من وعد بلفور إلى أزمة القنصلية البريطانية في القدس: حين يعود التاريخ إلى الحاضر بقلم د. عبد الرحيم جاموس:

ليست أزمة القنصلية البريطانية في القدس الشرقية مجرد خلاف دبلوماسي، بل نافذة تكشف امتداد صراع بدأ منذ بدايات القرن العشرين ولا يزال الفلسطينيون يدفعون ثمنه. فالمسؤولية البريطانية لا يمكن تمييعها أو نقلها إلى العرب أو الفلسطينيين. بريطانيا أصدرت وعد بلفور وتولت الانتداب وأسهمت في تمكين المشروع الصهيوني، ثم جاء قرار تقسيم فلسطين عام 1947 في سياق دولي منحاز لم يراع حق الشعب الفلسطيني في أرضه. ومن ثم حرب 1948 التي نتج عنها قيام إسرائيل على نحو 78 في المئة من فلسطين التاريخية وتهجير أكثر من نصف الشعب الفلسطيني. ثم احتلال ما تبقى من الأرض عام 1967، ليتحوّل الاحتلال تدريجيًا إلى مشروع للضم والاستيطان وفرض الأمر الواقع. المجتمع الدولي لم يمنح الاحتلال شرعية سيادة، بل أكّد مبدأ عدم جواز اكتساب الأرض بالقوة، كما أكدت محكمة العدل الدولية. وفي القلب من ذلك تبقى القدس، أرضًا محتلة لا يمكن حسم وضعها بإجراءات أحادية. المسؤولية البريطانية تاريخية وخاصّة، لأنها لم تكن مجرد داعمٍ من الخارج، بل دولة الوعد والانتداب والإطار الإداري الذي مهّد لقيام إسرائيل. ولا يصح أن تُحمّل هذه المسؤولية للعرب أو الفلسطينيين، الذين قاوموا الانتداب والمشروع الصهيوني بوسائل متعددة، لكنهم واجهوا اختلالاً هائلاً في موازين القوى. فلسطين اليوم ليست ملفاً إنسانياً أو شعاراً سياسياً، بل قضية حق في الحرية وتقرير المصير. وبريطانيا أمام اختبار تاريخي مضاعف، إن أرادت تحويل إرثها من صناعة المأساة إلى المساهمة في إنهائها؛ عبر خطوات عملية تُنهي الاحتلال، وتحمي القدس الشرقية، وتصون وحدة الأرض الفلسطينية، وتمكّن الشعب الفلسطيني من ممارسة حقّه في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة. وما حدث في أزمة القنصلية ليس القضية بحد ذاتها، بل علامة على قضية أكبر: مستقبل الأرض، ومستقبل شعبٍ يطالب بحقه، ومصير نظامٍ دولي يقول إن الاحتلال لا يولّد سيادة، ثم يسمح باستمراره جيلاً بعد جيل. والسؤال اليوم ليس عن إدارة أزمة دبلوماسية عابرة، بل عن قدرة بريطانيا والمجتمع الدولي على الانتقال من إدارة نتائج القضية إلى المساهمة في حلّها. فالتاريخ لا يُمحى، لكن يمكن التعلم منه إذا توفرت الإرادة السياسية لاحترام القانون الدولي وإنهاء الاحتلال، وفتح الطريق لسلام عادل يقوم على الحرية والكرامة وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
د. عبدالرحيم جاموس، ٨ أكتوبر ٢٠٢٦.
طاب مساءكم 🌺
📝قراءة أدبية: حين يستيقظ التاريخ في القدس

بقلم:- د. عادل جوده. العراق.
🕊️يأتي مقال د. عبد الرحيم جاموس ليضعنا أمام حقيقة لا تسمح للذاكرة بأن تنام، ولا للتاريخ بأن يتحول إلى هامش منسي في دفاتر السياسة. فمن خلال أزمة القنصلية البريطانية في القدس، يفتح الكاتب نافذة واسعة على قرن كامل من الصراع، مؤكدا أن ما يبدو في ظاهره خلافا دبلوماسيا عابرا، يخفي وراءه جذورا عميقة لمسألة سياسية وتاريخية ما زالت مفتوحة على الاحتمالات والأسئلة.
🌐أولا:
التاريخ بوصفه شاهدا
تتجلى قوة المقال في استدعاء الماضي لا باعتباره سردا للأحداث، وإنما باعتباره شاهدا على مسؤوليات لم تسقط بالتقادم. فـوعد بلفور والانتداب البريطاني وما رافقهما من تحولات، تظهر في رؤية الكاتب حلقات مترابطة أسهمت في تشكيل الواقع الفلسطيني الراهن.
🌐ثانيا:
القدس ذاكرة المكان
تحتل القدس في المقال مكانة تتجاوز الجغرافيا؛ فهي ذاكرة وهوية وقضية قانونية وإنسانية. ولذلك تصبح أية محاولة لتغيير واقعها أو فرض أمر أحادي عليها مساسا بجوهر القضية، لا مجرد إجراء سياسي محدود.
🌐ثالثا:
الفلسطيني بين الاحتلال والحق
ينجح الكاتب في نقل القضية الفلسطينية من إطارها الإنساني الضيق إلى فضائها الأوسع: حق شعب في الحرية وتقرير المصير. وهنا تبدو فلسطين ليست ضحية تاريخ فحسب، بل شعبا متمسكا بحقه، رغم اختلال موازين القوة وطول سنوات الاحتلال.
🌐رابعا:
من إدارة الأزمة إلى صناعة الحل
أعمق ما في المقال أنه لا يكتفي باستحضار المسؤولية البريطانية، بل يحولها إلى سؤال أخلاقي وسياسي: هل تستطيع بريطانيا والمجتمع الدولي الانتقال من إدارة نتائج الصراع إلى معالجة أسبابه؟ إنها دعوة صريحة إلى تحويل الاعتراف بالتاريخ إلى فعل سياسي وقانوني يفتح طريق العدالة.
🌐الخاتمة
إن مقال د. عبد الرحيم جاموس ليس قراءة في أزمة قنصلية فحسب، بل قراءة في ضمير التاريخ نفسه. إنه يذكّرنا بأن القدس ليست ورقة تفاوض، وأن فلسطين ليست قضية قابلة للترحيل من جيل إلى جيل. فحين يعود التاريخ إلى الحاضر، يصبح الصمت موقفا، ويصبح القانون امتحانا، وتغدو العدالة الطريق الوحيد للخروج من دائرة الصراع. وما بين وعد قديم وواقع مستمر، تبقى فلسطين شاهدة على أن الحقوق قد تتأخر، لكنها لا تموت..
تحياتي واحترامي 🌺🏵️🌸



