العَنْزُ الجَرْباء

نص بقلم : د. عبدالرحيم جاموس

إذا تفرّقتِ الغنمُ،
قادَتْها العَنْزُ الجَرْباء…

لا لأنّها تعرفُ الدربَ، ولا لأنّها أهدى سبيلًا، بل لأنّ القطيعَ إذا تاهَ، تقدّمَ مَن يجرؤُ على السير،
لا مَن يعرفُ أين المصير.

وحين يغيبُ الراعي، وتضيعُ البوصلة،
تعلو أصواتُ العابرين، ويُقصى أصحابُ البصيرة،
ويصبحُ الضجيجُ دليلًا، والتيهُ وجهةً،
والداءُ دواءً،
والعجزُ رايةً تُرفَعُ في الميدان.

يا لَسخريةِ الأقدار ….! حين يُهمَّشُ الحكيمُ، ويُحاصَرُ العاقلُ،
ويُترَكُ الميدانُ للضجيج،
تُمنَحُ القيادةُ لِمَن لا يُحسنُها،
وتُسلَّمُ الدروبُ لِمَن لا يعرفُها،
ويُصفَّقُ للخطى ولو كانت إلى الهاوية…

ليستِ المصيبةُ أن تتفرّقَ الغنمُ، …
فالتفرّقُ عارضٌ،
وقد تلتئمُ القطعانُ بعد التيه،
لكنّ المصيبةَ أن تفقدَ ذاكرتَها،
وأن تنسى طريقَ المرعى،
وأن تألفَ العِلّةَ حتى تراها عافية،
وتتبعَ الداءَ حتى تحسبَهُ شفاء….

وحينها…
لا يعودُ السؤالُ: مَن يقودُ القطيع؟
بل: إلى أين يمضي؟ ومَن يدفعُ ثمنَ الطريق؟
ومَن يملكُ شجاعةَ القول:
إنّ الدليلَ أضلَّ المسير، وإنّ مَن يتصدّرُ المشهدَ ليس بالضرورةِ مَن يستحقُّ القيادة؟

إذا تفرّقتِ الغنمُ،
قادَتْها العنزُ الجرباء… وإذا تفرّقتِ الأُمّةُ،
تقدّمَ الداءُ،
وتوارى الدواء…
د. عبدالرحيم جاموس
28/10/2026 م

طاب صباحكم 🌺

قراءة أدبية في نص«العنزالجرباء»للدكتور عبدالرحيم جاموس

بقلم:
د.عادل جوده- من العراق..

حين يتقدّم الداء ويتوارى الدواء

المقدمة

يفتح الدكتور عبدالرحيم جاموس في نصه «العنز الجرباء» نافذةً واسعة على مأساة الوعي حين يُحاصَر، وعلى اختلال موازين القيادة حين تتقدّم الجرأة المجردة من الحكمة على البصيرة والمعرفة.
نحن أمام نصٍّ نثريٍّ فكريٍّ يتجاوز حدود الحكاية الموحية ليغدو مرآةً لواقعٍ تختلط فيه المعايير، وتُقصى فيه الكفاءات، ويُمنح فيه التصفيق لمن لا يملك سوى الضجيج.
وقد اختار الكاتب رمزيةً شعبيةً مكثّفة، استطاعت أن تحمل وجع الجماعة وسخرية المصير ومرارة الحقيقة، في لغةٍ تجمع بين قوة الحجة وحرارة الموقف وعمق الدلالة.

أولا:
العنوان وبلاغة الرمز

يشكّل عنوان «العنز الجرباء» عتبةً دلاليةً صادمةً تستفزّ القارئ وتدفعه إلى البحث عما وراء ظاهر العبارة. فالعنز هنا ليست حيوانًا في سياق حكاية عابرة، بل رمزٌ للقيادة التي تتصدّر المشهد دون أهلية، وللخلل الذي يصيب الجماعة حين تفقد قدرتها على التمييز بين من يقودها إلى النجاة ومن يسوقها نحو الهاوية. أما الجرب، بما يحمله من إيحاء بالمرض والعدوى، فيتجاوز دلالته الحسية ليشير إلى عطبٍ يتسلّل إلى بنية الجماعة، حتى يصبح الخلل نفسه مصدرًا للقيادة.
وهكذا يختزل العنوان مأساةً كاملةً في صورةٍ شعبيةٍ موجزة، تجمع السخرية والإنذار.

ثانيا:
المفارقة بين الجرأة والبصيرة

يبلغ النص ذروته الفكرية في قوله: «تقدّمَ مَن يجرؤُ على السير، لا مَن يعرفُ أين المصير». إنها مفارقةٌ تختصر أزمة القيادة في كثيرٍ من المجتمعات.. فالجرأة وحدها لا تصنع قائدًا، والحركة لا تعني بالضرورة التقدّم، وامتلاك الصوت المرتفع لا يعوّض غياب الرؤية.
ويكشف الكاتب هنا المسافة الفاصلة بين الاندفاع والحكمة، وبين احتلال الواجهة واستحقاق المسؤولية. إن القيادة الحقيقية ليست سباقًا إلى المقدمة، بل قدرةٌ على استشراف العواقب، وحماية الجماعة من قراراتٍ قد تدفعها إلى خساراتٍ لا يمكن تداركها.

ثالثا:
انقلاب المعايير وتهميش الحكمة

يرسم الكاتب مشهدًا مأساويًّا تنقلب فيه القيم على أصحابها، فيصبح «الضجيجُ دليلًا، والتيهُ وجهةً، والداءُ دواءً». ويقوم هذا التشكيل البلاغي على التضاد والمفارقة، حيث تُستبدل الحقائق بأضدادها، ويغدو الزيف مألوفًا بفعل التكرار والتصفيق. ولا تكمن خطورة هذا الانقلاب في صعود غير الأكفاء وحده، بل في تراجع قدرة المجتمع على اكتشاف الخلل ومقاومته.
فحين يُهمَّش الحكيم ويُحاصَر العاقل، لا تخسر الجماعة أشخاصًا متميزين فحسب، بل تخسر أدوات تصحيح مسارها، وتترك مستقبلها رهينةً لأصواتٍ لا ترى أبعد من لحظة اندفاعها.

رابعا:
الذاكرة الجمعية ومسؤولية المصير

ينتقل النص من تشخيص أزمة القيادة إلى تعرية أزمة الوعي الجمعي، فيقول: «لكنّ المصيبةَ أن تفقدَ ذاكرتَها».
وهنا تتجلى أعمق طبقات النص.. إذ لا يعود التيه حادثةً عابرة، بل يتحوّل إلى حالةٍ مستدامة حين تنسى الجماعة دروس ماضيها، وتألف العلة حتى تراها عافية. فالذاكرة ليست استعادةً للأحداث فحسب، وإنما هي قدرةٌ على استخلاص العبر ومنع تكرار الأخطاء. ومن هذا المنطلق، يوجّه الكاتب أسئلته إلى جوهر المسؤولية: من يقود؟ وإلى أين؟ ومن يدفع الثمن؟ إنها أسئلةٌ تنقل القارئ من موقع المتفرّج إلى موقع الشريك في المحاسبة، وتؤكد أن الصمت عن الانحراف قد يصبح مشاركةً في نتائجه.

الخاتمة

إن «العنز الجرباء» نصٌّ احتجاجيٌّ بامتياز، يستمد قوته من رمزه الشعبي، ويعمّق أثره من خلال لغةٍ مكثّفةٍ وأسئلةٍ أخلاقيةٍ موجعة. وقد نجح الدكتور عبدالرحيم جاموس في تحويل صورةٍ مألوفة إلى خطابٍ فكريٍّ يفضح اختلال القيادة وانهيار المعايير وتراجع الوعي. وتأتي خاتمته، «تقدّمَ الداءُ، وتوارى الدواء»، خلاصةً مأساويةً تختزن روح النص كله. إنها ليست مجرد عبارةٍ ختامية، بل جرس إنذارٍ يدعو إلى استعادة البصيرة، وتحرير الوعي من التبعية، وإعادة الاعتبار لأهل الحكمة والكفاءة.
فالأمم لا تضيع حين تتفرّق صفوفها وحدها، بل حين تفقد شجاعة مراجعة أخطائها، وتمنح ثقتها لمن يقودها بلا معرفة، ثم تصفق له وهو يقترب بها من الهاوية.

تحياتي واحترامي 🌹🌹🌹

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com