جرحٌ لا يندمل.. «طفولتي» بين الوجع والإبداع

قراءة تحليلية في كتاب «طفولتي» للدكتور عطا الله أبو السبح

بقلم: أ. اكتمال عدوان

«طفولتي» كتاب عملاق لكاتب عملاق، للأديب والشاعر المبدع الدكتور عطا الله أبو السبح، يأخذنا إلى حقبة تاريخية حافلة بالتفاصيل والمعلومات، ويقدمها للمتلقي بعيدًا عن التلقين، فيعيش معها متعة الحكاية ودهشة الخيال.
إنها حكاية عاشها آباؤنا، ونقلوها إلينا وكأنها آتية من «ألف ليلة وليلة»؛ حكاية طفل خرج من رحم المعاناة، وشق طريقه من الضعف إلى القوة، ومن براثن الظلام والظلم إلى نور الإبداع، حتى أصبح واحدًا من أعلام الثقافة في غزة وفلسطين، ونموذجًا يُحتذى به.
أبرز ما يميز هذه السيرة هو الإصرار العجيب والمثابرة رغم الألم بكل أشكاله. وهذا ما منح الكتاب قيمة تربوية كبيرة، تجعله جديرًا بأن تقرأه الأجيال، لتقتبس من صفحاته شُعَلًا تضيء لها دروب النجاح. فالألم الذي عاشه شعبنا الفلسطيني كفيل بأن يدفع أي إنسان، في ظل تلك الظروف، إلى زاوية مظلمة من الحياة، إلا أن إرادة الإنسان قادرة على صناعة النور من قلب العتمة.
تأتي لغة الكتاب بسيطة وسلسة ومفهومة، دون أن تفقد جمالها أو تخرج عن المألوف. وقد أحسن الكاتب تنظيم مثيراته، فجاءت القصص ثرية ومشوقة، تحمل في داخلها مغزى ودلالة، وكان ذكاؤه في استثمار التفاصيل كفيلًا بجذب القارئ وإبقائه مشدودًا إلى الحكاية.
السيرة في جوهرها ثوب من الحزن رُفلت به حياة الفلسطينيين منذ عقود، وما زال حاضرًا حتى اليوم؛ تغيرت الألوان، لكن الحزن والألم والحسرة بقيت من الثوابت في حياتنا. إنها طفولة مؤلمة، مذبوحة التفاصيل، يصعب على الخيال أن يتصور قسوتها، لكنها في الوقت نفسه طفولة تختزن إرادة صلبة لا تنكسر.
ويمتاز الكتاب أيضًا بمتعة الحوار والسرد، وبروز جمال اللغة ومستوياتها، إلى جانب حسن بناء الأحداث والكشف التدريجي عن الشخصيات وملامحها وأسمائها. كما أن الشواهد الواقعية، والأمثال والحكم والمفردات الشعبية التي يستحضرها الكاتب، جعلت السيرة تتجاوز تجربته الفردية لتلامس تجارب جماعية عاشها الفلسطينيون.
ومن المفارقات الجميلة في الكتاب أنه، رغم كل هذا الوجع، لا يخلو من الحب الذي ظل عامرًا في القلوب بصدق. وتكشف بعض المصطلحات الشعبية عن جوانب خفية من تلك الحقبة، مثل: «زواج البدل»، و«كلاب الملايات»، و«المنتدى النسوي»، و«مواعين الفخار»، ولعل أكثرها تأثيرًا «لهاية الماء»، ذلك المصطلح العميق في دلالته وما يحمله من ذاكرة اجتماعية.
أشكر الكاتب على هذا الجهد الذي توّج بهذا الكتاب النادر، الذي جمع بين السيرة والحكاية، وقدم قراءة للوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي في مرحلة ما زالت آثارها حاضرة في حياتنا.
لقد سلمتَ للقارئ كلماتٍ تجمع الروح والعقل، فجزاك الله خيرًا، ورفع درجاتك عند خالقك.
ورحم الله الدكتور والأديب عطا الله أبو السبح.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com