السلطة الفلسطينية: حين يتقدّم وهم الدولة ويتآكل معنى المواطنة.. بين مشروع بناء الدولة وأزمة الإنسان الفلسطيني:

أنا الغيور بلا رتب ولا نياشين، النازح من بيتٍ مهدّم، السعيد ببدايات الإنجاز والحزين لانكسار المسار… أكتب من داخل السؤال لا من خارجه: ماذا تبقّى من فكرة الدولة حين يتراجع معنى المواطنة؟
منذ أن نشأت السلطة الفلسطينية عقب اتفاق أوسلو، وبدأت ممارسة مهامها في قطاع غزة وأريحا، ثم امتدّت إلى مناطق الضفة الغربية، انقسم المجتمع الفلسطيني في قراءته لهذه التجربة إلى ثلاث اتجاهات رئيسية. ففريقٌ رأى فيها خطوة نحو الحرية المدنية والتخفف من قيود الإدارة المدنية السابقة، وفريقٌ آخر اعتبرها امتدادًا وظيفيًا لذلك الواقع واعترض على وجودها، بينما التزم فريقٌ ثالث الصمت، مترقبًا مآلات المشهد السياسي، ومنتظرًا اتضاح موازين القوى.
وفي هذا السياق، تشكّلت السلطة الفلسطينية كنواة لكيان دولة ناشئة؛ إذ استبدلت البنية الإدارية السابقة بمجلس وزراء فلسطيني، في تجسيد لأحد ملامح الدولة الحديثة. كما أصدرت جواز السفر الفلسطيني، وأنشأت المنهاج الدراسي الفلسطيني بدلًا من المناهج السابقة، في خطوة عكست مسار بناء الهوية الوطنية. ومضت أبعد من ذلك بمحاولة ترسيخ معالم السيادة عبر مشاريع ومؤسسات هدفت إلى تعزيز الحضور السياسي والدبلوماسي الفلسطيني خارجيًا.
غير أنّ هذه الإنجازات، رغم رمزيتها وأهميتها، لم تكن كافية لصناعة دولة مكتملة الأركان أو مجتمع متماسك. فجوهر الدولة لا يُقاس فقط ببناء المؤسسات، بل بقدرة هذه المؤسسات على إنتاج إنسان مستقر، قادر على العيش بكرامة داخل منظومة عادلة.
هذا الإنسان، الذي كان يُفترض أن يكون محور المشروع الوطني، عاش واقعًا مغايرًا؛ إذ تآكلت طبقته الوسطى، وازدادت هشاشة بنيته الاجتماعية والاقتصادية، وتراكمت الأزمات التي انعكست على التعليم والصحة والاقتصاد، حتى تحوّل الدخل من حق مستقر إلى حالة انتظار غير مضمونة.
ومع هذا التآكل، تصاعد الخطاب السياسي الداخلي، وصولًا إلى لحظة الانفجار في أحداث عام 2007، التي كشفت الانقسام الفلسطيني بصورة حادة. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد الخلاف سياسيًا فقط، بل لغويًا أيضًا؛ إذ تعددت المصطلحات بين “انقسام” و“حسم” و“انقلاب”، ثم ظهرت لاحقًا مفردة “المصالحة” في سياق متكرر لم يكتمل.
واستخدمت الأطراف السياسية هذه المفاهيم وفق اللحظة السياسية، لا وفق تعريف ثابت للحقيقة، ما أدى إلى إرباك وعي المواطن، وتحويله من فاعل في الشأن العام إلى متلقٍ لخطابات متناقضة. ومع الوقت، وجد المواطن نفسه خارج المعادلة: مثقلًا بالخسائر، ومحرومًا من المكاسب، ومنتظرًا حلولًا لا تكتمل.
ومع استمرار هذا الواقع، تآكلت فكرة المواطنة تدريجيًا، وضعف الانتماء، وفقدت العلاقة بين المواطن والمؤسسة معناها التعاقدي، لتتحول الأزمة من سياسية إلى أزمة ثقة تمس جوهر المجتمع.
وفي الفضاء العام، خصوصًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يتكشف حجم اليأس المتراكم في قطاع غزة: فقرٌ متصاعد، بطالة، تراجع في التعليم، أزمات سيولة، واحتكار اقتصادي يضاعف المعاناة. ولم تعد الأزمة مادية فقط، بل امتدت إلى مستوى التفكير، حيث بدأت تطرح أفكار كانت في السابق خارج التداول، مثل الهجرة أو الاستعانة بإدارة دولية لإدارة الشأن اليومي.
وبرغم خطورة هذه الطروحات، فإنها لا تعبّر عن تخلي عن الهوية بقدر ما تكشف حجم فقدان الثقة في القدرة على إدارة الواقع الداخلي، وانكسار العلاقة بين المواطن ومؤسساته.
ومن هنا، تبرز ضرورة وطنية عاجلة لإعادة تعريف وظيفة السلطة، ليس كامتداد سياسي أو فصائلي، بل كإطار سيادي دستوري يُفترض أن ينظم حياة المواطنين على أساس القانون، ويوازن بين الحقوق والواجبات، ويخضع فيه الجميع للمساءلة دون استثناء. فالمسؤولية لا تتجزأ، والوظيفة العامة لا تسقط بالانقسام، بل تزداد أهمية في أوقات الأزمات، واستعادة المعنى الحقيقي للمؤسسة هو المدخل الأول لإعادة بناء الثقة والمواطنة.
في جوهر المسألة، لا تُختبر السلطة الفلسطينية بقدرتها على إدارة الانقسام، بل بقدرتها على التحول إلى نظام دستوري سيادي يرعى حقوق الإنسان الفلسطيني كافة. فليست السلطة حزبًا ولا حركة، بل إطار يفترض أن يُنظّم العلاقة بين المواطن والمؤسسة على أساس واضح من الحقوق والواجبات، حيث يسود القانون، وتُطبَّق العدالة، ويُحاسَب الجميع دون استثناء.
أما بقاء هذا الالتباس في تعريفها ووظيفتها، فلن ينتج إلا مزيدًا من التآكل في فكرة المواطنة، ومزيدًا من الابتعاد عن جوهر الدولة. وعندها، لا تكون الأزمة في السياسة فقط، بل في فقدان المعنى الذي يجمع الناس تحت فكرة مواطن، ثم مواطنة، ثم وطنية، لإنتاج شيء اسمه وطن.
نضال احمد جابر جودة



