الضيف وعبدول السيد.. مفاعيل سياسية غيرت وجه العالم ونهاية عصر الهيمنة الغربية

بقلم / د. غسان مصطفى الشامي
أبو خالد الضيف، المجاهد العربي الفلسطيني المسلم الذي رسم ملامح مرحلة جديدة في قتال العدو الصهيوني، بدأ من الحجر والمقلاع والخنجر والسكين، إلى الصاروخ والطائرات المسيرة، إلى تشكيل نواة جيش دفاعي فلسطيني منظم شكل صدمة كبيرة لجيش الاحتلال الإسرائيلي خلال السنوات الأخيرة، هذا الجيش الاحتلالي الذي يصنف رابع جيش في العالم في القوة القتالية.
الضيف نموذج للقائد المجاهد الذي حطت قدماه على أرض فلسطين المباركة، وبدأ من الصغر يعد العدة والعتاد ليكون حجرا في مشروع تحرير أرض فلسطين المباركة. وقد سبق الضيف الكثير من المجاهدين والأسماء الكبيرة التي نقشت اسمها على جدار مشروع تحرير أرض فلسطين المباركة، بدءا من المجاهد الحاج أمين الحسيني، والمجاهد الشيخ عز الدين القسام، ثم المجاهدين المعاصرين الرئيس أبو عمار والشيخ أحمد ياسين والقائد عبد العزيز الرنتيسي والقائد إبراهيم المقادمة، والقائد أحمد الجعبري، ثم القائد أبو العبد هنية والشيخ صالح العاروري، وغيرهم من الأسماء الكبار.
لكن ما ميز الضيف أنه لم يكن امتدادا لمرحلة فقط، بل كان مؤسسا لمرحلة جديدة كليا، حيث نقل المقاومة من منطق رد الفعل إلى منطق الفعل والمبادرة، ومن منطق الدفاع عن النفس داخل حدود ضيقة إلى منطق الهجوم الاستراتيجي الذي يفرض معادلاته على العدو وعلى الإقليم وعلى العالم كله.
جاءت معركة غزة الأخيرة لتكون لحظة الانفجار الكبرى، لم تكن عملية عسكرية عابرة، بل كانت زلزالا سياسيا هز أركان النظام الدولي، لقد أسقطت المقاومة الفلسطينية أسطورة الجيش الذي لا يقهر، وكشفت هشاشة المنظومة الأمنية الإسرائيلية رغم كل ما تملكه من تكنولوجيا ودعم أمريكي وغربي لا محدود، والأهم من ذلك أنها أسقطت فرضية أن القضية الفلسطينية يمكن تصفيتها بالصفقات والتطبيع والحصار والتجويع.
في اليوم الذي عبر فيه المقاومون السياج الشرقي يوم العبور المجيد ، عادت فلسطين إلى صدارة الوعي العالمي بعد أن أرادوا لها أن تتحول إلى ملف هامشي، عاد الشارع العالمي، من جامعات أمريكا إلى شوارع لندن وباريس ومدريد وكيب تاون، ليهتف لفلسطين والقضية الفلسطينية، وعادت الشعوب لتسأل: من هو المحتل ومن هو الضحية؟ وسقطت رواية الاحتلال التي هيمنت لعقود على الإعلام الغربي.
على المستوى السياسي، غير الطوفان موازين القوى في المنطقة، لقد أثبت أن إرادة الشعوب أقوى من كل التحالفات العسكرية، وأن المقاومة حين تملك العقيدة والتنظيم والصبر، تستطيع أن تفرض نفسها كرقم صعب لا يمكن تجاوزه في أي تسوية قادمة، كما كشف ازدواجية المعايير الغربية، وأسقط ورقة التوت عن المؤسسات الدولية التي عجزت عن حماية المدنيين، مما فتح الباب واسعا أمام نقاش عالمي حول ضرورة إصلاح النظام الدولي.
لم يكن محمد الضيف مجرد قائد عسكري، ولم يكن السياسي المسلم الأمريكي عبدول السيد مجرد اسم عابر في معادلات السياسة الدولية، كلاهما، من موقعين مختلفين، كانا تعبيرا عن تحول عميق في بنية العالم الحديث، وعن نهاية مرحلة الهيمنة المطلقة، وبداية مرحلة تعدد الأقطاب وعودة الإرادة الشعبية إلى مركز الفعل السياسي.
وهنا يتقاطع دور الضيف مع المفاعيل التي أحدثها صعود النائب الديمقراطي عبدول السيد في المشهد السياسي العالمي، خاصة أن فوز عبدول السيد لم يكن مجرد فوز انتخابي أو صعود شخصية سياسية، بل كان تعبيرا عن تحول في مزاج الشعوب، وعن رفضها للهيمنة الليبرالية المتوحشة، وللسياسات التي تجاهلت الفقراء والمهمشين، وللتحالف غير المشروط مع الاحتلال.
إن المسلم فوز عبدول السيد حمل رسائل سياسية عميقة: أن الجيل الجديد في أمريكا لا يقبل رواية الأمس، وأن العدالة لفلسطين أصبحت معيارا أخلاقيا للحكم على السياسيين في الغرب نفسه، و لقد تحولت فلسطين من قضية عربية إسلامية إلى قضية إنسانية عالمية، وأصبح دعم المقاومة أو على الأقل رفض الإبادة، شرطا للشرعية الشعبية في كثير من دول العالم.
قائد الأركان الضيف من غزة، وعبدول السيد من قلب العواصم الغربية، يلتقيان في نقطة واحدة: نهاية عصر الهيمنة المطلقة للرواية الصهيونية، وبداية عصر المساءلة والمحاسبة، الأول غير موازين القوة على الأرض بالبندقية والصاروخ، والثاني غير موازين القوة في صناديق الاقتراع والرأي العام والإعلام.
لقد أدرك العالم بعد الطوفان وبعد صعود أصوات مثل عبدول السيد، أن الأمن لا يصنع بالقوة وحدها، وأن الاستقرار لا يتحقق بالقهر والحصار، بل بالعدالة وعودة الحقوق إلى أهلها. وأدركت الحكومات الغربية أن دعم الاحتلال بلا حدود أصبح كلفته السياسية باهظة، وأن شعوبها لم تعد تقبل أن تكون شريكة في الإبادة.
إن ما فعله الضيف لم يكن تحريرا كاملا لفلسطين، لكنه كان تحريرا للوعي العالمي من أسر الدعاية، وما فعله عبدول السيد لم يكن نهاية للاستعمار، لكنه كان بداية لتحول في بنية الحكم في الغرب، نحو مزيد من العدالة والإنصاف.
من غزة إلى نيويورك، من رفح إلى عواصم أوروبا، تتشكل اليوم ملامح عالم جديد. عالم لا تقوده فقط الدول الكبرى وجيوشها، بل تقوده أيضا إرادة المقاومين وصوت الشعوب الحرة.
وسيذكر التاريخ أن رجلا اسمه محمد الضيف، خرج من مخيمات اللجوء، استطاع أن يغير وجه المنطقة، وأن صعود أصوات جديدة مثل عبدول السيد أكمل الدائرة، ليثبت أن فلسطين لم تعد قضية محلية، بل أصبحت بوابة العالم نحو الحرية والكرامة.
هذا هو الدرس الأكبر: عندما تلتقي البندقية الصادقة التي تحمل مشروع التحرير مع الوعي السياسي الحر، تتغير موازين العالم، وتبدأ مرحلة جديدة لا يمكن العودة عنها.
إلى الملتقى
—



