الفلسطينيون في عمق الخارطة السياسة الإسرائيلية الجديدة

د. هاني العقاد
أراد نتنياهو بغباء أو ذكاء مقصود او غير مقصود تفكيك المجتمع العربي في إسرائيل وتقسيمه الي كتل اجتماعية مهترئة صغيرة بلا هوية سياسية مستخدماً ادوات غير اخلاقية ولا علاقة لها بالحضارة وتقدم الأمم وتحضر الشعوب وعصر الذكاء الاصطناعي , هذه الأدوات هي أدوات لا يستخدمها سوي قوي الاحتلال ومن يستعمروا الشعوب كالعنصرية والتميز على اساس العرق والدين والجنس , التميز في الخدمات باعتبارهم مواطنين من الدرجة الخامسة فلا تهتم الدولة بحمايتهم وتنميتهم اجتماعياً بل تعمل أجهزتها العميقة على نشر الجريمة وعدم انفاذ القانون لعقاب من يرتكب جرائم القتل والسرقة والاتجار بالمخدرات بالتالي نشر الآفات الاجتماعية والمخدرات وتجارتها والتغاضي عن توزيعها بين صفوف الشبيبة ونشر السلاح وخفض ثمنه حتي يصبح القتل عادة يومية ما يخلق رعب مجتمعي خطير وفوضي قد تساهم في تفكيك هذا المجتمع ورحيل الكفاءات التي يأمل ان تحمي هذا المجتمع وتعمل على تطويره التكويني بما يثبت هويته ومواطنته داخل الدولة في ذات الوقت ,كل هذا كان بسياسة اسرائيلية واضحة المعالم لتفكيك المجتمع العربي ليبقي مجتمع مريض اجتماعيا يعاني من ازمات داخلية تحرمه من القدرة على اختياره لكفاءات قادرة على تمثيله السياسي داخل البرلمان الاسرائيلي وهو الكنيست . الأخطر أن نتنياهو ترك بن غفير يهدم القري والبيوت والمساجد في النقب وعاره وعرعرة والطيبة والعديد من المناطق بالداخل الفلسطيني ونقل بغباء العداء الي كل بيت عربي هادفاً لضرب منظومة التعايش بين الشعبين بسوط من حقد وكراهية ليفهم العرب انهم شعب لا يمكن أن يتساوون مع اليهود في وطن واحد تعتبره حكومة اليمين وطن لليهود فقط. لم يستسلم المجتمع العربي الفلسطيني في الداخل ولم ينشغل قادة هذا المجتمع بجمع المال والتجار بتاريخه ومعتقداته بل نهض ونفض غبار الانقسام والخوف وحاربوا التميز العنصري والجريمة التي أصبحت تهدد كل مركبات المجتمع العربي وسارعوا الى توحد وجمع قواه ولملمة كل ما بعثره الاحتلال ليكون هذا الشعب صاحب هوية سياسة ينتزع من خلالها مواطنته وبالتالي يصبح مجتمع مؤثر في القرار الاسرائيلي ليحمي ذاته ويواجه تلك المخططات التي تهدف لحرمانه من أن يكون له صوت قوي في برلمان دولة تدعي أنها متحضرة باعتبارهم جزء من هذه الدولة وهو مكون مجتمعي لا يمكن بأي شكل من الأشكال استئصاله أو تحيده فأثبت أنه قوي وموحد ليحمي وجوده على أرض أجداده فحقق انتصار هز اركان العنصرية وأعاد التطرف الي جحوره التي خرج منها وأرسل رسالة قوية لأصحاب نظرية التطهير العرقي ومن تبنوا سياسة الإبادة الجماعية في غزة والضفة ومن يحاربوا الإنسانية بأيدولوجيا صهيونية بحتة ليقولوا بصوت جمعي أننا هنا موجودين على هذه الارض ونستطيع أن نكون للأجيال جسراً من سلام نحقق الأمن والاستقرار ونقضي على الجريمة المصطنعة والفوضى المخططة بقوة ثميلنا السياسي الذي تحترمه كل الشرائح والالوان المحبة للسلام والداعية للتعايش الحقيقي لأبناء القوميتين من الديانات الثلاثة .
لم يكن الهدف إسقاط حكومة اليمين المتطرف فقط وانما إسقاط التميز العنصري كسياسة صهيونية داخل المجتمع العربي بالتواجد بقوة تحت قبة الكنيست ليمثل العرب اليوم ربع الكنيست ويحموا حقوقهم بأغلبيتهم التي تعتبر اليوم ثاني أكبر كتلة برلمانية في الكنيست الاسرائيلي ، هم الان في عمق الخارطة السياسية الجديدة سواء شاركوا في ائتلاف حكومي ام كانوا خارج اي ائتلاف , لكن الحقيقية التي يجب ان يعرفها الجميع اليوم ان معظم الكتل البرلمانية الإسرائيلية سواء كانت يمينة او وسط او يسار سيكونون في حاجة لأصواتهم لإنجاح برامجهم التي وعدوا ناخبيهم بها ،لذا فإنهم الصوت العربي في الكنيست الإسرائيلي اليوم هو الصوت المدلل بحسب رأي وسيحقق اصحابه ما يريدوا ويستطيعوا أن يحموا مجتمعهم العربي ويؤثروا في مجمل المشاريع التي تقدم للكنيست سواء مشاريع استراتيجية أو مشاريع خدماتية او مكونات ديموغرافية جديدة في المدن والبلدان العربية او ذات الأغلبية العربية أو حتي قرارات حول صناعة السلام وإعادة منظومة التعايش بين الشعبين للحياة من جديد .
إن ما نخشاه أمام هذا كله أن يكون هناك مواجهة بين الدولة العميقة في إسرائيل والصوت السياسي العربي وقوته باعتبار أن الدولة العميقة صاحبة الدولة ذات القومية الواحدة وبهذا نخشي أن تتخذ إجراءات ضد الصوت العربي وكأنه لم يكن أو أن تكون هناك مشاريع مستقبلية يتفق عليها ابناء الصهيونية لجعل العرب قومية بلا تمثيل في البرلمان لا يحق لهم الترشح أو الانتخاب تحت ذريعة أنهم غير يهود لكن اعتقد ان هذا كان ممكنا قبل هذا التاريخ وقبل ان يعرف العرب الفلسطينيين انهم مستهدفون من قبل التطرف الصهيوني في الدولة. إن كان هناك توجه في الدولة العبرية من هذا القبيل فاعتقد أنه لن يكون بين ليلة وضحاها لأن مثل هكذا قوانين تحتاج لأن تعلن دولة يهودية اولا وتشطب اسرائيل كدولة علمانية وهذا قد يتنافى مع الديانة اليهودية التي يؤمن بها كثير من يهود العالم كديانة وليس دولة، وثانيا قد لا تحصل على اعتراف دولي باعتبارها دولة دينية تتجاهل وتنكر القوميات الأخرى والديانات الأخرى على أراضها المزعومة سواء كانت ديانة الاسلام او المسيحية. إن ما حققه العرب خلال انتخابات الكنيست الدورة 26 قد لا يكون عابراً وانما مسار يؤسس لصحوة عربية جاءت بفعل التطرف والتميز العنصري الذي اعتبره بمثابة الدافع الحقيقي نحو هذه الصحوة والتوجه لتحقيق المساواة والعدالة في الحماية والمواطنة ,لذا فإن أي خارطة سياسية جديدة مهما حاول راسموها لن تنجح في تجاهل التمثيل العربي لأنه فرض وجوده القوي من خلال هويته السياسية علي البرلمان الاسرائيلي بقوة من أجل حقوقه المدنية والسياسية وهو في الطريق لتصحيح واقع أرادت حكومة نتنياهو بن غفير تغيره بالفوضى والجريمة والتميز العنصري وها نحن نري ان الجموع السياسية العربية في اسرائيل وحدت كلمتها وخطابها ورسالتها العربية المتجذرة في امتدادها القومي والتي تحمل في معانيها حقوق العرب الفلسطينيين اصل الأرض وتاريخ هذه الجغرافيا .
Dr hani _analysisi@yahoo.com



