مؤشرات الأداء تضع يدها على الخلل الصحي الإداري في قطاع غزة.. نضال احمد جابر جودة

قد تبدو المنظومة الصحية الحكومية مكتملة من حيث الهياكل الإدارية، وتعدد المستويات القيادية، واللوائح والقوانين، والبرامج التدريبية، وفرق العمل؛ غير أن اكتمال هذه المكونات لا يعني بالضرورة سلامة الأداء. فالمؤسسة لا تُقاس بما هو موجود في هيكلها التنظيمي، وإنما بقدرتها على تحويل ما لديها من قوانين وصلاحيات وخبرات إلى قرارات وإجراءات ونتائج يمكن قياسها. ومن هنا يمكن قراءة جانب من الخلل الصحي الإداري في قطاع غزة من خلال ثلاثة أبعاد مترابطة: القيادة الإدارية، والتراكم الإداري، والاتصال المؤسسي.
تبدأ المسألة من القيادة الإدارية؛ فالقيادة لا تُقاس بعدد المناصب القيادية، وإنما بقدرتها على ضبط الاختصاصات، وتحديد المسؤوليات، واتخاذ القرار، ومتابعة تنفيذه، والتدخل عندما يحدث خلل في مسار الخدمة. والمؤشر الأهم هنا ليس عدد القرارات التي تصدرها القيادة، وإنما قدرتها على منع تحول المعالجة الاستثنائية إلى بديل عن الوظيفة الأصلية. فعندما تظهر مشكلة في وظيفة مؤسسية، يكون الاختبار الحقيقي للقيادة: هل تعالج أصل الخلل، أم تنشئ مسارًا آخر يتولى جزءًا من المهمة؟
وينطبق ذلك على موقع دائرة العلاج بالخارج داخل منظومة تحويل المرضى؛ إذ إن السؤال الإداري لا يتعلق فقط بمن يستطيع القيام بجزء من إجراءات التحويل، وإنما بمن يحافظ على وحدة الوظيفة ومسؤوليتها من بدايتها حتى نهايتها. فإذا أُنشئت ترتيبات بديلة تؤدي بعض وظائف الدائرة دون استيعاب كامل اختصاصاتها ومسؤولياتها، فإن المشكلة لا تكون في البديل ذاته، وإنما في غياب القرار الإداري الذي يحدد العلاقة بين الأصل والبديل، ويمنع ضياع المسؤولية بينهما.
مؤشر أداء القيادة الإدارية: قدرة الإدارة على تحديد صاحب الاختصاص، وحماية مسؤوليته، ومنع ازدواجية القرار، وإبقاء الوظيفة المؤسسية في مسار واضح يمكن مساءلته.
أما التراكم الإداري، فيتعلق بقدرة المؤسسة على تحويل الخبرة السابقة إلى معرفة مؤسسية لا تبدأ من الصفر مع كل أزمة. فالمؤسسة الصحية التي راكمت سنوات من الخبرة في إدارة ملفات المرضى، والتعامل مع الجهات العلاجية، وتنظيم إجراءات السفر والارتباط والمتابعة، يفترض أن تستفيد من هذه الخبرة حتى عندما تتغير الظروف. أما إذا أصبحت كل أزمة سببًا لإعادة تشكيل العمل وابتكار ترتيبات جديدة، دون الاستفادة من الخبرة والإجراءات والبيانات السابقة، فإن المؤسسة تفقد تدريجيًا ذاكرتها الإدارية.
وهنا يظهر أثر تهميش دائرة العلاج بالخارج ودائرة تنسيق وارتباط المرضى بصورة مختلفة؛ فالمسألة لا تتعلق بالمسمى الوظيفي، وإنما بخسارة الخبرة المتراكمة داخل وظيفة محددة. فالخبرة في هذا المجال ليست مجرد معرفة بإجراء واحد، بل معرفة بتسلسل الملف، والجهات ذات العلاقة، وآليات التواصل، ومواطن التعطل، وكيفية المتابعة حتى يصل المريض إلى غايته. وعندما تُنقل الوظيفة من إطارها المؤسسي دون نقل هذا التراكم كاملًا، فإن المؤسسة لا تفقد موظفين أو مكاتب فقط، وإنما تفقد جزءًا من ذاكرتها الإدارية.
مؤشر أداء التراكم الإداري: قدرة المؤسسة على الاحتفاظ بالخبرة والبيانات والإجراءات والعلاقات المؤسسية، وتحويل التجارب السابقة إلى إجراءات محسّنة بدل إعادة إنتاج الحلول المؤقتة مع كل أزمة.
أما البعد الثالث فهو الاتصال المؤسسي، وهو الحلقة التي تصل بين القرار والتنفيذ. فالخدمة الصحية لا تنتهي عند صدور القرار الطبي أو الإداري؛ بل تحتاج إلى انتقال المعلومات والملفات والمسؤوليات بين جهات متعددة. ولذلك يمكن أن تكون كل جهة داخل المنظومة تؤدي جزءًا من عملها، ومع ذلك تتعطل النتيجة النهائية بسبب انقطاع الاتصال بينها.
وتزداد أهمية ذلك في عمل دائرة تنسيق وارتباط المرضى؛ لأن طبيعة وظيفتها ترتبط بالمساحة الواقعة بين القرار وتنفيذه، وبين المؤسسة والمريض والجهات الخارجية ذات العلاقة. فإذا أصبحت هذه الحلقة خارج المسار المؤسسي أو جرى توزيع وظائفها بين جهات متعددة دون قناة واضحة، يصبح السؤال: من يتابع الملف بعد القرار؟ ومن يعرف موقعه؟ ومن يتحمل مسؤولية الخطوة التالية؟ وهنا لا تكون المشكلة في نقص التواصل بمعناه التقني، وإنما في فقدان وحدة مسار المعلومة والمسؤولية.
مؤشر أداء الاتصال المؤسسي: قدرة النظام على نقل المعلومة والملف والقرار بين الجهات المختصة في الوقت المناسب، مع وضوح الجهة المستلمة والمسؤولة عن الخطوة التالية حتى اكتمال الخدمة.
وعند جمع المؤشرات الثلاثة، تظهر الصورة بصورة أكثر وضوحًا؛ فالقيادة تحدد من المسؤول، والتراكم يحافظ على ما تعلمته المؤسسة، والاتصال يضمن انتقال المسؤولية والمعلومة بين حلقاتها. وإذا اختل أحد هذه الأبعاد يمكن أن يظهر الخلل في نقطة محددة، أما إذا تداخلت الاختلالات الثلاثة فإن المؤسسة قد تستمر في العمل ظاهريًا، بينما تصبح قدرتها على ضبط المسار المؤسسي أضعف.
ومن هنا لا ينبغي أن يكون معيار الحكم على الإدارة الصحية هو عدد اللجان التي تشكلت، أو الدورات التي نُفذت، أو التعليمات التي صدرت، وإنما قدرتها على الحفاظ على الوظائف المؤسسية وتكاملها. فالبديل الإداري قد يكون ضروريًا في ظروف استثنائية، لكن قيمته تقاس بقدرته على سد فجوة محددة دون أن يؤدي إلى إضعاف الأصل أو تفكيك المسؤولية.
وعليه، فإن إعادة الاعتبار إلى دور دائرة العلاج بالخارج ودائرة تنسيق وارتباط المرضى لا تعني الدفاع عن هيكل إداري لمجرد أنه كان قائمًا، وإنما تعني اختبار قدرة النظام على الحفاظ على سلسلة المسؤولية من القرار إلى التنفيذ. فإذا كانت وظيفة ما ضرورية في رحلة المريض، فإن تعطيلها أو تجزئتها أو إحلال ترتيبات غير مكتملة محلها يستوجب سؤالًا إداريًا واضحًا: هل عالجنا الخلل، أم نقلناه من مكان إلى آخر؟
وهنا تكشف مؤشرات الأداء الثلاثة جوهر المسألة: قد يكون لدينا قيادة، لكن دون قدرة كافية على حماية الاختصاص؛ وقد تكون لدينا خبرة، لكنها لا تتحول إلى تراكم مؤسسي؛ وقد تكون لدينا قنوات اتصال، لكنها لا تنتج مسارًا متصلًا للمسؤولية. وفي هذه الحالة لا تكون المشكلة في غياب الإدارة، وإنما في ضعف قدرتها على العمل بوصفها منظومة واحدة.
ولذلك فإن الاختبار النهائي لا يحتاج إلى تعقيد: عندما ينتقل ملف المريض من نقطة إلى أخرى، هل يعرف النظام من بدأ الإجراء، ومن اتخذ القرار، ومن استلم الملف، ومن يتابع الخطوة التالية، وأين تنتهي مسؤولية كل جهة؟ إذا كانت الإجابة واضحة، فإن المؤسسة تمتلك قابلية للتتبع والمساءلة؛ وإذا أصبحت الإجابة موزعة بين جهات متعددة، فإن مؤشر الخلل لا يحتاج إلى تقرير جديد، بل تكشفه رحلة الملف نفسها.
فمؤشرات الأداء في النهاية لا تبحث عن المخطئ بقدر ما تبحث عن موضع الانقطاع. وإذا كانت القيادة قادرة على ضبط المسؤولية، والتراكم قادرًا على حفظ ذاكرة المؤسسة، والاتصال قادرًا على إبقاء المسار متصلًا، فإن الإدارة تمتلك مقومات التصحيح. أما حين تتراجع هذه الأبعاد، فإن كثرة الهياكل والقوانين والتدريب لا تمنح المؤسسة بالضرورة كفاءة أعلى؛ لأن المشكلة عندها لا تكون في غياب أدوات الإدارة، بل في قدرة الإدارة على تحويل أدواتها إلى أداء مؤسسي قابل للاستمرار.



