شيء عن علاقتي بالشاعر الراحل محمّد حلمي الريشة

فراس حج محمد| فلسطين

تجسّد علاقتي الفكريّة والإنسانيّة بالشاعر الراحل د. محمّد حلمي الريشة نموذجاً للصداقة الأدبيّة، القائمة على أركان راسخة من الحوار الإبداعيّ، والنقد الرصين، والعمل التحريريّ، إلى جانب رفقة ميدانيّة حيّة شهدت حضور العديد من الندوات والأمسيات والتفاصيل اليوميّة في مدينتي نابلس ورام الله. وإليكم تفاصيل كلّ هذه الجوانب.

كان الدكتور محمّد حلمي الريشة قامة ثقافيّة متعدّدة الأبعاد؛ فقد كان الشاعر والكاتب والمترجم والمحرّر الثقافيّ وصانع المجلّات الأدبيّة والمصمّم الجرافيكي الذي يحبّ أصدقاءه ويغمرهم بودّ صادق، تاركاً أثراً عميقاً في النفس ليس من السهل أن يتبدّل أو يزول، ولم تكن علاقتي به علاقة زمالة أدبيّة عاديّة، وإنّما كانت حواراً متّصلاً بين تجربة شعريّة ونقديّة متمرّسة قادها، وتجربة نقديّة وشعريّة واصلتُ بنيانها، حيث تبادلنا القراءة والرأي والإهداءات والمخطوطات والكتب في مسيرة امتدت لسنوات زادت عن الاثنتي عشرة سنة منذ تعرفت إليه لأوّل مرّة وجاهيّاً عام 2014 في مركز التنوير في مدينة نابلس.

اضطلع الدكتور محمّد حلمي الريشة بريادة تحريريّة رفيعة المستوى، تجسّدت في رئاسته وإدارته لمجموعة من المجلّات الأدبيّة في فلسطين، وفي مقدّمتها مجلّة “مشارف مقدسيّة”، ومجلّة “القصيدة”، ومجلّة “ديوان الآن”، وكانت هذه المنابر الثقافيّة تُمثّل حاضنات للمشروع الشعريّ والنقديّ العربيّ، ومساحات التفّ وتآلف حولها المبدعون، فقد صدر من مشارف سبعة أعداد كنت حاضراً فيها، ناقداً أو شاعراً، وكذلك في العدد الوحيد من مجلّة القصيدة وأخيراً مجلّة “الديوان الآن” الذي تحدّى بها الظروف المادّيّة القاسية ومحدوديّة التمويل وسرقة المخصّصات فجعلها مجلّة إلكترونيّة وازنة جمع فيها عشرات الكتّاب من فلسطين والوطن العربيّ، إضافة إلى عمله في بيت الشعر الفلسطينيّ الذي لم يعد له وجود يُذكر إلّا وجوداً شكليّاً بعد أن تقاعد وكان رئيساً له.

لقد شهدت هذه المجلّات نشاطاً أدبيّاً ونقديّاً لافتاً مواكباً للشعريّة العربيّة- وكانت آخر المجلّات الأدبيّة صدوراً في فلسطين- وجدتُ في تلك المجلّات فضاءً يتيح لنصوصي ودراساتي النقديّة أن تشقّ طريقها إلى جمهور مثقّف ونخبويّ كان يعمل الريشة على صناعته وبنائه وتسويق أفكاره، وقد كان الريشة يتعامل مع ما أقدّمه بعناية المحرّر الفذّ الشغوف بالجمال، فيحرص على توفير المساحات اللائقة بتلك المشاركات الشعريّة والنقديّة، مقتنعاً بأنّ ما أقدّمه يمنح إضافة جادّة للمشهد الثقافيّ العربيّ، وأثمر هذا التعاون الممتدّ في المجلّات الثلاث عن تعميق الصلات الفكريّة بيننا، وترسيخ ثقة متبادلة جعلت منه راعياً ومتابعاً ومحاوراً لنتاجي الإبداعيّ والنقديّ، وأشركني معه في العمل على تحرير ديوان الشاعر الفلسطينيّ الراحل “أنطون شوملي”.

وعلى الجانب الآخر، فقد تجلّت محبّة الريشة وتقديره الكبير لما أقدّمه من طرح نقديّ وكتابة شعريّة في محطّات مفصليّة تمثّلت في التظهير والتقديم والشهادات النقديّة، فعندما أتممت مخطوطة كتابي النقديّ “بلاغة الصنعة الشعريّة”، اطّلع عليها الريشة، وكتب رأياً نقديّاً رصيناً ينضح بالاحتفاء والشعور الصادق، وقد جاء في نصّ رسالته وتقريظه لمخطوط الكتاب قوله: “أخي الشاعر والناقد فراس حج محمّد قرأت كتابك قراءة أولى؛ فيه فتوحات نقديّة جديدة عبرت عدّة عصور في تاريخ الشعر إلى الآنيّ، وأنا لن أتخلّى عن رأيي أنّنا نشهد حضوراً لناقد”.

إنّ هذه الشهادة الصادرة من قامة بحجم الريشة مثّلت إشادة رصينة ومهمّة ودالّة بولادة مسار نقديّ ينفذ إلى جوهر النصّ الشعريّ عبر أزمنة مختلفة، ولم يتوقّف احتفاؤه بنصوصي عند الكتاب النقديّ، بل امتدّ إلى تجربتي الشعريّة؛ إذ كتب كلمة على ظهر غلاف ديواني “وأنتِ وحدكِ أغنية” والإشراف على طباعته، مؤكّداً ثقته بالنبرة الشعريّة الخاصّة التي أقدّمها في تلك القصائد، وما زلت أفخر بهذا التظهير الذي أعتبره شهادة شعريّة يسوقها الشاعر الكبير لشاعر جديد بصوت مختلف، يدخل بهذا التوليفة الشعريّة إلى مجتمع ثقافيّ مكتظّ بالشعراء والأسماء الكبيرة، فكتب هذه الشهادة:

“بالأَواني الشعريّةِ الثَّلاث (العَموديّ، والتَّفعيليّ، والنَّثريّ)، يسكبُ الشَّاعرُ قصائدَهُ برُوحِ شعريّتهِ المتعدّدة؛ الهادئةِ النَّفْسِ، الوثَّابةِ التَّنفُّسِ، والقلقةِ الإِبداعِ، لدرجةٍ تحسُّ فِيها أَنَّكَ تقرأُ أَكثرَ من شاعرٍ في آنٍ. هكذَا تُبحِرُ وحدَكَ، وبالضَّرورةِ وحدَكَ، في قاربهِ الورقيِّ في بحرِهِ الحِبريِّ، على أَن تكونَ مستعدّاً، معَ أَنَّكَ لن تستطيعَ هذا الاستعدادَ، لتقلُّباتِ الأَحوالِ الموجيَّةِ الَّتي تجدُكَ في أَحضانِ دوائرِها؛ من ملامسةِ سطحِ الماءِ البهيِّ إِلى فجأَةِ عناقهِ الحميمِ والمؤلمِ معاً. هذا أَقلُّ ما تفعلُهُ بكَ قصائدُ الشَّاعرِ فراس حج محمّد جرَّاءَ فراستهِ الشعريّةِ وأَنتَ في لُجيِّ قصائدِهِ، فكيفَ تكونُ حالتُكَ وأَنتَ في حضرةِ الحبِّ؛ شاغلِ القلبِ الَّذي لا يُطيقُ غفراناً، ولا يطرقُ غياباً، بل يطرحُ غراماً، بقصائدهِ المغايرةِ الَّتي أَنشأَتِ الشَّاعرَ فيهِ قبلَ أَن يُنشِئها بشكلِها الماديِّ الَّذي بينَ عينَيْنا قبلَ كفَّينا. إِنَّ أَقلَّ وأَكثرَ، وأَقربَ وأبعدَ، وأَدنى وأَعلى، ما أَقولهُ في هذا الكتابِ الشعريّ: إِنَّهُ كتابُ حبٍّ آخرَ، لا يضافُ إِلى كتبِ الحبِّ الأُخرى فقطْ، بل سيجدُ مكانَهُ وحدَهُ بينَها؛ ليسَ شهوةً للاستراحةِ، بل ليظلَّ مشرئبَّ الشِّعرِ في أَبدِ الحبِّ”.

وفي مجال العمل الثقافيّ العامّ، فقد شهدت مدينتا نابلس ورام الله حراكاً أدبيّاً زاخراً جمعنا في العديد من الأنشطة واللقاءات والتواصل المباشر، عدا ما كان بيننا من زيارات متبادلة، حضرنا ندوات ومؤتمرات شعريّة ونقديّة عديدة، لا سيّما في الفضاءات الثقافيّة المحلّيّة، بل إنّ معرفتي بالريشة كانت على هامش إحدى تلك الندوات في عام 2014، إذ كان من بين الحضور في حفل إطلاق ديواني الأوّل “أميرة الوجد”، ثم ليكون من بين الحضور في ذلك الحفل البهيج الرهيب الأوّل لي في مدينة رام الله، حيث وقّعت ديواني “وأنت وحدك أغنية”، هذا الحفل الذي كان بمثابة تذكرة مرور مهمّة للدخول إلى المجتمع الثقافيّ الفلسطينيّ.

وكان من بين تلك الندوات لقاؤنا الشهريّ في مقرّ دار الفاروق للثقافة والنشر لصاحبها الراحل الناشر والكاتب محمّد عبد الله البيتاويّ، فقد فتح لنا البيتاويّ مقرّ الدار لتكون مسرحاً ضاجّاً بحياة الأدب والأدباء حيث الحوارات التي ضمّت نخبة كبيرة من الأدباء من القدس حتى حيفا، وكان حضور الكتّاب فيها يشكّل ركناً أساسيّاً من أركان الحراك الثقافيّ، وشهدت هذه الدار مناقشة العديد من الإصدارات، واستعادة رموز الأدب العربيّ والفلسطينيّ، واستذكار القامات الأدبيّة الراحلة والاحتفاء بالأحياء. وكانت لقاءاتنا في تلك الندوات تتّسم بحوار إنسانيّ دافئ، يمزج بين صرامة الطرح النقديّ وعمق المودّة الشخصيّة.

وقد استضافت الدار في واحدة من ندواتها الشاعر الريشة لمناقشة كتابه “كتاب الوجه”، وقد احتفى به كتّاب من نابلس وحيفا ورام الله، حيث كان الحاضرون يلمسون كيمياء فكريّة وإنسانيّة تجمع الشاعر المتمرّس والمترجم الشغوف بالنصّ ّوالناقد الشاخص نحو اللسان والبناء وتفكيك هذا الشغف، وأمّا الريشة فتحدّث في هذا اللقاء حول العنوان الفرعيّ لكتابه “هكذا تكلّم ريشهدشت”، وإحالته لكتاب نيتشه “هكذا تكلّم زارادشت”، وإنّه لم يكن أكثر من حنين لكتاب قرأه في مراهقته، واعتبر الريشة أنّ هذا الكتاب انحناءة في مسيرته الإبداعيّة والشعريّة، ولم يفت الريشة أنْ يتناول في الحديث جهوده في الترجمة وشعر الهايكو والتانكا، وخفايا الثقافة وعلاقته بالشعراء والكتّاب العرب والفلسطينيّين والصراع الثقافيّ غير المحمود النتائج في الحركة الثقافيّة. 

وهذه مضامين سبق أن أشار إليها في كتابه “قلب العقرب”، وخاصّة وصفه للعدد الخاصّ من كتاب في جريدة بأنّه “كتاب في جريمة”، هذا العدد الذي أشرف عليه الشاعر زكريّا محمّد عن الشعر الفلسطينيّ وتجاهل الريشة، عدا ذلك فإنّ زكريّا محمّد لم يعط الشاعر الريشة حقّه، وقد كان سكرتيراً لدرويش في مجلّة الكرمل، فتجاهله أيضاً ولم ينشر للريشة أيّ نصّ في أيّ عدد من أعدادها. هنا تصبح ملاحظة الريشة واعتراضه محلّ تقدير؛ لأنّه يدلّ على جرأة الشاعر في انتقاده لبعض أمراض الثقافة الفلسطينيّة التي لم تطاله وحده، وإنّما أخذت معه آخرين كان درويش يعمل على خنق أصواتهم ونفيهم من مجلّته، فسكرتير التحرير وحتّى رئيسه لا يحقّ لهما أن يحاكما الشعراء والتجارب الشعريّة بمزاجهما الشخصيّ الذاتيّ، وكنت قد أشرت إلى هذا الأمر في كتابة سابقة بعنوان: (الواقي الثقافيّ في خدمة الشاعر الرمز| قدس نت: https://qudsnet.com/post/496066).

لقد تصدّيت في ذلك المقال إلى ما كتبه زكريّا محمّد منحازاً إلى الريشة، صاحب المشروع الثقافيّ المتنوّع والأصيل والمبتكر، لا سيّما عمله المهمّ “الإشراقة المجنّحة: لحظة البيت الأوّل من القصيدة”، وشاركته به الشاعرة الفلسطينيّة آمال عوّاد رضوان، وقدّم لهذا العمل الشاعر والناقد والأكاديميّ اللبنانيّ الدكتور شربل داغر، إنّها التقاطة مهمّة، من الشاعر الذي أراد أن يسبر اللحظة الأولى لانبثاق القصيدة، وقد شاركه الحديث عن تلك اللحظة (130) شاعرة وشاعراً، وللقارئ الكريم أن يتخيل تلك القيمة التي يتمتع بها الريشة وهو يستنطق هذا العدد الكبير من الأسماء الوازنة في سماء القصيدة العربيّة من جغرافيات متعدّدة ومدارس شتى، ليشاركوه التفكير بلحظة الانهيال الغيبيّ الأولى للقصيدة في إشراقتها المجنّحة؟ وهل يضيره بعدها إن تجاهله الآخرون وغضّوا الطرف عنه؟

لقد انتبهت وأنا أكتب عن الريشة إلى كلّ هذه التفاصيل، إضافة إلى احتفائي النقديّ بما أنجزه من شعر وأدب، فقدّمتُ قراءات نقديّة تفصيليّة تناولت تجربة الريشة بالدرس والتحليل والاحتفاء الإبداعيّ، وأفردتُ له فصلاً كاملاً ومطوّلاً أتحدث فيه عن تجربته في كتابي المخطوط “في حضرة الشعراء”، حيث حلّلتُ مجموعة من أعماله الشعريّة، وتتبّعتُ أبعاد التجديد في قصيدته، وكيف استطاع أن يزاوج بين قلق الذات وأسئلة المكان واللغة.

علاوة على ذلك، أصدرتُ كتاباً نقديّاً مستقلّاً خصّصته لدراسة كتابه السيريّ والشعريّ “قلب العقرب- سيرة شعر”، وجاء بعنوان “ذلك المنتبه المختلف- قراءة في كتاب قلب العقرب للشاعر محمّد حلمي الريشة” الصادر عام 2014، وتتبّعتُ فيه مكامن الذكاء الشعريّ والانتباه الاستثنائيّ الذي تميّز به الريشة في تدوين سيرته الشعريّة، مفكّكاً رموز النصوص، ومتتبّعاً رحلته بين أشكال القصيدة المختلفة من التفعيلة والنثر وصولاً إلى التجريب المتأخر في الأشكال الشعريّة القصيرة.

إنّ قراءتي لكتاب “قلب العقرب” كانت محاولة لإبراز الصياغة المفاهيميّة التي تحكم سيرة الريشة الشعريّة؛ فهو صانع رؤية شعريّة متيقّظة للتفاصيل، ومن هنا جاء وصفي له بالكاتب “المنتبه المختلف”، وحرصتُ في تقييمي لتلك التجربة على موازنة دقيقة بين المحبّة الإنسانيّة وأدوات التحليل النقديّ الرصين، وحرصت على أن يكون الكتاب احتفاليّاً ووزّعته في الندوة الخاصّة التي عقدت في نابلس لمناقشة الكتاب وكنّا نجلس معاً على طاولة النقاش بصحبة الناقد الدكتور عادل الأسطة والناقد الأستاذ رائد الحواري.

يتمتّع الريشة بالفعل بذكاء عجيب، ولا أنسى هذه الحادثة؛ فعندما زرته بصحبة إحدى الشاعرات في مكتبه في بيت الشعر في رام الله، ليحاصرنا بأسئلته دون أن ننتبه ليكشف سرّ العلاقة التي تجمعنا، إلى درجة أنّها توجّست خيفة من لقائنا به، ونعتتني- وهي تهمّ بضربي، وعيونها تغرق بالدمع- بالغبيّ الذي لا أحسن التصرف والإجابة عن تلك الأسئلة اللئيمة التي جرجرني بها، لقد كان داهية ليلاحظ وجودها في كتاباتي، ويتتبّعني فيما أكتب من نصوص، لذلك ترك أثره في بعضها حيث لمّحت فيها لوجود هذا الصديق الذي يحصي عليّ أنفاسي في العشق والحبّ والكتابة.

وكذلك الريشة هو صاحب هذه المقولة: “لا يجتمع جمالان في امرأة”، وهو يقصد جمال الجسد وجمال الشعر، فقد استقرّ لديه أنّ المرأة الجميلة لا تكتب شعراً جيّداً، لقد قال هذه الجملة لصديقتي الشاعرة أيضاً في ذلك اليوم، ولعله عمّم في تلك اللحظة وحسب؛ من أجل أن ينتقد شعرها بطريقة مراوغة لا لتكون قانوناً نقديّاً عامّاً وقناعة لديه، فهل ستغضب منه أم تفرح، فقد أوقعها في حيرة وبلبلة لا تدري كيف تخرج منها، والغريب أنّها لم تنتقده في ذلك، بل وثّقت علاقتها به بعد ذلك، وصبّت جام غضبها عليّ؛ لأنّني فضحت حبّها لي.

كان الشاعر الدكتور محمّد حلمي الريشة حريصاً في علاقته معي على إهدائي نسخاً من كتبه ودواوينه وترجماته- وحين كانت تتعذّر النسخ الورقيّة، لم يكن يتردّد في إرسال النسخ الإلكترونيّة فور صدورها، لأبقى على تماس مباشر ومستمر مع آخر ما تنتجه قريحته الشعريّة، وكان يوقّع تلك النسخ بخطه الجميل الذي يعكس الحسّ الجماليّ للشاعر الفنان تاركاً على الصفحة الأولى للكتاب كلمات المودّة والتقدير الدافئة، وكثيراً ما كان يلفتني جمال ذلك الخطّ وهو يضع على طريقته الخاصّة القلم السائل بين أصابع يده اليمنى الثلاثة، ليخطّ تلك الإهداءات وهو منتشٍ يبتسم ابتسامته الهادئة، كأنّه لم يكن يكتب جملة مكثّفة فقط، بل كان يُودِع في الإهداء شيئاً من جمال روحه وحبّه لأصدقائه، لقد كانت تلك الإهداءات تشعرني بنوع خاصّ من العلاقة بيني وبين الشاعر، هذه الإهداءات التي كبُرتْ نقديّاً عندي ليكون لها مكان في كتابي عن القراءة “خارج المتون… داخل العقل”.

ولم تتوقّف جماليّة الريشة في علاقته مع الكلمات بالاعتناء بها خطّاً جميلاً واضحاً في إهداءات كتبه، بل كثيراً ما ألاحظ اعتناءه بالنصوص المطبوعة، لقد كان- رحمه الله- يحبّ أن يعتني بتلك النصوص على هدأة بال، وطول نفَس، اعتناء يقول إنّه يهيئ الروح لتلاقي معشوقها الأبديّ، إنّ عشقه للكلمات يتجاوز كتابتها إلى خلقها أوّلاً، ينشئها النشأة الأولى، ثم يُجيل فيها نظره، فليبسها من لباس الأناقة ما يوحي بمهابتها وهو يعطي كلّ حرف تشكيله الصرفيّ والنحويّ، ليغدو نصّه شبيهاً من ناحية شكليّة بالنصّ القرآني ذي الحلية الشكليّة، فيبدو النصّ مختلفاً زاهياً مزهوّاً بنفسه، إنّها علاقته مع الكلمات التي هي طعام الشاعر وكأس شرابه، ولذّته الحسّيّة التي لا يمكن له أن يستغني عنها، إنّ للشاعر علاقة حبّ فوق الطبيعيّة مع اللُّغة، فقد كانت لديه قدرة على أنْ يشكّلها بين يديه ليخلق من رحمها مفرداته ويبني منها معجمه الخاصّ، ولعلّ هذا هو أهمّ ما يميز الشاعر الحقيقي؛ علاقته بالمفردات- كما يقول الشاعر مالارميه- لا علاقته بالمعاني، فمن تلك القدرة العجيبة على خلق الكائنات اللُّغويّة الجديدة تولد آفاق من الصور الشعريّة اللافتة التي تجعل المعاني في قوالب جماليّة جديدة ومبتكرة، وهذا بالضبط لبّ لباب العمليّة الشعريّة.

وتجسّد البُعد الأكثر عمقاً وتأثيراً فيّ شخصيّاً، ونبّهني من غفلتي هو مصير مكتبتي الخاصّة التي تجاوز ما فيها من كتب عشرة آلاف كتاب، جاءني هذا السؤال عندما قرّر الريشة الاستغناء عن جزء كبير من مكتبته الشخصيّة والتخفّف منها، في تلك اللحظة الفارقة التي تتجه فيها عشرات الكتب والمجلّات والدواوين من مكتبته لتستقرّ في مكتبتي ولد هذا السؤال الحارق: “لمن أجمع كلّ تلك الرفوف وأولادي لا يهتمّون بها، ولا يوجد مكتبة عامّة في قريتنا؟”، لقد كان الريشة شجاعاً شجاعة نادرة وهو يتبرّع بهذه الكتب لأصدقائه، ولكن لماذا يتخّلى شاعر مثقّف عن مكتبته؟ هل أتخمت ذاكرته بما يكفي، فلم يعد يستطع أن يقرأ شيئاً جديداً؟  وهل بالفعل سيأتي على المثقّف وقت لا يرى نفعاً في الكتب، لأن العلم عندئذ أصبح في الراس لا في الكرّاس، كما يقول المثل، بمعنى أنّ الكتب وقراءتها لم تعد ذات فائدة بعد هذا التعايش الطويل معها، وخاصّة بعد أن أصبح هو نفسه منتجاً للمعرفة؟ وهل العلاقة مع الكتب علاقة براغماتيّة إلى هذا الحدّ؟ إنّها على أيّة حال نظرة واقعيّة جدّاً لا تشير في حالة الريشة والحالات المشابهة له إلى الزهد بالمعرفة، بل إلى أنّ الذات تبحث عن المعرفة بوسائل أخرى أكثر تقدّماً واختلافاً عن الآخرين.

وبعيداً عن كلّ تلك الأسئلة غير القاطعة في إجاباتها، أخذت أتأمّل هذا الفعل من زاوية أخرى، فقد شكّل هذا الانتقال فرصة استثنائيّة لأغوص في التكوين المعرفيّ والثقافيّ للشاعر الريشة؛ إذ أتيح لي الاطلاع المباشر على خريطة علاقاته وصداقاته العربيّة والفلسطينيّة من خلال الإهداءات المكتوبة بخطّ كبار الشعراء والكتّاب العرب الذين أهدوا كتبهم إليه على مدى عقود، كما عاينتُ طبيعة القراءات التي كان ينجذب إليها الريشة، وشغفه بالترجمات الحديثة، والمجلّات الأدبيّة العربيّة التي كان يواظب على متابعتها أو ينشر فيها إبداعاته، وتجلّت القيمة الكبرى في تلك الهوامش والملاحظات والانطباعات النقديّة التي كان يخطّها بحبر قلمه على حواشي الكتب وصفحاتها، كاشفاً عن كيفية تفكيره وطريقة بنائه للّغة وكيف يحاور المؤلفين ويؤطّر مقولاتهم ويبرزها، إنّ مكتبة الكاتب مرآة روحه وتكوينه المعرفيّ، تصدق من وحيها هذه العبارة: “قل لي ماذا تقرأ أقل لك من أنت”.

لم ينفصل الحسّ الجمالي لدى الريشة عن نتاجه الأدبيّ؛ فقد كان مصمّماً بارعاً للكتب والأغلفة، يمتلك رؤية جرافيكيّة جماليّة واضحة تجعل من غلاف الكتاب لوحة بصريّة تشكيليّة تتناغم مع روح الكتاب وأفكاره، لكنّها تعكس روح المصمّم الداخليّة أيضاً، وتجلّت هذه الشراكة الفنّيّة بيننا حين عمل بيده على إخراج وتصميم ونشر كتابي النقديّ “ملامح من السرد المعاصر- قراءات في متنوّع السرد”، فجاء الكتاب مشغولاً ببراعة، حتّى أنّه لم يغفل عن أن يثبت تنوين النصب حيث وجد، وأخذ على عاتقه فعل ذلك، لأنّه لم يرد أن يقع الالتباس لدى القارئ بين ألف تنوين النصب وألف الاثنين أو الاثنتين. كانت ملاحظة عالية الدقّة، لم أكن أنتبه لها لولاه، فكما علّمتني الكاتبة اللبنانيّة الصديقة مادونا عسكر في سنيّ كتابتي الأولى أن أهتمّ جدّاَ- دون تسامحٍ- بوضع الشدّة على الحرف المضعّف، علّمني الريشة الانتباه والاهتمام بإثبات تنوين النصب والصبر والجلد على مراجعة النصّ قبل نشره، وبذلك يكون الريشة قد أضفى على هذا الكتاب لمسته الفنّيّة المعهودة، محوّلاً العمل النقديّ إلى منتج بصريّ متكامل يتجسّد فيه التآلف بين النصّ والرمز الخارجي، وأظهر هذا التشارك الجانب الإنسانيّ المعطاء في شخصيّته، فلم يبخل يوماً بجهده الفنّيّ والإخراجيّ لخدمة كتب أصدقائه وإبرازها بأبهى حلّة جماليّة، فالكتاب ليس أفكاراً وحسب في أعراف الريشة لصنعة الكتابة، وهذه الفكرة الجماليّة هي التي جعلته مبدعاً في العمل على المجلّات الأدبيّة التي كان يحرّرها وينسّق موادها، ويوزّعها على الصفحات الداخليّة، ليتكامل العمل شكلاً ومضموناً.

وفي السنوات الأخيرة من حياته، فضّل الدكتور محمّد حلمي الريشة- أبو باسل- الانكفاء على الذات واختيار العزلة في محرابه الخاصّ في بيته في نابلس، مبتعداً عن الضجيج الثقافيّ، باذلاً كلّ وقته لعائلته واستكمال مشروعه الثقافيّ، فتحوّل التواصل بيننا إلى الفضاء الافتراضيّ، عبر رسائل البريد الإلكترونيّ التي لم تنقطع بيننا، فكنت أواظب على أن أرسل إليه كلّ ما أكتبه من مقالات نقديّة ونصوص شعريّة، وإصدارات جديدة، وفي الرسالة الإلكترونية الأخيرة التي أرسلها إليّ بتاريخ 7/7/2026، أرفق بها نسخة إلكترونيّة من أحد كتبه الصادرة حديثاً “أقمار افتراضية في ليل يطول”، يقول في رسالته: “الشاعر والناقد فراس حجّ محمّد: تحيّات طيّبات/ أرفق هنا مجموعتي الشعريّة الأخيرة وبالنمط الشعريّ الجديد الذي يجمع بين الهايكو والتانكا، ولي أمل بأن يخطّ قلمك قراءة نقديّة. مع غزير شكري سلفاً”. للأسف لم أكتب في الكتاب شيئاً، فدوّامة الحياة اليوميّة، وكثرة الالتزامات الوظيفيّة ومشاريع الكتابة الضاغطة على أعصابي، وزحمة الأعمال والاهتمامات المتراكمة حالت دون أن أنجز تلك الدراسة، ولعلّني أعود إلى كتابه هذا، بل والعودة إلى كتبه الأخرى لأنجز حولها كتاباً يليق بمحبته وأثره الثقافيّ الباقي فينا وفي وعي الأجيال القادمة.

رحل الصديق الإنسان الدكتور محمّد حلمي الريشة في الخامس من تشرين الثاني من هذا العام قبل أربعة أيام من ذكرى مولده في التاسع من الشهر نفسه عن عمر اثنين وسبعين عاماً، رحل المبدع الذي كتب عنه النقّاد كثيراً، وتناولوا دواوينه في مقالاتهم وأبحاثهم، وأجرى معه الصحفيّون حوارات متعدّدة. رحل الصديق الذي أحبّ أصدقاءه، وجمع في كينونته صفات الشاعر المجدّد الأنيق، والكاتب الرصين، والمترجم الشغوف الذي نقل للغة العربيّة أنماطاً شعريّة عالميّة، والمحرّر الثقافيّ الدقيق، والمصمّم الجرافيكي المُجيد. رحل لتبقى العلاقة بيننا- نحن الباقين خلفه ننتظر الساعة- وبينه علامة فارقة في المحبّة؛ علاقة تجاوزت الرسميّات الدارجة لتعيش في جوهر الفكر والشعر وذاكرة الكتب الخالدة، مخلّدة اسم “المنتبه المختلف” في الوجدان وفي أروقة المكتبات، وفي فيض المحبّة الصادقة التي فاض بها صحبه ومحبوه في منشورات النعيّ على مواقع التواصل الاجتماعيّ أفراداً ومؤسّسات، من فلسطين ومن العالم العربيّ، نعوات تؤكّد ما كان يتمتع به الشاعر الكبير من محبة وحضور في الوسط الثقافيّ العربيّ.

رحمك الله يا أبا باسل، ولتكن ذكراك خالدة، ما بقيت الحياة، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com