صحيفة: تراجع التعامل بـ«الكاش» في غزة يفاقم أزمة رواتب نشطاء «حماس»

غزة – البيادر السياسي: ـ شهد قطاع غزة خلال الأسابيع الثلاثة الماضية تحولاً لافتاً في آليات التداول المالي، بعدما بدأ التجار بالتخلي تدريجياً عن استقبال الأموال النقدية من المواطنين، رغم استمرار التعامل بها طوال الفترة السابقة، وإن كانت في معظمها أوراقاً نقدية مهترئة ومتداولة منذ سنوات. وخلال الأيام العشرة الأخيرة تسارع هذا التوجه، ليزداد تشدداً خلال الأيام الأربعة الماضية، مع توسع الاعتماد على التطبيقات المصرفية والمحافظ الإلكترونية كبديل رئيسي للتعاملات اليومية.
وجاء هذا التحول بالتزامن مع تصاعد عمليات استهداف واغتيال نفذتها إسرائيل بحق شخصيات مالية مرتبطة بحركة «حماس»، بينهم مسؤولون كان بعضهم يتولى نقل الرواتب إلى عناصر الحركة.
وبحسب مصادر وموظفين من «حماس» لصحيفة الشرق الأوسط السعودية فإن غالبية العاملين في القطاع الحكومي وأفراد الجناح العسكري للحركة ما زالوا يتلقون رواتبهم نقداً. وأوضحت المصادر أن الموظفين الحكوميين يحصلون على دفعات جزئية من رواتبهم كل نحو 100 يوم، بقيمة تقارب ألف شيقل، غالباً من أوراق نقدية بالية، فيما يتلقى عناصر «كتائب القسام» مستحقاتهم كل 40 إلى 50 يوماً، بنسبة تصل إلى 60 في المائة من الراتب الأساسي، وبمبالغ لا تقل عادة عن 1200 شيقل من أوراق نقدية بحالة أفضل.

وأفاد متعاملون في الأسواق المحلية بأن عدداً من التجار لجأ خلال الفترة الماضية إلى استلام الأموال النقدية من الأفراد وتحويل قيمتها إلكترونياً مقابل عمولات وصلت إلى 10 في المائة عبر التطبيقات والمحافظ الرقمية.
ويمثل هذا الواقع انعكاساً لما شهدته غزة خلال السنوات الأولى من الحرب التي اندلعت في أكتوبر 2023، حين واجه السكان صعوبة في تحويل أرصدتهم الإلكترونية إلى سيولة نقدية، ووصلت عمولات السحب آنذاك إلى ما بين 10 و60 في المائة قبل اتساع نطاق الخدمات الإلكترونية. وفي أغسطس الماضي، حذرت متحدثة باسم الجيش الإسرائيلي سكان القطاع من التعامل بفئة محددة من الأوراق النقدية القديمة من الشيقل، تحمل رمز الحرف «ب»، في خطوة قالت إسرائيل إنها تستهدف تشديد الخناق المالي على حركة «حماس».
تساؤلات حول مصير الأموال البالية
في ظل هذه التطورات، يتزايد استياء الموظفين الذين يتقاضون رواتبهم نقداً. ويقول أحمد النجار، الموظف في حكومة «حماس» بغزة، إن العاملين يواجهون أزمة متفاقمة بسبب الأوراق النقدية المهترئة التي يتسلمونها، متسائلاً عن مصير هذه الأموال وإمكانية استخدامها في ظل رفض عدد متزايد من التجار التعامل بها.
ومنذ السابع من أكتوبر 2023، تمنع إسرائيل إدخال أموال نقدية إلى قطاع غزة، في وقت تعرضت فيه البنوك ومقارها خلال الحرب لعمليات نهب وسرقة. كما دفعت القيود المفروضة على الحركة التجارية إلى تعزيز استخدام وسائل الدفع الإلكترونية، ضمن إجراءات هدفت، وفق الرؤية الإسرائيلية، إلى تقليص قدرة «حماس» على إدارة مواردها المالية.
أزمة سيولة وضغوط متزايدة
ومع اتساع الاعتماد على المدفوعات الإلكترونية، تبدو «حماس» أمام تحديات متزايدة تتعلق بتوفير السيولة النقدية لنشطائها وموظفيها، خصوصاً مع استمرار استهداف شخصيات وصرافين وفاعلين في شبكاتها المالية، وهو ما برز بشكل أكبر خلال الأيام الأخيرة.
ودفع ذلك شرطة «حماس» في غزة إلى إصدار تعميم يحث أصحاب المحال التجارية على الاستمرار في قبول الأموال النقدية بمختلف فئاتها ما دامت غير تالفة، مع التحذير من اتخاذ إجراءات قانونية بحق المخالفين، واعتبار رفض النقد سبباً في تعميق الأزمة المعيشية للسكان.
وأكد مصدر في شرطة الحركة أن الإجراءات المرتقبة لا تستهدف حماية مصالح الموظفين الحكوميين أو عناصر الحركة فقط، بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستفيدين من المساعدات والإعانات الإنسانية، مثل الأيتام والجرحى وعائلات الضحايا والأسرى، الذين يتسلمون جزءاً من مستحقاتهم بصورة نقدية ولا يجدون جهات تقبل التعامل بها.
جدل حول البنوك والدفع الإلكتروني
في المقابل، شنت وسائل إعلام مقربة من «حماس» حملة انتقادات ضد بعض البنوك الخاضعة لسلطة النقد الفلسطينية، متهمة إياها بتشجيع التجار على الاستغناء عن النقد والتحول الكامل إلى الدفع الإلكتروني، فضلاً عن إغلاق حسابات مصرفية لسكان القطاع. غير أن البنوك نفت هذه الاتهامات مراراً، مؤكدة عدم صدور أي قرارات بإغلاق الحسابات.
وأثار هذا الجدل موجة تحذيرات واسعة عبر منصات التواصل الاجتماعي من الاعتماد الكلي على الأموال الإلكترونية، وسط مخاوف وشائعات ربطت ذلك بإمكانية اندلاع صراع إقليمي جديد قد يؤثر على الأنظمة المالية. إلا أن مصادر مصرفية شددت على أن الأموال المودعة في البنوك محفوظة، وأن ما يجري يندرج ضمن إجراءات تحديث البيانات وتعزيز الرقابة المالية ومكافحة غسل الأموال، إلى جانب توسيع الشمول المالي للفلسطينيين في غزة والضفة الغربية على حد سواء.
استهداف الشبكات المالية
وخلال الأيام الماضية، قتلت إسرائيل عدداً من الشخصيات المرتبطة بالمنظومة المالية للفصائل الفلسطينية، من بينهم جبر مقبل، صاحب محل صرافة وناشط بارز في «كتائب القسام»، ومحمد أبو علوان، أحد المسؤولين الماليين في «حماس». كما أُصيب مسؤول مالي في «الجهاد الإسلامي» بجروح خطيرة في محاولة اغتيال بمدينة غزة.
وكان الجيش الإسرائيلي قد أعلن مؤخراً أنه استهدف منذ بداية الحرب 16 شخصية وصفها بالاقتصادية البارزة، متهماً إياها بالمشاركة في تحويل الأموال وتمويل النشاط العسكري لحركة «حماس». وأشار إلى أن هذه الشبكات أدارت تحويلات مالية تجاوزت قيمتها مليار دولار عبر منظومة ضمت عشرات الصرافين داخل قطاع غزة وخارجه، مؤكداً استمرار جهوده بالتنسيق مع جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) لتقويض مصادر تمويل الحركة ومنع إعادة بناء بنيتها العسكرية والاقتصادية.


