سلسلة قراءة كتاب: رواية لبيك حج الفقراء لـ مالك بن نبي

قراءة وتحرير: موسى عزوق
1- ديباجة وسياق السلسلة
تحقيقاً للهدف المنشود من إعادة قراءة واستكشاف أبعاد حسن البدأ الذي أبدع فيه مالك بن نبي ولو أكمل في سياق الظاهرة القرآنية لكان عالما في هذا المجال ، ولو واصل في فن الرواية التي سنحاول اعادة قراءنها لأصبحها من أهلها لكنه سلك لاحقا كما سنتابع مسلك الحضارة .
لكل كتاب من كتب بن نبي قصة عميقة وإرهاصات؛ فإرهاصات رواية «لبيك: حج الفقراء» (1947) تشكلت وهو يستمع لوالدته وهي تسرد روحانية مكة والمدينة بعد عودتها من الحج برفقة الوالد (خلال السنة الدراسية 1931-1932)، حيث كان يتظاهر بالعطش ليخرج إلى الشرفة وينطلق في دموعه تأثراً.
شهدت تلك الفترة محطات مفصلية في حياته وشخصيته: ففي ديسمبر 1931: ألقى أولى محاضراته بنادي الطلبة المغاربة بعنوان: “لماذا نحن مسلمون؟”، والتي تسببت في ضغوط نقلت بموجبها سلطات الاستعمار جهة عمل والده بالجزائر، ليرسل له والده يتساءل إن كان للمستشرق “ماسينيون” يدٌ في هذا النقل التعسفي. اللقاء بمصالي الحاج: مع تجديد حزب “نجم شمال إفريقيا”، اكتشف بن نبي ما سماه “الظاهرة الصوتية” والتحول من الفكر السياسي الحضاري إلى “البوليتيك” والزعامات الفردية. أما المشهد السياسي والثقافي: فتجسدت التجاذبات بين التيار القومي والبرجوازي المتواطئ مع الإدارة الاستعمارية أو حتى اليسار الفرنسي ( ولهذا كانت حصانة مالك سابقة من اليسار واليمين ) ، بينما استمر التيار الإصلاحي الباديسي يشق طريقاً وسط هذه الصراعات، قبل أن تتراجع فاعليته لاحقاً لصالح الفاعلية القومية ، مع خلط مفاهيم وزعامات بويتيكية 1936 جعلت مالك يشق بحثا مختلفا تماما .
تُبرز هذه الأعمال أن بن نبي كان أديباً ذوّاقاً يمتلك لغة فرنسية راقية وشديدة العذوبة؛ حيث جمع بندرة بين “حدية وصرامة علوم الرياضيات” و”رونق ونعومة الأدب”، وهي خصلة تتجلى بوضوح في مؤلفاته التأسيسية الأولى وعلى رأسها «الظاهرة القرآنية» و«لبيك».
- تاريخ دار “النهضة الجزائرية” (1946) وتحليل غلاف الطبعة الأولى
أ. دار النهضة: حاضنة الفكر الإصلاحي والنشر المناض : في سنة 1946، وفي أعقاب مجازر 8 ماي 1945، تأسست دار النشر “النهضة الجزائرية” بمبادرة من المناضل عبد القادر ميموني ودعم الشيخ البشير الإبراهيمي ورفاقه (مثل حدروق ميموني ومحفوظ قداش ومؤسسي الكشافة الإسلامية). لم تكن “النهضة” داراً تجارية، بل كانت مشروعاً نضالياً وثقافياً كسر احتكار المطابع الاستعمارية ووفر منبراً للمفكرين الجزائريين الذين كانوا يعانون الرقابة وتكاليف النشر الباهظة. وكانت الدار في قلب القصبة ومكتباتها (في شارع بومبي، ثم شارتر، فاللعربي بن مهيدي) ملتقى يومياً للمثقفين ونافذة للوعي ولإمداد المجاهدين والمعتقلين بالكتب إبان الثورة المباركة.
كانت “النهضة” أول من احتضن واكتشف المشروع الفكري لمالك بن نبي، حيث شجعه عبد القادر ميموني على تدوين أفكاره، فكانت ثمرة هذا التعاون إخراج الثلاثية الخالدة: الظاهرة القرآنية . لبيك: حج الفقراء ، شروط النهضة
ب. القراءة الجمالية والسيميائية لغلاف الرواية الأصلي
تظهر صورة غلاف الطبعة الفرنسية الأولى الصادرة عن دار “النهضة الجزائرية” (LES EDITIONS ALGERIENNES En-Nahdha) تكاملاً بنوياً وفنياً بين النص والرمز الحضاري من حيث التأطير الزخرفي الإسـلامي: يحاط الغلاف بإطار من الهندسية والزخرفة الإسلامية/المغاربية، تعلوه عبارة التلبية بالخط العربي الأصيل: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ»، في تأكيد واضح على المرجعية الروحية والهوية الوطنية، والتصدي لمساعي الطمس الثقافي.
العنوان والنوع: يُبرز الغلاف العنوان بالفرنسية بحروف ذات طابع مشادٍ بالروح الشرقية: LEBBEIK (PELERINAGE DE PAUVRES) – ROMAN ليعلن عن جنس العمل بوصفه “رواية”.
الرسم التعبيري: يتصدر الغلاف رسمٌ لوجهتين خلفيتين لحاجّين جزائريين يرتديان اللباس التقليدي (البرنوس/القشابية)، يقفان عند مشارف البيت الحرام والمآذن التليدة. يعكس الموقف هيئة الخشوع والافتراء والتوجه الكامل من بؤس الواقع الاستعماري في الجزائر إلى رحاب النور والإيمان في مكة.

- الإغفال النقدي وأسبقية «لبيك»: أول رواية جزائرية بالفرنسية لكاتب عربي
أ. أسبقية تاريخية مظلومة
تُعد رواية «لبيك» 1946/1947علامة فارقة في تاريخ الأدب الجزائري الحديث؛ إذ أنها أول رواية جزائرية على الإطلاق يكتبها قلم عربي جزائري باللغة الفرنسية (سابقةً بذلك رواية «الدار الكبيرة» لمحمد ديب 1952، و«المعزول» لرشيد بوجدرة، بل وحتى الأعمال المطبوعة لاحقاً لكاتب ياسين).
ب. ظاهرة التجاهل والنكران (الجمهور والمتخصصون)
رغم هذا السبق التاريخي والبناء الروحي الفذ، تعرضت الرواية لإهمال وتجاهل شبه تام في الساحة النقدية والأكاديمية الجزائرية: تجاهل المتخصصين والأكاديميين: أُسقطت الرواية عمداً أو جهلاً من المقررات الدراسية والتأريخ الرسمي للأدب الجزائري المكتوب بالفرنسية، نتيجة التحيز الأيديولوجي أو لعدم مطابقتها للنماذج النقدية الغربية المستوردة التي تركز على الصراع المادي أو العرقية.
عزوف القارئ العام: طال التجاهل الجمهور القارئ الذي حصر مالك بن نبي في قالب الفيلسوف الجاف، غافلاً عن البُعد الأدبي والجمالي الرقيق في شخصيته.
ج. إهداء الرواية وظروف كتابتها
الإهداء : «إلى زوجتي العزيزة اعترافاً مني بحنانها الأمومي تجاه المتواضعين في بلدي.. إلى أختي الحاجة لطيفة بن نبي.. إلى السيد بيلار M. Billard، مع احترامي وإعجابي المبجل.»
ظروف الكتابة والترجمة: كتبها بن نبي في عجالة بين سفريتين داخل غرفة فندق في نحو 155 صفحة بالفرنسية، وصدرت طبعتها الأولى عام 1948، ثم ترجمها إلى العربية الدكتور زيدان خولييف (دار الفكر – دمشق 2009) في حوالي 100 صفحة.
- تطبيق مناهج اليوم الدراسي بسطيف: «جزأرة النقد الأدبي بين سطوة المنهج وروح الأمة»
في إطار اليوم الدراسي بسطيف بتاريخ السبت 10 أكتوبر 2026 تحت عنوان «روح النقد الأدبي»، والذي نظمه مركز الشهاب للبحوث والدراسات ، تم طرح قضية جوهرية تتصل بضرورة تفكيك سطوة المناهج الغربية الجاهزة واستعادة “روح الأمة” في قراءة النصوص الأدبية الوطنية. وكانت فعلا يمكن ان تكون نموذج ؟ فمن خلال تطبيق منهج «روح الأمة» على رواية «لبيك»: نجد تحرير النص من المناهج المادية الاستشراقية:
حيث تُثبت رؤية “جزأرة النقد” أن تقييم «لبيك» بمناهج بنيوية مغلقة أو ماركسية مادية (كما يفعل بوجدرة) يُسقط جوهر النص. فالرواية تتبنى المفهوم الحضاري والروحي للتحول الإنساني، وهو ما تتجاهله المناهج المادية التي ترى في الدين طقوساً أو مخدرات اجتماعية.
كما تثبت الأصالة والذاتية الحضارية: اذ تعكس الرواية روح الأمة الجزائرية التي حافظت على الفطرة الإيمانية عميقةً تحت وطأة الاستعمار. إبراهيم ليس مجرد بطل روائي، بل هو تجسيد لـ “الإنسان الجزائري” الذي يمتلك طاقة الانبعاث والتوبة والكرامة مهما أرهقته ظروف البؤس والقابلية للاستعمار. وتوضح النقد الثقافي الحضاري مقابل سطوة المنهج الشكلاني : بدلاً من الاقتصار على شكلانية النص، يربط نقد “روح الأمة” بين النص الأدبي والفاعلية الحضارية؛ فالرواية تُقدم الفن بوصفه طاقة أخلاقية ومحرّكاً للتاريخ، لا مجرد جماليات معزولة.
- ردّ على أطروحات النقد الأيديولوجي (بوجدرة، بن نبي)
الإطار المفاهيمي
ينطلق الكاتب رشيد بوجدرة من رؤية مادية/ماركسية تختزل الأدب في النقد الاجتماعي المادي، وتتوجس من الطرح الروحي أو الحضاري. ومن هذا المنطلق هاجم أعمال بن نبي متّهماً إياها بالسطحية.
دحض اتهامات بوجدرة لمالك بن نبي
البعد الفلسفي والعلمي: قدم بن نبي في «الظاهرة القرآنية» تحليلاً هندسياً ومنهجياً مقارناً للقرآن يفكك شبهات المستشرقين والتشكيك الإلحادي، موضحاً البناء الشامخ للعقيدة والنبوة وإثبات عدم نقل النبي ﷺ من كتب سابقة. كما وضع في «شروط النهضة» و«مشكلة الأفكار» قوانين حركة التاريخ والحضارة (المعادلة الحضارية: الإنسان + الزمان + التراب).
البعد الروحي والوجودي: تجسد في رواية «لبيك»، حيث قدم الحج كتحول وجودي ونفسي وليس مجرد عبادات ظاهرة كما توهم بوجدرة.
البعد الحضاري: ركّز على مفهوم “القابلية للاستعمار”، وهو تحليل أعمق بكثير من الطروحات التبسيطية.
- التحليل النصي والوجداني لرواية «لبيك: حج الفقراء»
أ. أحداث الرواية وتحول إبراهيم الروحي
تدور الأحداث حول إبراهيم، الحداد الثلاثيني السكير الذي عرفته شوارع مدينة بونة (عنابة) بلقب “أبو قرعة”. كان الأطفال في الحي – بوصفهم القضاة المدافعين عن الأعراف الاجتماعية – يطاردونه بنعت العار هذا كلما ظهر. وعلى وقع أذان المسجد “الله أكبر! الله أكبر!”، استيقظت في نفس إبراهيم جذوة الإيمان الكامنة. اتجه بعفوية نحو المسجد واغتسل، وهناك سمع المصلين يهمسون عن باخرة حجاج تقلع عند العاشرة. في تلك اللحظة اتخذ قرار التوبة والحج: فرهن بيته وأخذ سلفة وودّع جاره “العم محمد” (رمز الأصالة والوالد الروحي). طلق ماضيه ومنح محله لرفيقه، وأثناء جمعه لأوراق السفر التقى بالصبية الذين اعتادوا السخرية منه، فتفاجأ بأنهم لم ينعتوه هذه المرة بـ”يا أبو قرعة”، كأن المجتمع أدرك تحوله الروحي.
ب. هادي وتلميذ الرحلة الروحية
في الباخرة، التقى إبراهيم بالطفل الفقير هادي (ماسح الأحذية) الذي تسلل إلى الباخرة بالتآمر مع شيخ مسن عطف عليه. أصبح إبراهيم أستاذاً وأباً لهادي، وشقا له من إحرامهما ليحرم الطفل عند ميقات “رابغ”. وعند وصولهما للربوع المقدسة، حرر إبراهيم رسالة للعم محمد يخبره فيها: «… لن أنساكم كلما زرت قبر الرسول الذي أقصده كل يوم مع طفل صغير من بونة كان قد ركب المركب خفية وقد قبل أن يصبح بمنزلة ابني، إنه سعيد أيضاً إذ ترك علبة مسح الأحذية كما تركت أنا محلي…»
ج. المقارنات الأدبية والفلسفية في الرواية
تزخر الرواية بإحالات نقدية وأدبية عميقة أجراها مالك بن نبي أو استوحاها النّقاد: فيكتور هيجو ورواية «البؤساء»: فيصف بن نبي مشاعر إبراهيم لحظة صعوده السفينة قائلاً: «لقد ولّى زمن الزيغ»، مستحضراً أسلوب فيكتور هيجو. تشبه لحظة سقوط إبراهيم وانبعاثه الروحي مشهد جان فالجان أمام المونسنيور موريال: “إنه سقوط، ولكنه سقوط آل إلى وضعية صلاة”.
تولستوي والإنسانية المعذبة: أثناء توقف السفينة بتونس، يظهر بدوي قاطعاً 700 كم سيراً على الأقدام للالتحاق بالحج متوسلاً الشرطة: “رسول الله! أنت ترى أني غادرت خيمتي وأولادي لكي آتي إليك!”.
يعلق بن نبي مستحضراً صدمة تولستوي المعنوية عندما رأى متسولاً يُهان في موسكو، مؤكداً أن معصية اليأس والنكوس هي الجريمة الخطيرة التي تطمس النفس.
د. البناء الذاتي وشخصيات الرواية (الاستلهام من الواقع)
استوحى بن نبي أبطال الرواية من واقع حياته ومذكراته: إبراهيم: شخصية خيالية تمثل انبعاث روح المسلم المغمورة بالخطايا. علاوة (الفحّام): صديق طفولته الذي وصفه في مذكراته بالوداعة والعفة والإيثار، وأسقط صفاته الصالحة على إبراهيم. السكير (مختار – راي راي): لاعب الكريكيت بتبسة الذي تبرع بمبلغ كبير لبناء مسجد ثم أصبح من الإصلاحيين. الطفل هادي (مسّاح الأحذية): يستحضر به بن نبي طفلاً التقى به عند محاولته الأولى للهجرة إلى فرنسا عام 1925 (جاواو Gaouaou) ومنحه القليل من المال.
- الرؤية الفلسفية والاجتماعية لمالك بن نبي
أ. نقد “مرضى الفكر” و”أهل البوليتيك”
لم تكن الرواية مجرد “سيناريو سطحي” أو “رواية ماء الورد” ، بل أراد بن نبي توجيه خطاب إيحائي يفكك أفكار النخبة المتفرنجة والمستعمرة:
الطبقة التالفة: انتقد النظرة السطحية لبعض العلماء و”أهل البوليتيك” الذين يرون الشعب الخارق في البؤس والرذيلة كمجرد جمهور متلقٍ للخطابات دون فهم أعماقه الروحية.
خطاب الشعب: تؤكد الرواية أن كتاباته موجهة للشعب وليس لـ “مرضى الفكر/المتعالمين” (Les intellectomanes)، لتخليصهم من الأقصوصات والتخدير السياسي.
ب. الفن والرمز ووظيفة الأخلاق في التاريخ
الفن كوسيلة تربوية: يرى بن نبي أن الشكل الأدبي والحكايات الشعبية هي الأداة الأنجع لتمرير الرسائل الأخلاقية وتخاطب الضمير الإنساني، مشيراً إلى ذلك في مقاله “السياسة والحكمة الشعبية” (1965):«لقد وظّف الدينُ الرمزَ عادةً من أجل مخاطبة الضمير الإنساني وترجمة أصعب مفاهيمه وأعقدها.. إن الرياضيات لا تستعمل إلا هذه الطريقة معبرةً عنها بالمعادلات.»
الطاقة المحركة للتاريخ: الأخلاق لدى بن نبي ليست مجرد “وجدان ومشاعر”، بل هي طاقة مُحرّكة للتاريخ وقوة ترفع النفس الإنسانية لمواجهة التحديات الكبرى وتجاوز القابلية للاستعمار.
الهوامش والمراجع
ميموني، حميدة. (2011). LES EDITIONS ALGERIENNES EN NAHDHA ESSAI DE GENESE. مدونة محمد حاج عيسى (تاريخ النشر: 26 سبتمبر 2011).
بن نبي، مالك. (1947/1948). Lebbeik: Pèlerinage de pauvres (Roman). الجزائر: دار النهضة الجزائرية (Les Éditions Algériennes En-Nahdha).
بن نبي، مالك. (2009). لبيك: حج الفقراء (رواية). ترجمة: د. زيدان خولييف. دمشق: دار الفكر.
أشغال اليوم الدراسي: جزأرة النقد الأدبي بين سطوة المنهج وروح الأمة. تنظيم مركز الشهاب للبحوث والدراسات (برئاسة د. علي حليتيم وإدارة د. خير الدين درويش). فندق ولابيناد، سطيف (السبت 10 أكتوبر 2026).
بن نبي، مالك. (1947). الظاهرة القرآنية. الجزائر: دار النهضة الجزائرية.



