ملامح من حروفي…

نص بقلم .د. عبدالرحيم جاموس

سأجعلُ من حروفي سيوفاً، لا لتجرحَ أحداً، بل لتشقَّ طريقاً في جدار الصمت، وتنتزعَ من عتمة الزيف قبساً من الحقيقة.

سأجعلُ لها ملامحَ تشبهني، فيها شيءٌ من كبريائي، وشيءٌ من وجعي، وأثرٌ من خطايَ التي لم تُضلّلها العواصف، وكثيرٌ من أحلامي التي أبت أن تنحني.

سأكتبُ لا لأُرضي عابراً، ولا لأستعيرَ صوتاً من حنجرةٍ أخرى، بل لأقول ما أؤمن به، وإن خالف ما اعتاده الناس، فليس كلُّ صمتٍ حكمة، ولا كلُّ صوتٍ حقيقة.

سأجعلُ من الكلمة موقفاً، ومن القصيدة نافذةً لا تُغلق، ومن الحرف جسراً يعبر عليه المتعبون، وسراجاً يضيء لمن أضاعتهم الدروب. فما قيمةُ قلمٍ لا ينتصرُ للحق، وما جدوى قصيدةٍ لا تلامسُ وجع الإنسان؟

لن أصفّقَ لظلٍّ عابر، ولن أساومَ على ضوءٍ أعرفه، ولن أرفعَ قامتي على حساب أحد، فالكبرياءُ ليس أن نعلوَ فوق الآخرين، بل ألّا ننحنيَ لغير الحق، وألّا نفقدَ إنسانيتنا في زحام الخصومة.

أنا ابنُ ذاكرةٍ لا تنسى، وأحملُ في حروفي وطناً، كلما ضاقت به الجهاتُ اتسع في القصيدة، وكلما أثقلته الجراحُ أعادته الكرامةُ إلى قامته الأولى.

سأكتبُ كي لا تموتَ الحكاية، وكي لا يصبحَ الزيفُ ذاكرة، ولا يتحوّلَ الظلمُ إلى قدر، سأكتبُ لأن في هذا العالم أشياءَ لا يحرسها إلا صوتٌ شجاع، وحقوقاً لا يعيدها إلا إصرارُ أصحابها.

وحين تمرُّ حروفي بينكم، لا تبحثوا فيها عن صورتي وحدي، ابحثوا عن شيءٍ منكم، عن وجعٍ لم يجد لغته، وعن حلمٍ لم يجد طريقه، وعن حقيقةٍ تنتظر من يقولها.

فأنا لا أكتبُ كي أبقى في الذاكرة، بل كي لا تُمحى الذاكرة، ولا أجعلُ من حروفي سيوفاً على الناس، بل سيوفاً في وجه النسيان، ومن ملامحها مرآةً أرى فيها نفسي كما أنا، لا كما يريدني الآخرون.

عبد الرحيم جاموس
6/11/2026 م

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com