عمارة السعادة تسقطُ لتُسدل ستارَ الموت الأخير

بقلم أ.شهد إبراهيم الشرفا
لقطةٌ على غير اللقطات المعتادة في سبتمبر؛ ففي هذا المساء لم تجمع العائلات الحكايات لتخبئها في تجاويف الجدران المتكئة على بقايا حديدٍ مكلوم ، كانوا هناك يحدثون التاريخ عن ماضٍ كان يُشار فيه لرونق البناية وإطلالتها البهية على الشارع بطوابقها الشامخة وقواعدها الراسخة بالبنان ، لقد احتار الناس قبل الحرب في وصفنا، حتى سمّونا بناية السعادة، وكان لنا من اسمنا نصيب، تهمس الأسقف المتآكلة وهي تقاوم الجاذبية ، يلتفت الطابق الخامس مواسياً الطابق الثاني ، بعد أن أصبحا متجاورين ملتصقين لشدة ما مرّت من خطوبٍ عليهما ، ليقول بنبرة يملؤها الكبرياء: “انظروا يا لحظنا! كنا على وشك الانهيار في الاستهداف السابق ، ولكن رداء السعادة ما زال يستر عري انكسارنا، وما زالت الروح تجعلنا صامدين رغم كل شيء” ، لكنّ حشرجة الحجر الصامد لا تدوم حين تنخر في جسده لعنة الغدر المكرر.
لقد كانت العمارة واهنةً، آيلةً للسقوط، تحمل فوق كاهلها ندوب استهدافاتٍ خلت، وتتوسد جراحاً قديمة لم تبرأ بعد ، لم يكن انهيارها مجرد سقوطٍ لكتلٍ من الإسمنت بل كان استسلاماً أخيراً لجسدٍ أُنهك حتى النخاع، فخرّ صريعاً تحت وطأة النسمة الأخيرة التي حملت الموت في ثناياها ، وفي تلك البرهة الفاصلة سقطت الأقنعة النّاعمة للموت، وانهار السقف فوق رؤوس أولئك الذين استوطنوا الشقوق ظنًّا منهم أن الحصانة تُشترى من ذات مكان الوجع القديم ، لقد اختبأ الموت لهم في مكان الحصانة ، في تجاويف الركام الذي التهم الفرح، حيث يتكثف الوجع الإنساني في أبهى تجلياته الفاجعة ، وتلاشت الحكايات وامتزجت الأنفاس بالتراب ،يسكن الكون فجأة، فلا تسمع إلّا حشرجاتٍ صغيرة لملائكةٍ غُيّبوا في عتمة الطين ، طفلةٌ لم تكمل نسج ضفيرتها، تتنفس الغبار عوضاً عن الهواء، يخرج صوتها مخنوقاً بالدم والركام، تقطر منه براءة تدمي قلوب العالمين: “سامحني عمو…”.
أيّ عارٍ يجلل هذا العالم حين يعتذر الأطفال عن ثقل أجسادهم الغضّة وهم يُنتشلون من وراء حجب الغياب؟ أيعتذرون لأنهم لم يتقنوا لعبة الفرار من الصاروخ أم يعتذرون للكون الذي ضاق بضحكاتهم فدثرهم بالتراب؟
لقد نام سكان “بناية السعادة” وفي ظنهم أن القتل قد اكتفى بدمائهم السابقة، وأن الموت أدار ظهره ومضى لكن الردى كان يختبئ تحت قناعٍ موارب، يتلصص على طمأنينتهم الهشة ، ليثبت أن النجاة في هذه البلاد ليست إلّا وهماً مؤجلاً ، لقد رحلت عمارة السعادة ، وتركت وراءها شاهداً رمادياً يُخبر العابرين أن هنا سقطت أجسادٌ كانت تتشبث بالحياة ، وخلّفت وجعاً لا تسعه الكلمات يمتد بطول الأرض وعرض السماء.
فيأيها الصامتون ، لا تتركوا الركام يطوي حكايات أطفالٍ كان يجب أن يكونوا في بيوتهم لا تحت الأنقاض ، أنقذوا من بقي قبل أن يتحول النداء إلى صمت، والأمل إلى خبر آخر عن ضحايا جدد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com