امتحان قبول الطب في غزة.. بين إنصاف الطلبة وحماية مستقبل المهنة وأرواح الناس!

عندما قلنا إن نتائج الثانوية العامة هذا العام أفرزت آلاف المتفوقين، وإن حصول أعداد كبيرة من الطلبة على معدلات مرتفعة جدًا، مثل 98% و99%، أمر يستحق التوقف والتساؤل، قلت حينها إننا أمام حالة استثنائية لم نشهدها بهذا الحجم في تاريخ امتحانات الثانوية العامة، وتستدعي من الجميع قراءة متأنية ومسؤولة.
لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل التساؤلات التي يطرحها كثيرون حول حصول بعض الطلبة، ممن لم تكن مستوياتهم الدراسية السابقة تعكس هذا التفوق، على معدلات مرتفعة جدًا، في ظل ظروف امتحانية استثنائية، وما أُثير بشأن الاستعانة بالذكاء الاصطناعي، ومنها تطبيق «شات جي بي تي»، أو غيره من الوسائل التي قد تمنح بعض الطلبة أفضلية غير عادلة. وهنا أؤكد أنني لا أعمّم هذا الكلام على الجميع، ولا أشكك في كل من حصل على معدل مرتفع؛ فهناك طلبة متفوقون منذ طفولتهم، بذلوا جهودًا كبيرة ويستحقون كل التقدير والاحترام.
إن القضية بالنسبة لي ليست مجرد علامات ومعدلات، بل تتعلق بمستقبل التعليم ومصداقية الشهادات، خصوصًا عندما نتحدث عن مهنة الطب التي ترتبط مباشرة بأرواح الناس وحياتهم. فمن غير المقبول أن يكون المعيار الوحيد لدخول كلية الطب علامة مرتفعة لا تعكس بالضرورة المستوى الحقيقي للطالب، بل يجب التأكد من امتلاكه المعرفة والقدرات اللازمة لمواصلة الدراسة وتحمل مسؤوليات هذه المهنة الإنسانية.
كان من الممكن، على سبيل المثال، توفير وقت كافٍ للاستعداد، ونشر نماذج وأسئلة استرشادية تساعد الطلبة على معرفة طبيعة الامتحان، والسماح باستخدام الآلات الحاسبة إذا كانت طبيعة الأسئلة تتطلب ذلك، وضمان استقرار الإنترنت خلال الامتحان الإلكتروني، ووضع آلية واضحة لمعالجة أي خلل فني أو مشكلة أثرت في أداء المتقدمين. كما كان من الضروري توضيح معايير التصحيح وإتاحة مراجعة النتائج عند وجود أسباب جدية تدعو إلى ذلك.
وكنت أرى أيضًا أن تتولى الجامعات، بالتنسيق مع الجهات المختصة، تقييم الطلبة وفق معايير أكاديمية واضحة، تجمع بين معدلاتهم الدراسية ومستواهم الحقيقي وقدرتهم على مواصلة التخصص، مع الاستفادة من الامتحانات الحضورية كلما أمكن ذلك.
أما اليوم، وبعد ظهور نتائج امتحان القبول، فإنني أقول بوضوح: ليس كل من لم يجتز الامتحان ضعيفًا، وليس كل من اجتازه هو بالضرورة الأقدر على دراسة الطب. فقد يكون بين الذين لم يحالفهم التوفيق طلبة متفوقون ظلمتهم الظروف، أو لم يسعفهم الوقت، أو واجهوا انقطاع الإنترنت، أو لم يتمكنوا من استخدام الوسائل المسموح بها، أو تأثروا بمشكلة فنية أو إجرائية. وهذه احتمالات تستحق الفحص والتحقق، لا التجاهل ولا إصدار الأحكام المسبقة.
لذلك، فإنني أتضامن مع كل طالب أو طالبة لديه اعتراض جدي ومدعوم بأسباب واضحة، وأطالب الجهات المعنية خاصة وزارة التربية والتعليم العالي والجامعات بفتح باب مراجعة النتائج والتظلمات، والتحقق من أي خلل محتمل بكل شفافية وعدالة.
والأهم. من ذلك إمكانية دراسة منح الطلبة الذين لديهم أسباب وجيهة للاعتراض فرصة أكاديمية مشروطة، وفق ضوابط معلنة، مع إخضاعهم لتقييمات دورية جادة تقيس مستواهم الحقيقي وقدرتهم على مواصلة الدراسة، دون الإخلال بمعايير القبول أو المساس بحقوق بقية الطلبة.
لسنا ضد الطلبة، ولسنا ضد طموحهم في دراسة الطب، بل نحن مع إنصاف المجتهد، وإنصاف من ظلمته الظروف، وضمان ألا تضيع حقوق أي طالب بسبب خلل يمكن تصحيحه.
وفي الوقت نفسه، فإن العدالة لا تعني منح الجميع النتيجة نفسها، بل تعني أن يحصل كل طالب على فرصته الحقيقية، وأن يصل إلى كلية الطب من يمتلك الكفاءة والاستعداد اللازمين، بعيدًا عن الغش أو المحاباة أو الأخطاء الإجرائية.
إن مستقبل أبنائنا أمانة، وأرواح المرضى أمانة أكبر، والعدالة الأكاديمية مسؤولية لا يجوز التهاون فيها.
والله من وراء القصد، مع خالص الاحترام والتقدير لكل طالب وطالبة، ولكل أسرة عانت وضحّت في سبيل تعليم أبنائها في هذه الظروف الصعبة.
اخوكم / عبدالهادي مسلم



