدستورية والتشريعية والرقابية كاملة، دون تعطيل أو تدخل أو انتقاص من اختصاصاته.
ويقتضي استكمال المسار الديمقراطي إجراء الانتخابات الرئاسية وانتخابات المجلس الوطني وفق جداول زمنية واضحة وملزمة، وتكريس مبدأ دورية الانتخابات بحيث لا يبقى حق المواطنين في اختيار ممثليهم رهناً بالقرارات السياسية أو الظروف الاستثنائية. فالديمقراطية لا تُبنى بانتخابات واحدة، وإنما بمأسسة التداول السلمي للسلطة، وتجديد التفويض الشعبي بصورة دورية، واستمرار الرقابة والمساءلة طوال مدة ولاية المؤسسات المنتخبة.
كما يتطلب هذا المسار فتح حوار وطني شامل بعد الانتخابات لمراجعة القرارات بقوانين والتشريعات الصادرة في غياب المجلس التشريعي، وتوحيد المنظومة القانونية بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وإصلاح المؤسسات العامة، وتعزيز استقلال القضاء والأجهزة الرقابية، وضمان خضوع جميع السلطات والأجهزة للمساءلة. وينبغي أن تشكل حقوق الإنسان والحريات العامة والمساواة وعدم التمييز مرجعية ثابتة لعمل المجلس التشريعي المقبل، وأساساً لصياغة السياسات والتشريعات ومراجعتها
الديمقراطية شرط للصمود والتحرر
يستحق الشعب الفلسطيني، الذي يناضل من أجل حريته وحقه في تقرير مصيره، نظاماً سياسياً ديمقراطياً يحترم كرامته وإرادته وحقوقه. فالديمقراطية ليست ترفاً سياسياً يمكن تأجيله إلى ما بعد التحرر، وإنما هي أحد شروط الصمود والتحرر، وأداة لحماية المجتمع من الاستبداد والانقسام والفساد، وأساس لبناء دولة فلسطينية تقوم على المواطنة وسيادة القانون والمساواة والعدالة واحترام حقوق الإنسان.
ويشكل إنجاح الانتخابات التشريعية الفلسطينية لعام 2026 مسؤولية وطنية ودستورية مشتركة، لا تقع على عاتق لجنة الانتخابات المركزية وحدها. وتتطلب هذه المسؤولية إرادة سياسية جادة، وبيئة آمنة تحمي الحريات العامة، ومؤسسات رسمية محايدة، وقضاءً مستقلاً وفاعلاً، وإعلاماً حراً ومهنياً، ورقابة مجتمعية واسعة، ومشاركة حقيقية ومؤثرة للنساء والشباب والأشخاص ذوي الإعاقة والفئات المهمشة.
ولا يقاس نجاح الانتخابات بمجرد فتح مراكز الاقتراع أو إعلان النتائج، بل بقدرة جميع الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية، على ممارسة حقهم في الترشح والاقتراع بحرية، ودون ترهيب أو إقصاء أو تدخل. كما يقاس بمدى احترام الإرادة الشعبية، والقبول بالنتائج، وضمان الانتقال السلمي والمنظم للسلطة، وتمكين المجلس المنتخب من ممارسة صلاحياته الدستورية والتشريعية والرقابية كاملة.
فصندوق الاقتراع ليس غاية شكلية، ولا وسيلة لإضفاء شرعية مؤقتة على واقع سياسي قائم، بل هو التعبير الأصيل عن سيادة الشعب، ومصدر الشرعية السياسية، وأداة المواطنين في اختيار ممثليهم ومساءلتهم ومحاسبتهم وتغييرهم. ومن ثم، فإن تعطيل الانتخابات أو تفريغها من مضمونها أو الالتفاف على نتائجها يشكل انتهاكاً مباشراً لحق الشعب الفلسطيني في المشاركة السياسية وتقرير مصيره، ويمس مستقبل النظام السياسي ووحدة المجتمع وثقة المواطنين بالمؤسسات العامة.
ويجب أن تؤسس الانتخابات المنشودة لمرحلة ديمقراطية جديدة تنهي الانقسام، وتجدد الشرعيات، وتعيد الاعتبار للمؤسسات الدستورية، وتكرس سيادة القانون والفصل بين السلطات، وتفتح الطريق نحو دولة فلسطينية أكثر عدلاً وحرية وكرامة، يكون فيها المواطن شريكاً أصيلاً في صناعة القرار والرقابة عليه، لا مجرد متلقٍ لنتائجه.
العضو الاستشاري لدى المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة
العضو المراقب لدى اللجنة العربية الدائمة لحقوق الإنسان التابعة لجامعة الدول العربية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com