العلاج حقّ.. لا مناشدة على أبواب المستشفيات

بقلم: شريف الهركلي
لماذا يحتاج المريض في غزة إلى مناشدة كي يحصل على حقه في العلاج؟ سؤال تختصر إجابته وجع آلاف المرضى الذين يواجهون المرض ونقص الإمكانات الطبية، فيما تتحول التحويلة الطبية إلى نافذة أمل ينتظرون فتحها قبل أن يفوت الأوان.
لفت انتباهي مشهد صديقي الدكتور محمد أبو عمرة «أبو فادي»، وهو يقف إلى جانب ابنه كريم في مستشفى الشفاء، بانتظار تحويلة طبية عاجلة تتيح له تلقي العلاج خارج قطاع غزة. في هذا المشهد تختلط مشاعر الأبوة بمرارة العجز؛ أبٌ يتمنى أن يرى ابنه يتعافى ويعود إلى حياته الطبيعية، وابنٌ ينتظر فرصة العلاج، فيما يظل الوقت عاملًا لا يحتمل التأجيل.
في مثل هذه اللحظات، لا تعود جدران المستشفى مجرد مكان للعلاج، بل تصبح شاهدًا على قلق العائلات وقسوة الانتظار، حين تكون التحويلة الطبية طريقًا ضروريًا نحو العلاج. وخلف كل مريض أبٌ أو أمٌّ يعيشان الخوف، ويتمسكان بالأمل، ويتمنيان ألا يتحول المرض إلى معركة إضافية مع الإجراءات والتأخير.
لكن حكاية كريم ليست استثناءً في غزة؛ فخلف أبواب المستشفيات آلاف الحكايات المشابهة، ومرضى تتعلق آمالهم بفرصة علاج، وعائلات تنتظر خبرًا يطمئن قلوبها. ومن هنا تتجاوز الحكاية حدود أسرة واحدة لتصبح قضية إنسانية عامة، تضعنا أمام سؤال موجع: لماذا يضطر المريض إلى المناشدة كي يحصل على حقه في العلاج؟
العلاج حق إنساني، وليس منّة أو استجابة لمناشدة. فلا يجوز أن تصبح صورة طفل مريض، أو صرخة أبٍ موجوع، أو حملة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، شرطًا لتحريك المسؤوليات وإنقاذ حياة إنسان. كرامة المريض لا ينبغي أن ترتبط بقدرته على إيصال صوته، ولا فرصته في الشفاء بمدى انتشار قصته.
من هنا، نوجّه نداءً إنسانيًا إلى الرئيس الفلسطيني، ومؤسسات الصحة الفلسطينية، والجهات المختصة بالتحويلات الطبية، وإلى القائد محمد دحلان، وكافة المؤسسات الإقليمية والدولية والمنظمات الإنسانية والصحية، والدول القادرة على استقبال المرضى: تحركوا لإنقاذ مرضى غزة، وسرّعوا إجراءات التحويلات الطبية، وأمّنوا خروج الحالات الحرجة، ووفّروا الأدوية والمستلزمات اللازمة، وفق آليات عادلة وشفافة تمنح الأولوية للحالات بحسب خطورتها الطبية.
إن إنقاذ المرضى مسؤولية مشتركة تتطلب تنسيقًا جادًا وتحركًا عاجلًا، بعيدًا عن الانتظار والمماطلة، وبما يضمن وصول المرضى إلى العلاج دون تمييز.
رفقًا بمرضى قطاع غزة؛ فقد أنهكتهم الحرب، ولا يجوز أن ينهكهم الانتظار أيضًا. خلف كل ملف طبي إنسان، وخلف كل تحويلة متأخرة عائلة تعيش الخوف، وربما فرصة للنجاة تتضاءل مع مرور الوقت.
آن الأوان أن ننتقل من ثقافة المناشدات إلى منظومة استجابة تضمن الحق في العلاج وتصون كرامة الإنسان، وتضع حياة المرضى فوق تعقيدات الإجراءات.
فالمريض لا يحتاج إلى مناسبة كي يستحق العلاج، ولا ينبغي أن يرفع صوته من الألم حتى يسمعه العالم.



