مرضى قطاع غزة ما بين مهنية الأطباء وغياب المرجعية المؤسسية… نضال احمد جابر جودة

في قضايا الصحة، قد يكون أخطر ما يحدث ليس غياب الحل، وإنما انتقال النقاش من جوهر المشكلة إلى هامشها. ومن هنا، فإن ما ظهر خلال الأيام الأخيرة من سجال حول اللجنة الطبية، وما صاحبه من حملات دفاع وهجوم، يستحق أن يُقرأ بعين إدارية هادئة؛ لا بقصد المساس بأطباء نجلّهم ونحترم مهنيتهم ونزاهتهم، وإنما حتى لا تنحرف البوصلة عن القضية الأصلية: كيف يصل المريض الذي يحتاج إلى العلاج خارج قطاع غزة إلى وجهته العلاجية في الوقت المناسب؟
الأطباء في هذه القضية ليسوا خصومًا للمرضى، ولا ينبغي أن يوضعوا في هذا الموضع أصلًا؛ فهم جنود مهنيون مجندون لخدمة مجتمع المرضى، واللجنة الطبية، بما تضم من أطباء أصحاب خبرة واختصاص ومكانة مهنية، تؤدي وظيفة طبية ينبغي احترامها وحمايتها من التشكيك غير المستند إلى بينة. فالطبيب هنا يؤدي أمانة مهنية، ويصدر رأيًا طبيًا في إطار اختصاصه، وليس من العدل ولا من المهنية أن تتحول هذه الأمانة إلى ساحة سجال مجتمعي أو إداري.
لكن احترام الطبيب لا يعني أن نجعل الطبيب عنوانًا لقضية إدارية وتنظيمية أوسع من اختصاصه. فقرار الطبيب أو اللجنة الطبية هو جزء من مسار التحويل، وليس المسار كله. والخلط بين القرار الطبي وإدارة رحلة المريض هو الذي قد يجعل النقاش يدور حول الأشخاص، بينما يبقى المريض منتظرًا.
فالقضية الحقيقية ليست في الطبيب، ولا في اللجنة، ولا في الدفاع عن أشخاص نكن لهم كل احترام؛ وإنما في عملية تحويل المرضى نفسها: من يحدد الاحتياج الطبي؟ ومن يستكمل الملف؟ ومن يتولى إجراءات العلاج بالخارج؟ ومن ينسق مع الجهات ذات العلاقة؟ ومن يتابع المريض حتى عبوره ووصوله إلى الجهة العلاجية؟ ومن يتحمل مسؤولية الملف عندما يتحول القرار الطبي إلى رحلة علاج؟
وهنا تحديدًا ينبغي أن يعود فقه الأولويات الإدارية إلى مكانه الصحيح. فالأولوية ليست للدخول في معركة حول نزاهة طبيب، ولا لتحويل اللجنة الطبية إلى طرف في سجال مجتمعي؛ وإنما الأولوية لإعادة بناء منظومة تحويل متكاملة تبدأ من الاحتياج الطبي، وتمر بالقرار الطبي، ثم تستكمل إجراءات العلاج بالخارج، والتنسيق والارتباط، والمتابعة، وصولًا إلى الغاية التي من أجلها بدأت العملية كلها: وصول المريض إلى العلاج.
إن دائرة العلاج بالخارج ودائرة تنسيق وارتباط المرضى ليستا مسميين إداريين زائدين في وزارة الصحة الفلسطينية؛ بل هما جزء أساسي من المرجعية المؤسسية التي ينبغي أن تحمل الملف من القرار الطبي إلى النتيجة العلاجية، وتنسق بين المريض والمؤسسة الصحية والجهات ذات العلاقة والمستشفى المحول إليه والمعابر، وتتابع التفاصيل التي لا يستطيع القرار الطبي وحده أن ينجزها.
فالتحويل الطبي لا ينبغي أن ينتهي عند إصدار القرار؛ لأن القرار الذي لا يتحول إلى إجراء، والإجراء الذي لا يصل بالمريض إلى غايته، يبقيان حلقات ناقصة في منظومة يفترض أن يكون المريض مركزها.
ولذلك، فإن تحويل النقاش إلى معركة دفاع عن الأطباء، مهما كانت دوافعه حسنة، قد يؤدي عمليًا إلى إبعاد الأنظار عن السؤال الأهم: متى تستعيد منظومة التحويل مرجعيتها المؤسسية وقدرتها على إدارة ملف المريض من بدايته حتى وصوله إلى غايته العلاجية؟
ومن هنا، فإن المسؤولية المؤسسية في هذه المرحلة تقتضي أن يعمل وكيل وزارة الصحة الفلسطينية المكلف الدكتور ماهر شامية، بالتنسيق مع وزير الصحة الفلسطيني الدكتور ماجد أبو رمضان، ووكيل وزارة الصحة الدكتور وائل الشيخ، على استعادة المسار المؤسسي المتكامل للتحويلات، وتفعيل دائرة العلاج بالخارج ودائرة تنسيق وارتباط المرضى، بحيث تتكامل الأدوار ولا تتنافس، وتُحترم اللجنة الطبية ولا تُحمّل ما ليس من اختصاصها، ويُعاد وضع المريض في مركز العملية كلها.
وهذا ليس انتقاصًا من أحد، بل هو تحديد للمسؤوليات وفق قاعدة إدارية واضحة: الطبيب مسؤول عن القرار الطبي، والإدارة مسؤولة عن تحويل القرار إلى خدمة، والمؤسسة مسؤولة عن ضمان ألا تضيع المسافة بين القرار والنتيجة.
نحن لا نحتاج إلى اختيار طرف بين الطبيب والمريض؛ فهما في الحقيقة طرف واحد في معادلة الخدمة الصحية. الطبيب يقرر ما يحتاجه المريض طبيًا، والإدارة مسؤولة عن توفير الطريق الذي يوصل هذا الاحتياج إلى غايته. ولذلك فإن حماية الأطباء من التشكيك واجب مهني، وحماية حق المرضى في الوصول إلى العلاج واجب إداري وإنساني؛ ولا ينبغي لأحدهما أن يكون على حساب الآخر.
فإذا كان الطبيب قد حمل أمانة القرار الطبي، فإن المؤسسة تحمل أمانة إيصال هذا القرار إلى نهايته. وحين يكون المريض هو الغاية، فإن كل الأدوار ينبغي أن تعمل من أجله، لا أن تتحول إلى بدائل عنه.
إن القضية اليوم ليست: من ندافع عنه؟ وإنما: كيف نعيد للمريض حقه في منظومة تحويل واضحة، مؤسسية، شفافة ومتكاملة؟
فحين تتحول البوصلة من المريض إلى الأشخاص، تضيع القضية. وحين تعود البوصلة إلى المريض، يعرف كل صاحب اختصاص موقعه، وتعرف كل مؤسسة مسؤوليتها.
فالطبيب ليس المشكلة، واللجنة ليست المشكلة، والمريض ليس طرفًا في المشكلة؛ المشكلة تبدأ حين تنفصل حلقات المنظومة عن بعضها، ويصبح القرار الطبي بلا مرجعية مؤسسية تحملُه من الاحتياج إلى القرار، ومن القرار إلى الإجراء، ومن الإجراء إلى العلاج.
وهنا تحديدًا يجب أن تعود البوصلة إلى مكانها: إلى المريض.
نضال احمد جابر جودة.



