المصالحة الفلسطينية أمام فرصة أخيرة لإغلاق ملف الانقسام وبناء النظام الوطني الموحد.. بقلم: المحامي علي أبو حبلة

لم يعد الإعلان عن مؤتمر فلسطيني جديد للمصالحة تحت راية منظمة التحرير الفلسطينية وبرعاية مصر مجرد خبر سياسي عابر، بل يأتي في لحظة مفصلية تتطلب من القوى والفصائل الفلسطينية التعامل مع المصالحة باعتبارها استحقاقًا وطنيًا لا يحتمل التأجيل، ولا يحتمل إعادة إنتاج التجارب السابقة التي انتهت إلى تفاهمات بقي معظمها دون تنفيذ.
فقد أعلن الرئيس محمود عباس، في حديث لصحيفة «أخبار اليوم» المصرية، أنه يريد المصالحة مع جميع الفلسطينيين دون استثناء، وأن مؤتمرًا للمصالحة سيُعقد قريبًا برعاية القاهرة، مؤكدًا مبادئ الدولة الواحدة والمؤسسات الواحدة والسلاح الشرعي الواحد، في إطار منظمة التحرير والشرعية الدولية.
وتكتسب الرعاية المصرية أهمية خاصة في هذه المرحلة، بالنظر إلى الدور التاريخي الذي قامت به القاهرة في الملف الفلسطيني، وإلى استمرار اتصالاتها بالقيادة الفلسطينية ومختلف الأطراف. وقد أكد لقاء الرئيس عباس بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في القاهرة، في 16 سبتمبر/أيلول الجاري، استمرار التنسيق بشأن تطورات القضية الفلسطينية وإنهاء الحرب في غزة.
المشكلة ليست في غياب الاتفاقات وإنما في غياب التنفيذ
على مدى السنوات الماضية، لم يكن الفلسطينيون يفتقرون إلى وثائق المصالحة؛ فقد توالت المبادرات والاتفاقات من اتفاق مكة عام 2007، واتفاق القاهرة، ووثائق المصالحة اللاحقة، وإعلان الجزائر عام 2022، وصولًا إلى إعلان بكين عام 2024، إلى جانب لقاءات موسكو وغيرها.
وتضم وثائق المصالحة الفلسطينية الرسمية إعلان الجزائر وإعلان بكين واتفاق القاهرة لعام 2017 وغيرها من الوثائق التي هدفت إلى إنهاء الانقسام وإعادة توحيد المؤسسات. كما نص إعلان بكين على تشكيل حكومة توافق وطنية مؤقتة وتوحيد المؤسسات الفلسطينية والتمهيد للانتخابات العامة.
وفي إعلان الجزائر عام 2022، جرى التأكيد على لمّ الشمل الفلسطيني وتوحيد الصفوف، بينما جاء إعلان بكين ليؤكد مجددًا وحدة الأراضي الفلسطينية وتوحيد المؤسسات والتحضير للانتخابات.
وهنا يجب أن يكون السؤال في المؤتمر المقبل مختلفًا: لماذا فشلت الاتفاقات السابقة في الوصول إلى التنفيذ الكامل؟ وما هي الآليات الملزمة التي تمنع تكرار الفشل؟
لا يجوز أن يكون هناك «فيتو» فلسطيني على المصالحة
إن أخطر ما يمكن أن يواجه المؤتمر المقبل هو أن يتحول الحوار إلى منصة لإعادة تدوير الخلافات، أو أن يتمسك أي طرف بشروط مسبقة تجعل المصالحة رهينة بموافقة هذا الطرف أو ذاك.
المطلوب هو فتح كافة الملفات دون استثناء: ملف منظمة التحرير، الحكومة، الانتخابات، المجلس التشريعي، المجلس الوطني، القضاء، الأجهزة الأمنية، إدارة غزة، إعادة الإعمار، الموظفون، المعابر، المال العام، السلاح، الحريات العامة، الاعتقالات السياسية، المصالحة المجتمعية، والعلاقة بين السلطة الوطنية ومنظمة التحرير ودولة فلسطين.
ولا يعني فتح هذه الملفات أن تكون جميعها قابلة للحسم في جلسة واحدة، وإنما يعني وضعها على جدول أعمال وطني واضح، مع تحديد آليات للحل ومواعيد زمنية للتنفيذ.
فلا يجوز أن يصبح أي ملف «فيتو» يعطل إنهاء الانقسام كله، ولا يجوز أن تتحول التفاصيل إلى ذريعة لتأجيل أصل المصالحة.
المصالحة ليست محاصصة
المصالحة الوطنية ليست اتفاقًا لتقاسم الوظائف والمناصب، وليست تسوية مؤقتة بين قيادات الفصائل؛ بل هي إعادة بناء للنظام السياسي الفلسطيني على قاعدة الشراكة والشرعية والقانون.
ومن هنا فإن الحديث عن «دولة واحدة، ومؤسسات واحدة، وسلاح شرعي واحد» يجب أن يتحول إلى مسار سياسي وقانوني متكامل، يعالج ازدواجية المؤسسات ومراكز القرار، ويحفظ في الوقت ذاته الحقوق الوطنية الفلسطينية وفق القانون الدولي.
كما أن تجديد الشرعية السياسية عبر الانتخابات يجب أن يكون جزءًا أساسيًا من المصالحة، لا ملفًا مؤجلًا إلى أجل غير مسمى. وقد أكد الرئيس عباس في تصريحاته الأخيرة أهمية الانتخابات التشريعية وانتخابات المجلس الوطني باعتبارها وسيلة لتجديد المؤسسات وتعزيز المشاركة السياسية.
وقف الحملات الإعلامية شرط لإنجاح المصالحة
ولا يمكن بناء مصالحة سياسية في ظل حرب إعلامية مفتوحة.
إن استمرار التخوين والتشهير والتراشق الإعلامي والتحريض المتبادل، وتوظيف وسائل التواصل الاجتماعي لإعادة إنتاج الانقسام، يخلق مزاجًا شعبيًا مضادًا للمصالحة ويجعل كل خطوة سياسية عرضة للتشكيك والإفشال.
لذلك ينبغي أن يتضمن أي اتفاق جديد ميثاقًا إعلاميًا ملزمًا تلتزم بموجبه جميع الفصائل والقوى والشخصيات والمؤسسات الإعلامية بوقف الحملات التحريضية والتشهير والتخوين، وعدم استباق الحوار ببيانات تهدم الثقة، وترك الملفات الخلافية للطاولة السياسية والمؤسسات القانونية المختصة.
كما أن المطلوب وقف كل ما من شأنه تعكير المزاج العام للمصالحة: الاعتقالات السياسية، الإجراءات الانتقامية، التحريض، المناكفات، الخطاب التخويني، والتصعيد الإعلامي.
مصر تستطيع توفير المظلة… لكن القرار فلسطيني
إن الدور المصري لا ينبغي أن يكون مجرد رعاية لجلسات الحوار، وإنما يمكن أن يشكل مظلة ضامنة وميسرة لتنفيذ ما يتفق عليه الفلسطينيون، خصوصًا أن القاهرة تمتلك خبرة طويلة في إدارة ملف المصالحة.
لكن المسؤولية النهائية فلسطينية؛ فلا يمكن لأي وسيط عربي أو دولي أن يصنع وحدة فلسطينية إذا لم تتوافر الإرادة السياسية الفلسطينية.
وهنا تبرز مسؤولية منظمة التحرير باعتبارها الإطار الوطني الجامع، مع ضرورة تطوير بنيتها وتوسيع المشاركة السياسية فيها بما يعكس مختلف مكونات الشعب الفلسطيني، في الداخل والشتات.
من اتفاقات المصالحة إلى عقد وطني جديد
المرحلة الراهنة تختلف عن مراحل الانقسام السابقة. فغزة تواجه آثار حرب ودمار هائل، والضفة الغربية تواجه تصعيدًا استيطانيًا وإجراءات تهدف إلى تقويض إمكانية قيام الدولة الفلسطينية، بينما تتزايد الضغوط لإعادة تشكيل مستقبل غزة سياسيًا وأمنيًا.
ولهذا فإن استمرار الانقسام لم يعد مجرد مشكلة داخلية فلسطينية، بل أصبح عاملًا يمس القدرة على حماية وحدة الأرض والشعب والقرار السياسي.
المطلوب إذن ألا يكون مؤتمر القاهرة مجرد اتفاق مصالحة جديد يضاف إلى أرشيف الاتفاقات السابقة، وإنما نقطة انطلاق لعقد وطني فلسطيني جديد، يقوم على قاعدة: لا إقصاء، ولا احتكار، ولا فيتو، ولا تعطيل، ولا حملات إعلامية، ولا ازدواجية في المؤسسات.
إن نجاح المصالحة يبدأ بإرادة سياسية صادقة، ثم بتحويل هذه الإرادة إلى نصوص قانونية وآليات تنفيذية وجداول زمنية وآليات رقابة ومساءلة.
فلسطين اليوم بحاجة إلى إنهاء الانقسام، لا إلى إدارة الانقسام؛ وإلى توحيد المؤسسات، لا إلى تكريس الازدواجية؛ وإلى شراكة وطنية حقيقية، لا إلى محاصصة فصائلية.
لقد جُرّبت الاتفاقات، وتعددت الوثائق، وتكررت اللقاءات. وما تحتاجه المرحلة المقبلة ليس اتفاقًا جديدًا بقدر ما تحتاج إلى تنفيذ الاتفاقات السابقة، وفتح جميع الملفات دون استثناء، وإزالة كل الفيتوهات والعوائق، ووقف كل خطاب إعلامي يهدد الثقة، ووضع مصلحة الشعب الفلسطيني ووحدة أرضه ومؤسساته فوق الحسابات الفصائلية.
وهنا تكمن مسؤولية مؤتمر القاهرة: أن يحول المصالحة من عنوان سياسي متكرر إلى واقع مؤسسي دائم، وأن يجعل من الوحدة الوطنية الفلسطينية قاعدة لحماية المشروع الوطني، وإعادة إعمار غزة، وتجديد الشرعية، ومواجهة التحديات السياسية والقانونية والاستراتيجية التي تواجه الشعب الفلسطيني في المرحلة المقبلة.
باحث في القانون الدولي ورئيس تحرير صحيفة صوت العروبة



