صرخة من المدينة المقدسة نتمنى أن تصل إلى كل مكان في هذا العالم

إن صوت الكنيسة يجب أن يبقى دوماً صوتاً صادحاً بالحق والعدالة ونصرة المظلومين ونبذ الحروب في أي مكان في هذا العالم، لا سيما في هذه الأرض المقدسة.
ليست هنالك حروب مقدسة، فكل الحروب هي إجرام وقتل وامتهان لحياة الإنسان الذي خلقه الله على صورته ومثاله، وحباه بنعمة الحياة.
إن كافة الحروب مرفوضة من قبلنا جملةً وتفصيلاً، ولا يمكن تبرير الحروب بأي شكل من الأشكال، لأن الذين يدفعون الثمن هم المدنيون، وهم أولئك الذين لا علاقة لهم بالصراعات السياسية.
لا يمكن للكنيسة أن تكون مع أي نوع من أنواع الحروب، فالكنيسة دوماً يجب أن تنادي بالسلام ونبذ الحروب والقتل، ولكن، ويا للأسف، فإن صوت الكنيسة ليس مسموعاً في كل مكان، وهنالك من يصمّون آذانهم ويغمضون عيونهم لكي لا يسمعوا ولا يروا ما تقوله الكنيسة وما تنادي به.
أقول بأن صوت الكنيسة يجب أن يكون واضحاً وقوياً وصريحاً وجريئاً، ويجب أن يكون صوتاً نبوياً منادياً بوقف آلة الموت والدمار واحترام حرية وكرامة الإنسان.
هنالك مقولة كان يرددها آباؤنا وأجدادنا: «إذا ما كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب»، وهذه المقولة لا يمكن أن تنطبق ونحن نعيش ونرى ما يتعرض له شعبنا من آلام وأحزان ومعاناة وامتهان لحرية وكرامة وحياة الإنسان الفلسطيني.
نعلم جيداً أن الصمت، وفي بعض الأحيان، يمكن أن يكون أبلغ من أي خطاب، ولكن هذا لا يمكن أن ينطبق على الحالة الراهنة في هذه الأرض المقدسة.
لا يمكننا أن نكون صامتين أمام ما يُرتكب بحق الإنسان الفلسطيني من جرائم مروعة بحق الإنسانية، ونحن، في الوقت الذي نرفع فيه دعاءنا من أجل أن تتوقف الحروب في أي مكان في هذا العالم وأن تسود لغة المحبة والحوار، فإننا نرفع دعاءنا أيضاً، وبنوع خاص، من أجل هذه الأرض المقدسة التي تنزف دماً، والتي فيها يدفع الإنسان الفلسطيني فاتورة باهظة من دمائه بسبب حرب ظالمة فُرضت عليه.
نقول مجدداً: لا للحروب في أي مكان في هذا العالم، لا سيما في هذه الأرض المقدسة، ولكن ما يحدث حالياً في أرضنا المباركة لا يمكن اختزاله على أنه حرب فقط، بل هي حرب إبادة وحرب تصفية لما تبقى من فلسطين، وحرب هادفة لتصفية القضية الفلسطينية، التي هي أنبل وأعدل قضية عرفها التاريخ الإنساني الحديث.
لقد علمنا اليوم أن الإدارة الأمريكية قررت منع الرئيس الفلسطيني من الوصول إلى الأمم المتحدة لكي يخاطب شعوب العالم وزعماءها، وهذا بحد ذاته، إن دل على شيء، فهو يدل على أن الإدارة الأمريكية الحالية هي شريك مباشر في الجرائم المرتكبة بحق إنساننا الفلسطيني، إذ يزعجهم أن يُسمع صوت فلسطيني يدافع عن أهلنا في غزة، ويدافع عن شعبنا الفلسطيني وقضية هذا الشعب العادلة.
إن منع الرئيس الفلسطيني من الوصول إلى الأمم المتحدة يجب أن يجعل القادة العرب يتساءلون: هل هنالك صديق حقيقي بالفعل لأمريكا؟ وأمريكا التي يعتبرها البعض من أقرب الأصدقاء، فإنها في الواقع ليست صديقة لأحد، بل هي صديقة لمصالحها وأجنداتها وسياساتها، ومدافعة عن الاحتلال الذي يرتكب الجرائم المروعة بحق الإنسانية.
إن منع الرئيس الفلسطيني من الوصول إلى نيويورك يجب أن يحظى بشجب واستنكار من كافة القادة و الرؤساء ، بل يجب أن تكون هنالك ضغوطات لكي يكون الرئيس الفلسطيني حاضراً، ولكي يتمكن من نقل معاناة شعبه إلى كافة الرؤساء وإلى كافة شعوب الأرض.
الفلسطينيون يعانون، ومعاناتهم ليست خبراً عاجلاً. فغزة مدمرة بشكل كلي، والضفة الغربية تحولت إلى سجن كبير، والمستوطنون يصولون ويجولون في كافة المحافظات والبلدات والمدن، بما في ذلك رام الله، وهي مقر السلطة الفلسطينية.
إن هذه الممارسات الظالمة يجب أن يرفضها كل إنسان حر، أياً كان دينه ومعتقده، فقضية الشعب الفلسطيني هي قضية كل إنسان حر في هذا العالم، والأحرار في عالمنا ينتمون إلى كل الأديان وكل الأعراق وكل الثقافات والإثنيات.
ولكن نداءنا نوجهه اليوم مجدداً إلى الكنائس المسيحية في العالم، فالروحانية المسيحية والقيم المسيحية تحثنا دوماً على أن نقول كلمة الحق دون أن نخاف من أي جهة سياسية، لأن هدفنا هو مرضاة الله وليس رضى هذه الجهة السياسية أو تلك.
المسيحيون الفلسطينيون يعانون كما هو حال كل أبناء الشعب الفلسطيني، وباتت الحواجز العسكرية والبوابات الحديدية تقف بالمرصاد للإنسان الفلسطيني، مانعةً إياه من الوصول إلى القدس وإلى أماكن عمله.
في غزة هنالك دمار شامل، وفي الضفة الغربية هنالك سياسة إذلال وتجويع وتركيع وإضعاف للإنسان الفلسطيني.
يمنعون الفلسطيني من الوصول إلى عمله لكي يكون محروماً وغير قادر على تأمين ما تحتاجه أسرته.
إنها سياسة العقاب الجماعي وسياسة التنكيل والتجويع الجماعي، ففي محافظة بيت لحم، كما في غيرها من المحافظات، هنالك مئات الأسر التي تعاني من حالات الفقر والعوز والبطالة.
عندما ترى أخاك مريضاً أو متألماً أو جائعاً، لا يجوز أن تبقى صامتاً أمام هذه الجرائم، بل وجب أن يرتفع الصوت المسيحي عالياً بوقف هذا الإرهاب المنظم الذي يستهدف الإنسان الفلسطيني في كافة تفاصيل حياته. ومع المواقف، نريد أيضاً المبادرات الإغاثية، فالجائع لا يحتاج فقط إلى بيان تضامن، بل يحتاج إلى من يكون إلى جانبه ويؤازره ويتضامن معه بشكل فعلي في هذه الأوقات وفي هذه الظروف.
حالة الفقر والعوز والبطالة يجب أن تحرك المؤسسات الدينية والإغاثية والأممية، كما والكنائس المحلية والعالمية، وذلك من أجل إغاثة ومساعدة الإنسان الفلسطيني في غزة بالدرجة الأولى، والضفة الغربية ايضا، حيث إن هنالك سياسة تجويع واستهداف للإنسان الفلسطيني في كافة تفاصيل حياته.
لقد أصبحت مسألة التصاريح التي يحتاجها الإنسان الفلسطيني للوصول إلى عمله مسألة تعجيزية، وكأن سلطات الاحتلال تقول للإنسان الفلسطيني: ابقَ في مكانك محاصراً وذليلاً وجائعاً. وهذه سياسة ممنهجة هدفها الضغط على الإنسان الفلسطيني لكي يفكر بالرحيل ومغادرة وطنه والذهاب إلى أماكن أخرى فيها حياة أفضل وعمل وإمكانية لإعالة الأسر بشكل طبيعي.
ففي الوقت الذي ينعم فيه أطفال العالم بحياة طبيعية ويستمتعون بطفولتهم، فإن أطفال فلسطين محرومون من ممارسة طفولتهم، ومأساة غزة ونكبتها ماثلة أمامنا، كما أن ما يحدث في الضفة الغربية إنما هي ممارسات ظالمة تستهدف الإنسان الفلسطيني، كبيراً كان أم صغيراً، وخاصة شريحة الشباب الذين يسعون لتأمين حياة طبيعية لأسرهم ولأبنائهم.
من القدس نطلق صرخة لكل كنائس العالم: التفتوا إلى فلسطين وشعبها المظلوم، التفتوا إلى غزة والضفة الغربية، والتفتوا إلى بيت لحم، مدينة الميلاد، التي تحولت إلى مدينة أشباح، حيث الفنادق مغلقة، والمواطنون يعانون من الفقر والعوز والبطالة غير المسبوقة.
نعم، الفقر موجود، ولكن كرامة الإنسان الفلسطيني موجودة هي أيضاً، وسيبقى الإنسان الفلسطيني شامخاً متمسكاً بانتمائه لأرضه وشعبه ومقدساته.
يسعون لإذلال هذا الشعب والنيل من معنوياته، ولكن الفلسطيني سيبقى صاحب قضية عادلة.
لقد نجحت إسرائيل في شيء واحد، وهو سياسة القتل والتدمير واستهداف المدنيين ومحاصرة الفلسطينيين، لأنها تمارس الاحتلال، لكنها لم تنجح في جعل الإنسان الفلسطيني يتخلى عن أصالته وانتمائه وجذوره العميقة في تربة هذه الأرض المقدسة.
أقول بأن الكنائس المسيحية في العالم، والتي نخاطبها اليوم بشكل خاص، يجب أن تقوم بدورها الإنساني والأخلاقي في وضع حد لهذه المظالم وإنهائها، وفي مساعدة الإنسان الفلسطيني وإغاثته.
نعم، هنالك مؤسسات مسيحية وهيئات مسيحية لها حضورها ودورها، لكن نقول بأن لا يجوز أن يُمنع طالب من الدخول إلى مدرسته لأن والده ليس قادراً على تسديد الأقساط.
نحن في مرحلة يجب أن نتضامن فيها مع بعضنا البعض، وأن نقف إلى جانب بعضنا البعض، فنحن في فترة استثنائية تحتاج إلى مبادرات استثنائية وخلاقة للمساعدة.
نتمنى أن يصل صوتنا إلى الكنائس المسيحية في العالم، لكي تعمل وتنادي من اجل تحقيق العدالة في هذه الأرض المقدسة.
أنتم عندما تدافعون عن فلسطين، تدافعون عن أرض الميلاد والتجسد و الفداء والقيامة ، وتدافعون عن أعرق وجود مسيحي في العالم، كما و تدافعون عن أنبل وأعدل قضية في هذا العالم.
المطران عطاالله حنا
رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس
القدس، 17 أيلول 2026


