بيان صادر عن دائرة حقوق الإنسان والمجتمع المدني في منظمة التحرير الفلسطينية
منع الرئيس محمود عباس والمسؤولين الفلسطينيين من المشاركة في الجمعية العامة انتهاك جسيم لاتفاق مقر الأمم المتحدة ومحاولة سياسية لإسكات صوت الشعب الفلسطيني

رام الله – البيادر السياسي ـ تدين دائرة حقوق الإنسان والمجتمع المدني في منظمة التحرير الفلسطينية بأشد العبارات قرار الإدارة الأميركية رفض منح تأشيرات الدخول لعدد من المسؤولين الفلسطينيين، ومنع رئيس دولة فلسطين، السيد محمود عباس، من الحضور الشخصي والمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، للعام الثاني على التوالي.
إن هذا القرار لا يمثل مجرد إجراء إداري متعلق بمنح التأشيرات، وإنما يشكل إخلالاً واضحاً بالتزامات الولايات المتحدة بصفتها الدولة المضيفة لمقر الأمم المتحدة، وانتهاكاً لاتفاق مقر الأمم المتحدة المبرم عام 1947، ولا سيما المواد 11 و12 و13 منه، التي تلزم الدولة المضيفة بعدم فرض عراقيل تحول دون وصول ممثلي الدول والوفود المدعوة إلى مقر الأمم المتحدة، وتؤكد أن هذه الالتزامات تسري بصرف النظر عن طبيعة العلاقات السياسية القائمة بين الولايات المتحدة وأي دولة أو سلطة معنية.
ولا تملك الدولة المضيفة قانوناً صلاحية استخدام موقعها الجغرافي أو سلطتها في إصدار التأشيرات أداةً للضغط السياسي، أو وسيلةً لانتقاء الأصوات التي يُسمح لها بالوصول إلى منبر الأمم المتحدة. فمقر الأمم المتحدة ليس مؤسسة وطنية أميركية، وحق الوصول إليه لا يجوز إخضاعه للمواقف السياسية المنفردة للدولة المضيفة.
وتذكّر الدائرة بالرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية في 26 نيسان/أبريل 1988 بشأن مدى انطباق الالتزام بالتحكيم بموجب المادة 21 من اتفاق مقر الأمم المتحدة، والذي جاء في سياق محاولة إغلاق بعثة المراقب الدائم لمنظمة التحرير الفلسطينية لدى الأمم المتحدة، وأكد الطبيعة الملزمة للالتزامات الواقعة على الدولة المضيفة وضرورة تسوية النزاعات المتعلقة بتطبيق الاتفاق وفق الآليات القانونية المنصوص عليها فيه.
كما يشكل هذا القرار مساساً بمبادئ المساواة في التمثيل والتعددية وحرية العمل الدبلوماسي، وبحق الشعب الفلسطيني في إيصال صوته ومواقفه إلى المجتمع الدولي، ويقوّض قدرة الأمم المتحدة على أداء وظائفها باستقلال وحياد. ويكتسب هذا الانتهاك خطورة مضاعفة لوقوعه في وقت يتعرض فيه الشعب الفلسطيني لجريمة إبادة جماعية وتهجير قسري وتجويع ممنهج وتدمير شامل لمقومات الحياة، بالتوازي مع استمرار الاستيطان الاستعماري والضم والاعتداءات اليومية في الضفة الغربية، بما فيها القدس المحتلة.
وترفض الدائرة بصورة قاطعة الذرائع الأميركية المعلنة لتبرير القرار، ولا سيما الاعتراض على لجوء دولة فلسطين إلى مؤسسات العدالة الدولية. إن التوجه إلى المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية ومختلف آليات الأمم المتحدة حق قانوني أصيل لدولة فلسطين، ولا يجوز اعتباره سبباً للعقاب أو الابتزاز أو تقييد التمثيل الدبلوماسي. كما أن منع شعب واقع تحت الاحتلال من اللجوء إلى القضاء الدولي يشكل حمايةً للإفلات من العقاب وتدخلاً سياسياً خطيراً في استقلال العدالة الدولية.
ولا يجوز مطالبة الشعب الفلسطيني بالتخلي عن وسائل الحماية القانونية، في الوقت الذي تواصل فيه إسرائيل، القوة القائمة بالاحتلال، ارتكاب الجرائم الدولية الخطيرة، ورفض قرارات الأمم المتحدة، وتوسيع المستعمرات، وضم الأراضي، وفرض نظام من الاضطهاد والهيمنة، من دون أن تواجه تدابير مماثلة أو مساءلة فعلية من الإدارة الأميركية.
وتطالب دائرة حقوق الإنسان والمجتمع المدني الإدارة الأميركية بالتراجع الفوري وغير المشروط عن هذا القرار، وإصدار التأشيرات اللازمة للرئيس محمود عباس ولجميع أعضاء الوفد الفلسطيني، بما يضمن مشاركتهم الكاملة في أعمال الجمعية العامة. كما تدعو الأمين العام للأمم المتحدة ولجنة العلاقات مع البلد المضيف والجمعية العامة إلى تحمل مسؤولياتهم القانونية والمؤسسية، وضمان احترام اتفاق مقر الأمم المتحدة، ومنع إخضاع حق المشاركة في أعمال المنظمة لإرادة الدولة المضيفة أو حساباتها السياسية.
وتؤكد الدائرة ضرورة اللجوء إلى آلية تسوية النزاعات والتحكيم المنصوص عليها في المادة 21 من اتفاق مقر الأمم المتحدة، إذا استمرت الولايات المتحدة في الامتناع عن تنفيذ التزاماتها، واتخاذ جميع التدابير الأممية اللازمة لضمان وصول الوفد الفلسطيني ومشاركته الكاملة والمتساوية. كما تدعو الدول الأعضاء والمجموعات الإقليمية والمنظمات الحقوقية الدولية إلى اتخاذ موقف جماعي دفاعاً عن استقلال الأمم المتحدة، ورفض تحويل إجراءات التأشيرات إلى أداة لمعاقبة الدول والشعوب على مواقفها السياسية أو لجوئها إلى العدالة الدولية.
إن ازدواجية المعايير، وتوفير الحماية السياسية والقانونية لإسرائيل، ومعاقبة الضحية بسبب مطالبتها بالعدالة، تقوّض النظام الدولي القائم على القانون، وتفقد المؤسسات الدولية مصداقيتها، وتمنح القوة القائمة بالاحتلال مزيداً من الحصانة لمواصلة جرائمها.
وتؤكد الدائرة أن صوت الشعب الفلسطيني لا يمكن حجبه بقرار تأشيرة، وأن حقوقه غير القابلة للتصرف، وفي مقدمتها حقه في تقرير المصير والاستقلال والعودة، لا تخضع للإذن من أي دولة. وستواصل دولة فلسطين ومنظمة التحرير الفلسطينية استخدام جميع الآليات الدبلوماسية والقانونية والقضائية المشروعة لملاحقة مرتكبي الجرائم، وإنهاء الاحتلال، وحماية الشعب الفلسطيني.
إن احترام اتفاق مقر الأمم المتحدة ليس خياراً سياسياً أو منّة تقدمها الدولة المضيفة، بل التزام دولي واجب التنفيذ، وأي إخلال به يستوجب المساءلة القانونية واتخاذ إجراءات أممية حاسمة تكفل استقلال المنظمة الدولية والمساواة في الوصول إلى منابرها.
دائرة حقوق الإنسان والمجتمع المدني
منظمة التحرير الفلسطينية
رام الله – فلسطين



