خطة التعافي في غزة ومسار إعادة بناء الحياة وتشكيل ملامح مرحلة اليوم التالي.. بقلم: د. سامر أحمد موسى

ينظر أهل غزة إلى أي خطة جديدة من زاويتين متداخلتين، زاوية سياسية ترتبط بطبيعة المرحلة المقبلة وشكل الإدارة والترتيبات التي ستنشأ، وزاوية إنسانية مباشرة تتعلق بالبقاء واستعادة الحياة، لكن حجم الكارثة جعل الأولوية الشعبية تميل بوضوح إلى الجانب الإنساني، فأهل غزة يريدون قبل كل شيء وقف الحرب وبدء إعادة الإعمار والعودة إلى البيوت واستعادة القدرة على تخيل مستقبل ممكن داخل الوطن، وهذا التحول لا يعكس تراجع عن القضايا الوطنية والسياسية بل هو نتيحه طبيعية لحجم الدمار الذي جعل استعادة الحد الأدنى من الأمان والحياة الكريمة أولوية تحتل صداره الأولويات.
في هذا السياق تأتي خطة (برنامج التعافي في غزة لمدة ستة أشهر) التي ينسب تقديمها إلى مجلس السلام بالتنسيق مع اللجنة الوطنية للإدارة في غزة، باعتبارها أحد أكثر التصورات التفصيلية لمرحلة ما يعرف باليوم التالي، إذ تتضمن 66 برنامج بكلفة تقديرية تبلغ نحو 2.45 مليار دولار قابلة للتعديل موزعة على ست مجالات رئيسية: البنية التحتية، والسلام والأمن، والتنمية البشرية، والتحول الرقمي، والتسريع الاقتصادي، والقانون، تحاول الخطة الانتقال بغزة من إدارة آثار الكارثة إلى بداية التعافي، لكنها تواجه اختباراً حقيقياً؛ لأن المشكلة لم تكن فقط في غياب المشاريع، بل في دورة متكررة من الدمار وإعادة البناء، ولذلك فإن نجاحها لن يقاس فقط بحجم التمويل بل بقدرتها على إعادة بناء شروط حياة مستقرة تمنع العودة إلى نقطة الصفر.
عند قراءة توزيع موازنة الخطة، يتضح أنها تنطلق من أولوية إعادة بناء البيئة المادية للحياة، إذ خصصت نحو 1.205 مليار دولار للبنية التحتية عبر 24 برنامجاً وهي الحصة الأكبر من التمويل، ويعكس هذا التوزيع حقيقة أن البنية التحتية في غزة لم تعد تعني الطرق والمباني فحسب، بل أصبحت شرطاً أساسياً لعودة السكان إلى بيوتهم، واستئناف التعليم والعمل، وإعادة تشغيل الخدمات.
ومن خلال تحليل أبرز القطاعات والبرامج الرئيسة، يمكن استخلاص عدد من المؤشرات التي تكشف فلسفة الخطة وأولوياتها، وذلك على النحو الآتي:
خصصت الخطة 275 مليون دولار لإزالة الأنقاض والذخائر غير المنفجرة، وهو أكبر بند منفرد فيها، بما يعكس أن إزالة الركام ليست مجرد عملية هندسية، بل شرط لعودة السكان وبدء أي مشروع لاحق، فضلاً عن إمكانية تحويلها إلى برنامج تشغيل واسع يستوعب آلاف العمال ويعيد تنشيط الدورة الاقتصادية المحلية، كما رصدت 78 مليون دولار لإصلاح المنازل المتضررة، وهو مبلغ يمثل خطوة أولى لتثبيت الأسر الأكثر تضرراً، لكنه يبقى محدوداً مقارنة بحجم أزمة السكن، أما تأهيل الطرق فقد خصص له 30 مليون دولار، ورغم محدودية الرقم فإن أثره يتجاوز قيمته المالية؛ فالطرق هي شرايين الحياة التي تعيد ربط السكان بالخدمات والتعليم والعمل والرعاية الصحية، بما يجعل إعادة فتحها خطوة أساسية في استعادة الحياة الطبيعية.
وفي قطاع الخدمات الأساسية، رصدت الخطة 10 ملايين دولار للمياه، و15 مليون دولار لإعادة تأهيل شبكات الكهرباء، و10 ملايين دولار لإزالة النفايات الصلبة، وهي مخصصات تعكس إدراك لأهمية هذه الخدمات، لكنها تبدو أقرب إلى الاستجابة العاجلة منها إلى بناء حلول مستدامة تعالج الاختلالات البنيوية التي سبقت الحرب، وينطبق الأمر ذاته على قطاع التحول الرقمي الذي لا تتجاوز موازنته 17 مليون دولار رغم ما يتضمنه من مشاريع للصحة والتعليم الإلكتروني والدفع الرقمي ومراكز البيانات، وهو ما يكشف فجوة بين الطموح والواقع، لأن نجاح هذه المبادرات يبقى رهنا بوجود بنية مستقرة للكهرباء والاتصالات.
أما في قطاع التنمية البشرية، فقد خصصت الخطة 67 مليون دولار لإعادة تأهيل خمسة مستشفيات، و45 مليون دولار لإصدار شهادات التعليم العالي وبرامج ما بعد الثانوي، و40 مليون دولار لبرنامج العودة إلى المدرسة، إضافة إلى برامج للإخلاء الطبي والأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، وتعكس هذه الأرقام إدراك بأن التعافي لا يقتصر على إعادة تشغيل المؤسسات، بل يمتد إلى حماية رأس المال البشري ومنع تحول الحرب إلى خسارة طويلة الأمد لجيل كامل، ويكتسب بند شهادات التعليم العالي أهمية خاصة، لأنه يعبر عن معاناة آلاف الطلبة والخريجين الذين حالت الحرب والضائقة الاقتصادية دون حصولهم على شهاداتهم، الأمر الذي يتطلب معالجة أوسع تشمل دعم الجامعات، والإعفاءات، وتسوية أوضاع الطلبة بالتنسيق مع صندوق إقراض الطلبة الفلسطيني، بما يضمن إعادة دمجهم في الحياة الأكاديمية وسوق العمل.
وفي المقابل، يستحوذ قطاع السلام والأمن على نحو 885 مليون دولار موزعة على 11 برنامج، أي ما يقارب 36% من إجمالي الموازنة، تشمل 275 مليون دولار للجنة الداخلي و140 مليون دولار لقوات الأمن الداخلي، و 120 مليون دولار للشرطة، ويشير هذا الحجم من التمويل إلى أن الخطة لا تقتصر على إدارة التعافي الإنساني، بل تتضمن أيضاً بناء ترتيبات إدارية وأمنية للمرحلة المقبلة، بما يجعل نجاحها مرهوناً بقدرتها على توفير بيئة مستقرة تسرع إعادة الإعمار، مع الحفاظ على أولوية الاحتياجات الإنسانية وعدم تحول الترتيبات المؤقتة إلى غاية بحد ذاتها.
إن نجاح الخطة يبقى مرهون بتوفير التمويل اللازم وتحويله إلى مشاريع ذات أثر مباشر في حياة الناس، بعيدا عن التجزئة أو التأخير، فالأولوية يجب أن تكون لإزالة الأنقاض، وإعادة الخدمات الأساسية، وتشغيل العمال، ودعم التعليم والصحة والاقتصاد المحلي، مع إشراك البلديات والجامعات والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني لضمان أن يتحول التعافي من وثيقة مالية إلى واقع ملموس.
في النهاية، لا تمثل خطة التعافي مجرد برنامج لإصلاح ما دمرته الحرب، بل اختبار لقدرة الفلسطينيين والمجتمع الدولي على تحويل لحظة الكارثة إلى بداية استقرار دائم، فنجاحها لن يقاس بعدد المشاريع أو حجم الأموال، بل بقدرتها على إنهاء دورة الحرب، وإعادة بناء مقومات الحياة، وترسيخ ثقة الفلسطيني بأن مستقبله ما زال ممكناً على أرضه.



