أريج صافي، رئيس قسم خدمات المرضى: تضع خط الأساس لبناء مؤشرات الأداء من خلال العملية الإحصائية..

يمثل قسم خدمات المرضى في مستشفى الصداقة التركي الفلسطيني محورًا إداريًا وإحصائيًا في متابعة حركة مرضى الأورام؛ إذ ترتبط به بيانات المريض ومسار حصوله على الخدمة، بدءًا من المراجعة والتشخيص، مرورًا بالعلاج والجرعات والفحوص والمتابعة، وانتهاءً بالإحالة أو الإجلاء واستكمال العلاج. ومن هنا لا تمثل البيانات التي ينتجها القسم مجرد أرقام لحركة المرضى، وإنما تشكل أساسًا لبناء مؤشرات تقيس حجم الخدمة واستمراريتها ومسار المريض داخل المنظومة العلاجية.
ويبدأ بناء المؤشرات من تحديد خط الأساس الإحصائي قبل السابع من أكتوبر 2023. ففي فبراير 2023، وثقت البيانات وصول نحو 6,000 مريض سرطان إلى مستشفى الصداقة التركي خلال العام السابق لتلقي الخدمات، مع توقع تسجيل نحو 2,000 حالة جديدة خلال عام 2023. وبلغت نسبة المرضى الذين تزيد أعمارهم على 45 عامًا 72%، فيما شكل الأطفال دون 18 عامًا 6.4% من الحالات. كما مثل سرطان الثدي 18.6% من إجمالي أنواع السرطان، وكان سرطان القولون الأكثر شيوعًا بين الذكور بنسبة 14.5%.
ويمتد خط الأساس إلى حجم النشاط العلاجي داخل المستشفى؛ إذ أجرى مستشفى الصداقة التركي خلال الربع الأول من عام 2023 59 عملية جراحية لمرضى السرطان، توزعت إلى 27 عملية كبرى، و21 عملية متوسطة، و11 عملية صغرى. كما كان مرضى السرطان يحضرون يوميًا من مختلف محافظات قطاع غزة للمتابعة وتلقي العلاج بصورة مستمرة.
وفي يونيو 2023، كانت العيادات الخارجية في المستشفى تستقبل نحو 500 مريض يوميًا، بالتزامن مع وجود نقص شديد في الأدوية ونقص في الكادر البشري. وبذلك يكشف خط الأساس عن مؤسسة تعمل بحجم مرتفع من حركة المرضى والخدمات، لكنها تعمل في الوقت نفسه ضمن قيود تتعلق بالموارد العلاجية والبشرية.
ومن هذه البيانات يمكن تثبيت مجموعة أولية من مؤشرات الأداء، تشمل مؤشر حجم حركة المرضى، ومؤشر حجم الخدمة العلاجية، ومؤشر التوزيع الديموغرافي والتشخيصي، ومؤشر استمرارية الخدمة العلاجية. ولا يكفي ارتفاع عدد المرضى لإثبات انتظام العلاج؛ لذلك يجب ربط عدد المرضى بالخدمات المقدمة فعليًا، وبالجرعات والفحوص والمتابعة والإحالات.
وكانت هناك، قبل السابع من أكتوبر 2023، فجوات دوائية وإحالية ينبغي أن تدخل ضمن خط الأساس. فقد أدى نقص أدوية العلاج الكيميائي إلى إحالة بعض المرضى للعلاج خارج قطاع غزة، وهذا ما أظهرته التقارير الإحصائية الصادرة عن دائرة تنسيق وارتباط المرضى في المحافظات الجنوبية، بناءً على نموذج رقم (١) والتغطية المالية الصادرة عن دائرة شراء الخدمة، كما لم يكن العلاج الإشعاعي والطب النووي متوافرين داخل القطاع، إلى جانب عدم القدرة على إجراء بعض الفحوص الجينية والبيولوجية المهمة. وبلغ إجمالي التحويلات العلاجية الداخلية والخارجية لمرضى الأورام في قطاع غزة 6,889 إحالة خلال عام 2021.
وعليه، فإن خط الأساس الإحصائي لعام 2023 لا يمثل حالة اكتفاء علاجي، وإنما يمثل مؤسسة عاملة تستقبل حجمًا مرتفعًا من المرضى وتقدم خدمات علاجية مع وجود فجوات في الدواء والتشخيص والإحالة. وهذه النقطة ضرورية عند قراءة المؤشرات اللاحقة؛ لأن المقارنة لا تبدأ من منظومة مكتملة، وإنما من منظومة كانت تعمل أصلًا في ظل قيود محددة.
بعد السابع من أكتوبر 2023 حدث التحول المؤسسي الأبرز في السلسلة الإحصائية؛ ففي 3 نوفمبر 2023 خرج مستشفى الصداقة التركي عن الخدمة، وأفادت البيانات بأن أكثر من 10,000 مريض سرطان كانوا يعتمدون على خدماته، في أعقاب الأضرار التي لحقت بالمستشفى ونفاد الوقود.
ويمثل توقف المستشفى نقطة الانقطاع الأولى في خط الأساس؛ إذ انتقلت العملية الإحصائية من قياس حجم المرضى الذين يصلون إلى المؤسسة إلى قياس حجم المرضى الذين أصبحوا بحاجة إلى مسار علاجي بديل. وبذلك تحول مؤشر حركة المرضى من قياس الدخول إلى المؤسسة إلى قياس القدرة على الإحالة والإجلاء والوصول إلى المؤسسة البديلة.
وتظهر نتيجة هذا التحول في بيانات الإجلاء. ففي عملية إجلاء أعلنت عنها منظمة الصحة العالمية في نوفمبر 2023، جرى إجلاء 12 طفلًا من المصابين بالسرطان أو اضطرابات الدم من غزة إلى مصر والأردن لاستكمال العلاج. وفي 30 يوليو 2024، أجلت منظمة الصحة العالمية والإمارات العربية المتحدة 85 مريضًا من غزة إلى أبو ظبي، منهم 35 طفلًا و50 بالغًا؛ وكان من بينهم 53 مريضًا بالسرطان، منهم 4 أطفال، و3 مرضى بأمراض الدم، بينهم حالات ثلاسيميا، إضافة إلى مريضين بفقر الدم الفانكوني.
ومن هنا يظهر مؤشر الإحالة والإجلاء بوصفه أحد المؤشرات الناتجة عن تغير المسار المؤسسي. ويقاس هذا المؤشر من خلال العلاقة بين عدد المرضى المحتاجين إلى الانتقال لاستكمال العلاج وعدد المرضى الذين تمكنوا فعليًا من الوصول إلى الجهة العلاجية. ويجب الفصل إحصائيًا بين حجم الحاجة وحجم الاستجابة؛ لأن عدد المرضى الذين جرى إجلاؤهم لا يمثل عدد جميع المرضى المحتاجين إلى العلاج خارج القطاع.
وتصبح قراءة الأطفال ومرضى الدم أكثر دقة عند الانتقال من مجرد عدد الإجلاءات إلى بيانات المرضى ومساراتهم العلاجية. ففي الفترة من أكتوبر 2023 إلى أكتوبر 2024، شملت العملية الإحصائية 51 طفلًا من غزة تلقوا علاجًا للسرطان في مركز الحسين للسرطان في الأردن. وكان 25.5% منهم حديثي التشخيص، و11.8% حالات انتكاس، بينما كان 62.7% قد تلقوا علاجًا سابقًا في غزة.
ومن بين الحالات المشمولة بالتصنيف التشخيصي، بلغت اللوكيميا الحادة 39.2%، والأورام الصلبة 21.6%، وأورام الجهاز العصبي المركزي 13.7%، واللمفوما 9.8%، واضطرابات الهستيوسيات 7.8%، وسرطان الشبكية 5.9%. وتتيح هذه البيانات بناء مؤشر تشخيصي يحدد طبيعة الحالات التي انتقلت إلى العلاج خارج القطاع، بدل الاكتفاء بقياس العدد الإجمالي للمرضى.
ويبرز في هذه العملية الإحصائية المؤشر الزمني؛ إذ بلغ الوسيط الزمني من التشخيص إلى الوصول إلى مركز الحسين للسرطان 196 يومًا، بينما بلغ الوسيط من الإحالة إلى الوصول 21 يومًا، مع نطاق وصل إلى 152 يومًا بين الإحالة والوصول. وبذلك يتحول الزمن من عنصر وصفي إلى متغير قابل للقياس من خلال الفرق بين التاريخ المخطط والتاريخ الفعلي للوصول إلى الخدمة.
ويكتسب مؤشر استمرارية البروتوكول العلاجي أهمية إضافية؛ لأن 62.7% من الأطفال الذين شملتهم العملية الإحصائية كانوا قد تلقوا علاجًا سابقًا في غزة. وهذا يعني أن انتقالهم إلى جهة علاجية خارجية لم يكن في جميع الحالات بداية علاج جديد، وإنما كان في نسبة كبيرة منه انتقالًا بعد وجود مسار علاجي سابق، الأمر الذي يجعل استمرارية الجرعات والفحوص والمتابعة عنصرًا أساسيًا في قياس الأداء.
أما بيانات عام 2025 فتظهر اتساع الفجوة بين حجم الحاجة وحجم الخدمة المتاحة. فقد أصبح الوصول إلى علاج السرطان محدودًا في ثلاث منشآت هي مستشفى الرازي، ومستشفى الحلو، ومجمع ناصر الطبي، فيما أشارت البيانات إلى وجود أكثر من 11,000 مريض بحاجة إلى العلاج خارج غزة بسبب عدم توفر العلاج المطلوب. ومنذ يناير 2025، ووفق بيانات منظمة الصحة العالمية التي نقلتها OCHA، تم إجلاء 594 مريض سرطان، منهم 152 طفلًا، و219 امرأة، و223 رجلًا.
ولا يجوز التعامل مع الرقمين 11,000 و594 باعتبارهما مجتمعًا إحصائيًا واحدًا لإنتاج نسبة مباشرة، إلا بعد توحيد التاريخ وتعريف المجتمع الإحصائي. فالأول يمثل حجم الحاجة إلى العلاج خارج غزة وفق نقطة الرصد، بينما يمثل الثاني عدد المرضى الذين تم إجلاؤهم منذ يناير 2025 ضمن نقطة زمنية محددة.
ومن الرقم 594 يمكن وصف التركيب الديموغرافي للمرضى الذين جرى إجلاؤهم ضمن تلك النقطة الزمنية؛ إذ يمثل الأطفال نحو 25.6% من حالات السرطان التي جرى إجلاؤها، بواقع 152 طفلًا، بينما بلغ عدد الرجال 223 والنساء 219. وهذه النسب تصف المرضى الذين جرى إجلاؤهم ضمن المجتمع المحدد، ولا تمثل التوزيع العمري أو النوعي لجميع مرضى السرطان في قطاع غزة.
وبذلك تتحدد السلسلة الأساسية لمؤشرات قسم خدمات المرضى في: حجم المرضى، والتوزيع العمري، ونوع التشخيص، وحجم الخدمة العلاجية، والجرعات، والفحوص، والإحالات، والإجلاءات، والزمن بين الإحالة والوصول، واستكمال البروتوكول العلاجي. وكل مؤشر منها يقيس مرحلة محددة من مسار المريض.
ولا ينبغي إدخال عدد الجرعات في السلسلة الزمنية إلا بالاعتماد على سجلات قسم خدمات المرضى أو السجلات الدوائية الرسمية. وينطبق الأمر نفسه على عدد المرضى الأطفال والبالغين داخل قسم خدمات المرضى في مستشفى الصداقة التركي تحديدًا خلال كل سنة؛ إذ لا يجوز استخدام نسب منشورة لمجتمع إحصائي مختلف باعتبارها نسبًا للقسم أو للمستشفى في سنوات لاحقة.
وتبرز هنا أهمية قسم خدمات المرضى بوصفه جوهر العملية الإحصائية والإدارية؛ لأن القسم يمثل النقطة التي يمكن من خلالها ربط رقم المريض بمسار الخدمة: التشخيص، والقرار العلاجي، والجرعة، والفحص، وتاريخ الإحالة، وتاريخ الوصول، والجهة المستقبلة، وحالة استكمال العلاج. ومن دون هذا الربط تصبح البيانات عبارة عن أعداد منفصلة للمرضى والجرعات والإحالات والإجلاءات، دون إمكانية قراءة المسار العلاجي للمريض الواحد.
ولهذا فإن قيمة العملية الإحصائية لا تكمن في تسجيل عدد المراجعين فقط، وإنما في ربط المريض بالخدمة وبالزمن وبالنتيجة. فالمريض الذي تحرك ليس بالضرورة مريضًا تلقى العلاج، والمريض الذي تلقى جرعة واحدة ليس بالضرورة مريضًا استكمل بروتوكوله، والمريض الذي صدرت له إحالة ليس بالضرورة مريضًا وصل إلى الجهة المحال إليها.
ومن هنا يمكن بناء مؤشر استمرارية المسار العلاجي من خلال تتبع المريض عبر حلقات متتابعة تشمل: التشخيص، والقرار العلاجي، والجرعة أو التدخل العلاجي، والفحص والمتابعة، ثم الإحالة أو الانتقال إلى المرحلة التالية من البروتوكول. وعند تعذر إحدى هذه الحلقات تسجل نقطة الانقطاع بوصفها متغيرًا قابلًا للقياس.
وبناءً على ذلك، فإن السلسلة الإحصائية للفترة 7/10/2023–7/10/2026 ينبغي أن تقوم على مؤشرات ثابتة في كل نقطة زمنية: عدد مرضى الأورام، والأطفال، والبالغين، ومرضى أمراض الدم، وأنواع التشخيص، والجرعات، والفحوص، والإحالات، والإجلاءات، والزمن بين الإحالة والوصول، وعدد المرضى الذين استكملوا أو لم يستكملوا البروتوكول. وأي خانة لا تتوافر لها بيانات رسمية تظل «غير متاحة» إلى حين الحصول عليها من السجلات الأصلية.
أما 7 أكتوبر 2026 فلا يجوز إدراج رقم نهائي له قبل حلول التاريخ؛ إذ إن تاريخ إعداد هذا التقرير هو 1 أكتوبر 2026. ولذلك تستخدم آخر بيانات رسمية متاحة حتى تاريخ إعداد التقرير، ثم تحدث نقطة القياس عند اكتمال بيانات 7 أكتوبر.
وتؤدي هذه القراءة إلى تحديد قيمة التغير الذي طرأ على العملية الإحصائية بعد توقف مستشفى الصداقة التركي الفلسطيني؛ إذ لم يعد القياس مقتصرًا على عدد المرضى الذين تستقبلهم المؤسسة، وإنما أصبح مرتبطًا بالإحالة والإجلاء والوصول إلى المؤسسات البديلة واستمرارية الجرعات والفحوص والمتابعة.
ومن هنا تنتقل وظيفة قسم خدمات المرضى من إحصاء حركة المرضى إلى إحصاء استمرارية العلاج. والفرق بين المؤشرين جوهري؛ فالأول يجيب عن سؤال: كم مريضًا تحرك؟ بينما الثاني يجيب عن أسئلة أكثر دقة: كم مريضًا حصل على الخدمة؟ كم جرعة تلقى؟ كم جرعة فقد؟ كم تأخر؟ كم أحيل؟ كم وصل؟ وكم استكمل بروتوكوله؟
وعليه، فإن مؤشر فقدان المسار العلاجي يمثل أحد أهم المؤشرات التي يمكن بناؤها من العملية الإحصائية؛ ويقيس عدد المرضى الذين بدأوا مسارًا علاجيًا ولم يتمكنوا من الانتقال إلى المرحلة التالية في الوقت المحدد بسبب توقف الخدمة أو نقص الدواء أو تعذر الفحص أو تعطل الإحالة أو عدم الوصول إلى الجهة العلاجية.
وبذلك تصبح العملية الإحصائية التي يقودها قسم خدمات المرضى أساسًا للانتقال من تسجيل الأرقام إلى قياس الأداء المؤسسي. فالقيمة الحقيقية للرقم لا تكمن في حجمه منفردًا، وإنما في قدرته على تفسير مسار المريض من نقطة الحاجة إلى نقطة الحصول على الخدمة واستكمال العلاج؛ ومن هنا تضع أريج صافي، رئيس قسم خدمات المرضى، من خلال العملية الإحصائية، خط الأساس الذي يمكن أن تُبنى عليه مؤشرات الأداء وتقاس من خلاله استمرارية البروتوكول العلاجي.
أريج خليل صافي.



