كمين منظمة الصحة العالمية: الإدارة العامة للمستشفيات في قطاع غزة بين الإجلاء والتحويل الطبي… نضال احمد جابر جودة

تدرك الإدارة العامة للمستشفيات في قطاع غزة، والقائمون على إدارة ملف الصحة الحكومي في مناطق قطاع غزة، والمؤسسات الأهلية العاملة في المجال الصحي، أن ما يجري في ملف المرضى الذين يحصلون على نموذج رقم (1) يستوجب اليوم وقفة مؤسسية جادة؛ ليس باعتباره إجراءً إداريًا عابرًا، وإنما باعتباره مسارًا تتغير فيه دلالة المصطلحات وطبيعة المسؤوليات والنتائج. فمنظمة الصحة العالمية تستخدم بصورة صريحة ومتكررة مصطلح «الإجلاء الطبي» (Medical Evacuation) لوصف خروج المرضى من قطاع غزة لتلقي العلاج خارجه، وتضع العملية رسميًا تحت عنوان “Medical evacuation of patients from the Gaza Strip”. كما توضح المنظمة أن المسار يبدأ من الطبيب في المستشفى، ثم يُرفع نموذج الإحالة إلى الجهة المختصة التي تحدد أولوية المريض، قبل أن تدخل المنظمة في ترتيبات التنسيق والنقل والموافقات.
وهنا لا يعود السؤال متعلقًا باللغة، وإنما يصبح سؤالًا إداريًا ومؤسسيًا: إذا كانت الجهة الدولية التي تضطلع بجانب أساسي من ترتيبات خروج المرضى تصف العملية بأنها إجلاء طبي، فكيف ينبغي للمؤسسة الصحية الفلسطينية أن تقرأ هذا المسار؟ فالتقارير الدولية تستخدم المصطلح ذاته في توثيق خروج المرضى من قطاع غزة، بما يجعل الفارق بين Medical Referral وMedical Evacuation فارقًا يتجاوز الترجمة إلى توصيف لطبيعة العملية نفسها.
ومن هنا تبدأ المساحة الأكثر حساسية في هذا الملف. فالإدارة العامة للمستشفيات في قطاع غزة، واللجان الطبية، والأطباء، والإداريون، وكل من يعمل بصورة مباشرة أو غير مباشرة في إجراءات المرضى، لا يمكنهم التعامل مع هذا التوصيف باعتباره شأنًا يخص المؤسسات الدولية وحدها. فحين تنتهي العملية التي تبدأ داخل المؤسسة الصحية الفلسطينية إلى Medical Evacuation كما تسميها منظمة الصحة العالمية، فإن استمرار المشاركة في المسار دون التوقف عند دلالته يجعل أطرافه، ولو بغير قصد، جزءًا من إنتاج واقع يوصف دوليًا بأنه إجلاء طبي.
وهنا تحديدًا تكمن فكرة الشراكة غير المقصودة. فالمقصود ليس اتهام طبيب أو موظف أو لجنة بقصد إلحاق الضرر بالمريض، ولا التشكيك في الدافع الإنساني لإنقاذ حياة إنسان يحتاج إلى علاج غير متاح. وإنما المقصود أن العمل المؤسسي لا يُقاس بالنوايا وحدها؛ بل بما ينتجه المسار في الواقع وبالصورة التي يُعرَّف بها هذا المسار أمام المؤسسات الدولية. وقد يكون كل فرد يؤدي دوره وفق ما هو متاح أمامه، بينما تنتج العملية بمجملها نتيجة تتجاوز حدود ذلك الدور الفردي.
والأكثر أهمية أن الإجلاء الطبي، بوصفه مصطلحًا دوليًا، يحمل دلالة مختلفة عن التحويل الطبي. فالتحويل يفترض استمرار وظيفة النظام الصحي في نقل المريض إلى مستوى علاجي آخر عند تعذر تقديم الخدمة محليًا، بينما يرتبط الإجلاء بنقل المريض إلى خارج المجال الصحي القائم لتلقي الرعاية في مكان آخر. ولذلك فإن انتقال المصطلح من التحويل إلى الإجلاء ليس تفصيلًا لغويًا يمكن تجاوزه، بل مؤشر يستحق أن يُقرأ إداريًا ومؤسسيًا.
وتزداد حساسية الأمر عندما يصبح الإجلاء مسارًا متكررًا وطويل الأمد. فالمشكلة لا تعود عندها في خروج مريض بعينه لإنقاذ حياته، وإنما في احتمال أن يتحول الإجلاء من إجراء استثنائي تفرضه الضرورة إلى نمط مستقر لإدارة المرضى. وعند هذه النقطة تظهر مسؤولية المؤسسة الصحية في السؤال عن طبيعة الدور الذي تؤديه: هل ما زالت تدير عملية تحويل مرضى إلى العلاج، أم أنها أصبحت، بصورة غير مقصودة، جزءًا من منظومة إدارة إجلائهم؟
أما البعد الأبعد، فلا يجوز تجاهله لمجرد أن العملية تنطلق من دافع إنساني مشروع. فاستمرار خروج المرضى للعلاج خارج القطاع، مع استمرار اعتماد المؤسسات الدولية لمصطلح Medical Evacuation، يفتح نقاشًا يتجاوز الحالة الطبية الفردية إلى الآثار المؤسسية والاجتماعية بعيدة المدى. ولا يثبت وصف «الإجلاء» بذاته وجود سياسة مقصودة لإفراغ السكان، كما أن الإجلاء لا يعني بالضرورة عدم عودة المريض بعد العلاج؛ لكن تراكم هذا النمط واستمراره يفرض سؤالًا وطنيًا مشروعًا حول ما إذا كانت منظومة صحية كاملة بدأت تفقد تدريجيًا قدرتها على الاحتفاظ بمرضائها داخل مسار علاجي فلسطيني متماسك.
وهنا تصبح الشراكة غير المقصودة أكثر وضوحًا. فالمسؤولية لا تتعلق بمن اتخذ قرارًا واحدًا، وإنما بكل من يشارك في استمرار المسار أو يملك القدرة على مراجعته. الإدارة العامة للمستشفيات في قطاع غزة، واللجان الطبية، والأطباء، والإداريون، والمؤسسات الأهلية، والجهات المهنية والرقابية، وحتى القادرون على التنبيه والمراجعة ثم يختارون الصمت؛ جميعهم أمام مسؤولية مهنية بدرجات مختلفة، لأن استمرار أي منظومة دون مساءلة مؤسسية يجعل المشاركة فيها مساهمة، ولو لم تكن مقصودة، في تثبيت نتائجها.
ومن هنا، فإن المطلوب ليس محاكمة النوايا، ولا اتهام أحد بأنه اختار الإجلاء بدلًا من التحويل، وإنما فتح مراجعة وطنية صريحة لهذا المصطلح ولهذا المسار. مراجعة تبدأ بالسؤال: لماذا تصف منظمة الصحة العالمية العملية بأنها Medical Evacuation؟ ولماذا تتبنى المؤسسات الدولية الوصف ذاته؟ وماذا يعني أن يبدأ الإجراء من داخل النظام الصحي تحت مظلة الإدارة العامة للمستشفيات في قطاع غزة، ثم ينتهي إلى عملية تصفها الجهات الدولية بأنها إجلاء؟ ومن الذي يتحمل مسؤولية قراءة هذا التحول قبل أن يصبح أمرًا اعتياديًا لا يلفت الانتباه؟
المسألة إذن ليست أن منظمة الصحة العالمية استخدمت مصطلحًا مختلفًا، وإنما أن هذا المصطلح قد يكون قد كشف شيئًا عن طبيعة المسار نفسه. فإذا كانت المنظمة تسميه Medical Evacuation، وكانت التقارير الدولية توثقه بالوصف ذاته، وكانت آلية العمل تحمل خصائص الإجلاء، فإن الاستمرار في تسميته محليًا تحويلًا طبيًا دون مراجعة مؤسسية قد يجعل اللغة المحلية أقل قدرة على وصف الواقع الذي يحدث بالفعل.
وهنا لا بد أن يكون السؤال الأخير أكثر مباشرة: هل ما زلنا نحول المريض إلى العلاج، أم أصبحنا ندير إجلاءه إلى العلاج؟ وإذا كان الثاني هو الأقرب إلى وصف الواقع، فإن الإدارة العامة للمستشفيات في قطاع غزة، وكل من يشارك في هذا الملف، لا ينبغي أن ينظر إلى نفسه بوصفه مجرد منفذ لإجراء إداري؛ بل بوصفه طرفًا في منظومة قد تنتج، من حيث لا يقصد، واقعًا أوسع من حدود المهمة الطبية نفسها.
فالإجلاء قد ينقذ حياة المريض في لحظته، وهذه قيمة إنسانية لا خلاف عليها؛ لكن حين يتحول الاستثناء إلى مسار دائم، يصبح من واجب المؤسسة الصحية أن تسأل عن دلالته، وعن آثاره، وعن مسؤوليتها فيه. فالخطر ليس في أن يُجلّى المريض عندما تفرض الضرورة ذلك، وإنما في أن يصبح الإجلاء هو الشكل الطبيعي الذي تُدار به حياة المرضى خارج منظومتهم الصحية، بينما يعتاد الجميع على المشهد حتى لا يعود أحد يسأل: كيف وصلنا إلى هنا؟
نضال احمد جابر جودة.



