زكريا الأغا .. مسيرة عطاء خالدة.. الكاتب والباحث/ ناهــض زقــوت

تشرفت بدعوة كريمة من الأخ والصديق العزيز اللواء ركن عرابي كلوب بالمشاركة في تسجيل الذاكرة عن القائد الوطني الكبير الدكتور زكريا الأغا، وذلك ضمن كتابه المعنون (ذكيات وشهادات في السيرة النضالية) والذي سجل فيه شهادات عدداً من الشخصيات التي كانت قريبة من الدكتور زكريا الأغا. وتحت رعاية سفارة دولة فلسطين مع مؤسسة ياسر عرفات في القاهرة نظم حفل اطلاق الكتاب.

***
إن المتأمل في شخصية الدكتور زكريا الأغا (أبو عمار) ينتابه شعور بالحيرة عند اطلاعه على مدى توسع الصورة الجامعة لمسيرته النضالية والسياسية والوطنية والاجتماعية. شخصية جمعت العديد من خيوط المشهد السياسي الفلسطيني طول سنوات، وفقد كان عضواً في اللجنة المركزية لحركة فتح، وعضواً في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وترأس دائرة شؤون اللاجئين في منظمة التحرير الفلسطينية لسنوات طويلة، ومفوضاً عاماً للتعبئة والتنظيم لحركة فتح في قطاع غزة. ورئيس اللجنة الوطنية الاسلامية العليا في قطاع غزة، ورئيس هيئة العمل الوطني. كما شغل منصب وزير الإسكان في أول حكومة فلسطينية وطنية، ورئيساً لمجلس أمناء جامعة الأزهر في غزة. بالإضافة إلى مشاركته في تأسيس جمعيات ومجالس طبية، مثل الجمعية الطبية العربية بقطاع غزة، وجمعية بنك الدم، ومؤسسة الهلال الأحمر الفلسطيني.
يعد الدكتور زكريا الأغا من قيادات منظمة التحرير التي وضعت السياسات العامة والتوجهات السياسية في مواجهة الاحتلال، والتعامل مع القضايا الوطنية الكبرى بما في ذلك ملف اللاجئين والعلاقات الدولية، وشارك كعضو في فريق التفاوض الفلسطيني في مؤتمر مدريد للمفاوضات، وكذلك في جولات لاحقة مع الولايات المتحدة ضمن اتفاقيات أوسلو ومفاوضات أخرى متعلقة بالشأن الفلسطيني وخاصة قضية اللاجئين، ومثل الجانب الفلسطيني في العديد من المناسبات الدبلوماسية ورفع صوته في المحافل الدولية بشأن الحقوق الفلسطينية، مثل دعوته لوقوف القادة العرب والدوليين مع الفلسطينيين في المواقف الحساسة.
عُرف أبو عمار بمواقفه الوحدوية والتوافقية داخل الساحة الفلسطينية، ساعياً إلى التقريب بين الفصائل في كثير من المحطات، فقد كان حريصاً عند أي أزمة أن يدعو قيادات الفصائل لتتخذ الموقف الوطني الصحيح.
رفض د. زكريا مغادرة قطاع غزة والعمل من الضفة الغربية بعد الانقلاب الأسود الذي قامت به حماس في قطاع غزة، وآثر أن يبقى بين أهله وأبناء شعبه، وتحمل الاعتقال والإهانة من أمن حركة حماس وأودع السجن، ودفع ثمن صموده وتحديه للانقسام ومواقف حماس. كما دفعه سابقاً لدى الاحتلال الاسرائيلي حيث تعرض للاعتقال والحبس الإداري خلال انتفاضة الأولى بتهمة دعم المقاومة الفلسطينية.
إن الكتابة عن شخصية الدكتور زكريا الأغا ومسيرته تحتاج إلى عشرات الصفحات، وقد لا نفي حقه، فقد كان الصوت الحي المدافع عن غزة وأهلها في مواجهة جميع التحديات سواء على المستوى الشعبي أو الرسمي. فهو من القادة القلائل الذين جمعوا بإخلاص بين العمل التنظيمي داخل حركة فتح، والعمل التنفيذي داخل مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية، والعمل القيادي في منظمة التحرير الفلسطينية، إلى جانب تمثيل القضية الفلسطينية في المفاوضات الدولية. وظل صوته حاضراً في الدفاع عن الحقوق الفلسطينية طوال حياته السياسية.
تعرفت على الدكتور زكريا في خضم عملي السياسي والاداري في مركز عبد الله الحوراني للدراسات والتوثيق، فقد كان المركز جزءاً مركزياً في منظمة التحرير، وكان ثمة لقاءات ومشاورات مع الدكتور زكريا حول العديد من قضايا العمل المشترك خاصة في ظل الانقسام السياسي، ورغم حرصه على الوحدة الوطنية، إلا أنه لم يتنازل عن ثوابت العمل السياسي والوطني الفلسطيني، فقد كان حاسماً في التصدي لمواقف حركة حماس الانقسامية.
وقد تعاونت معه بشكل كبير من خلال عضويتي في اللجنة الشعبية للاجئين في مخيم النصيرات، مسؤول الدائرة السياسية، حيث شهدت اجتماعات عديدة في مكتبه، ولمست عن قرب حرصه الشديد في الدفاع عن قضية اللاجئين وحقوقهم السياسية والقانونية، واستمعت للعديد من خطاباته التي يدعو فيها إلى تنفيذ قرار حق العودة رقم 194 الصادر عن الأمم المتحدة، لقد كان الدكتور زكريا من أكثر الشخصيات المدافعة عن حقوق اللاجئين، وليس كما كان يشاع عنه في أوساط الحاقدين، بأنه مواطن وليس لاجئاً، فليس من حقه الحديث عن اللاجئين. فقد كان لاجئاً أكثر من اللاجئين أنفسهم.
لقد عبرت مواقف د. زكريا في قضية اللاجئين عن صدق الانتماء الوطني الأصيل، والالتزام بالمسؤولية العالية تجاه قضايا وثوابت شعبه وأمته، فقد كان يؤكد دائماً على أن قضية اللاجئين تشكل جوهر القضية الفلسطينية، وأن المطالبة بحق العودة والتعويض، لا يطلبون صدقة من أحد، ولا يخترعون بدعة أو يطلبون تنازلاً من أحد، وإنما هذا قرار اتخذته الأمم المتحدة ولا تزال تتمسك به ويتم تأكيده دورياً، وبناء على هذه القرار نرفض أي تنازل في موضوع اللاجئين، فحق العودة ثابت فلسطيني مقدس، ويمثل ضرورة حيوية لا يمكن أن يتم التغاضي عنها أو تجاهلها ولا يمكن إسقاط هذا الحق. ويؤكد على موقف منظمة التحرير الذي يرفض وبشدة توطين اللاجئين في أي قطر عربي أو أجنبي. إن بوصلة اللاجئين الفلسطينيين تتجه فقط نحو العودة إلى فلسطين وإلى أراضيهم وديارهم التي شردوا منها عام 1948 طبقاً لما ورد في القرار 194.
ورغم موقفه المؤيد لاتفاق أوسلو إلا أنه كان دائم الانتقاد لعملية السلام، فقد كان يرى: أن عملية السلام لم تقدم أي تحسن ملحوظ على ظروف حياة الفلسطينيين في الأرض المحتلة، وترفض تطبيق قرارات مجلس الأمن الدولي 242،338، و194، وبالتالي فإن المعاناة مستمرة وتشتد القيود المفرطة والاجرامية علي شعبنا الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس، وهذا أدى إلى تدهور شديد في الوضع الاقتصادي والحياتي والأمني للسكان، وبل محاولة إعدام قدرة السلطة الفلسطينية على تقديم خدماتها ومهمتها لشعبنا، وتتمدد المستوطنات الإسرائيلية بوتيرة لا سابق لها، ويتم اليوم تقطيع أوصال الضفة إلى أجزاء ومدن معزولة عن بعضها البعض، وتنكيل وقتل وتشريد للسكان وتدهور مظاهر الحياة، ناهيك عن الحواجز العسكرية التي تنتهك حرية الناس وتنقلهم وكرامتهم وقتلهم بدم بارد.
وعندما تم الاعتداء على مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في ظل الأزمة السورية، حرص على أن يكون بين اللاجئين هناك، فقام على رأس وفد من السلطة الفلسطينية بزيارة المخيمات والاطلاع على أوضاع اللاجئين واحتياجاتهم، وعبر عن موقفه في قضية اللاجئين الفلسطينيين النازحين في سوريا، متحدثاً عن أهمية منع عسكرة المخيمات، وأهمية إدخال المواد الإغاثة، وقيام الأونروا بواجباتها، ورفض تقلص الدعم المقدم لها دولياً، ومؤكداً على الطبيعة المؤقتة للوجود الفلسطيني في سوريا كضيوف لحين عودتهم إلى ديارهم. وطالب بالإسراع في استكمال عملية إعادة اعمار مخيم نهر البارد في شمال لبنان، لعودة اللاجئين المشتتين بدون مأوى، ويعيشون في ظروف غير إنسانية.
عديدة هي المواقف التي وقف فيها أبو عمار صلباً عنيداً، خاصة فيما يمس حقوق اللاجئين، وحقوق أبناء غزة بعد الانقلاب، وكثيراً ما انتقد مواقف السلطة الفلسطينية في جورها على حقوق الموظفين في غزة، وقد دفع ثمن مواقفه الوطنية بإزاحته عن دائرة شؤون اللاجئين.
لقد شكل د. زكريا الأغا نموذجاً للمناضل الصلب والقيادي الحكيم الذي لم يتردد يوماً في الدفاع عن حقوق شعبه، وخاصة قضية اللاجئين، التي حملها في قلبه وفي عمله، وسعى من موقعه في منظمة التحرير إلى تثبيت حقوقهم التاريخية والسياسية والقانونية.

المدير العام الأسبق لمركز عبد الله الحوراني للدراسات والتوثيق التابع ل م.ت.ف

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com