في يوم الأسير الفلسطيني: نحو مساءلة دولية وإنصاف قانوني مستحق

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

يُحيي الفلسطينيون في السابع عشر من نيسان/أبريل من كل عام يوم الأسير الفلسطيني، وهي مناسبة وطنية أقرّها المجلس الوطني الفلسطيني عام 1974، لتخليد نضال الأسرى وتسليط الضوء على معاناتهم في سجون الاحتلال، حيث يتزامن هذا التاريخ مع ذكرى الإفراج عن أول أسير فلسطيني، محمود بكر حجازي، ليشكل هذا اليوم محطة سنوية لتجديد الالتزام الوطني والإنساني بقضيتهم.

لا تقتصر رمزية هذا اليوم على كونه مناسبة تضامنية، بل يمثل منصة سياسية وقانونية لإعادة طرح ملف الأسرى على المستويين الإقليمي والدولي، في ظل ما يتعرض له آلاف المعتقلين الفلسطينيين من سياسات وإجراءات تثير إشكاليات جدية في ضوء قواعد القانون الدولي الإنساني.

لقد شكّلت قضية الأسرى، على مدار عقود، إحدى أبرز تجليات الصراع، حيث تحوّلت سياسة الاعتقال إلى أداة منهجية في إدارة هذا الصراع، مستندة إلى إرث قانوني يعود إلى حقبة الانتداب البريطاني، تعزّز لاحقًا ضمن المنظومة القانونية الإسرائيلية، بما في ذلك أنظمة الطوارئ التي أتاحت توسيع نطاق الاعتقال، بما في ذلك الاعتقال الإداري دون محاكمة، وهو ما كرّس حالة استثنائية ممتدة في إدارة السكان الواقعين تحت الاحتلال.

وفي هذا السياق، تشير المعطيات إلى أن مئات الآلاف من الفلسطينيين مرّوا بتجربة الاعتقال منذ عام 1967، في ظل ظروف احتجاز صعبة، وثّقتها تقارير حقوقية دولية، من بينها تقارير منظمة العفو الدولية، التي أشارت إلى ممارسات تتعلق بسوء المعاملة، والإهمال الطبي، وفرض قيود مشددة على الأسرى، بما يعكس نمطًا ممنهجًا يتجاوز البعد الأمني إلى التأثير في البنية المجتمعية الفلسطينية.

وقد شهدت أوضاع الأسرى تصعيدًا خطيرًا في أعقاب أحداث السابع من أكتوبر 2023، حيث فُرضت إجراءات استثنائية داخل السجون، شملت تقليص شروط الحياة اليومية، وتشديد القيود، إلى جانب تصنيفات قانونية جديدة لبعض المعتقلين، الأمر الذي يثير تساؤلات قانونية حول مدى توافق هذه الإجراءات مع المعايير الدولية، خاصة في ظل غياب الضمانات الكافية للمحاكمة العادلة.

إن هذه الممارسات، في حال ثبوتها، تتعارض مع أحكام اتفاقية جنيف الرابعة، التي تلزم القوة القائمة بالاحتلال بضمان حماية المدنيين وصون كرامتهم وحقوقهم الأساسية. كما تندرج بعض هذه الانتهاكات ضمن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، باعتبارها قد ترقى إلى جرائم تستوجب المساءلة القانونية.

وفي هذا الإطار، فإن إحياء يوم الأسير الفلسطيني يجب أن يتجاوز حدود التضامن الرمزي، ليصبح منطلقًا لتحرك قانوني ودبلوماسي فاعل، يهدف إلى مساءلة إسرائيل عن ممارساتها، والعمل على ضمان الإفراج عن الأسرى، أو على الأقل تحسين ظروف احتجازهم بما يتوافق مع المعايير الدولية.

ومن هنا، تبرز أهمية الدور الذي يمكن أن يضطلع به مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، من خلال تفعيل آلياته الرقابية، وإيفاد لجان تحقيق دولية، والضغط باتجاه ضمان احترام إسرائيل لالتزاماتها بموجب القانون الدولي، خاصة فيما يتعلق بحقوق الأسرى والمعتقلين.

كما يبرز الدور المحوري الذي تقوم به اللجنة الدولية للصليب الأحمر، باعتبارها الجهة الدولية المخوّلة بزيارة المعتقلين ومراقبة أوضاعهم الإنسانية، والعمل على ضمان التواصل بينهم وبين عائلاتهم، والتأكد من احترام معايير القانون الدولي الإنساني داخل أماكن الاحتجاز، الأمر الذي يستدعي تمكينها من أداء مهامها دون قيود أو معيقات.

وفي موازاة ذلك، تثير التشريعات الإسرائيلية المستجدة، لا سيما تلك المتعلقة بفرض عقوبة الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين، إشكاليات قانونية وأخلاقية عميقة، إذ تتعارض مع الاتجاه الدولي العام نحو تقييد هذه العقوبة أو إلغائها، خاصة في سياق الاحتلال. كما أن تطبيقها في ظل بيئة قانونية استثنائية وقيود على ضمانات المحاكمة العادلة، يشكّل انتهاكًا لمبادئ أساسية في القانون الدولي.

فمثل هذه التشريعات تتعارض بشكل مباشر مع أحكام العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي يؤكد على الحق في الحياة، ويضع قيودًا صارمة على تطبيق عقوبة الإعدام، كما تتناقض مع الالتزامات الواردة في اتفاقية جنيف الرابعة، التي تحدد بوضوح واجبات القوة القائمة بالاحتلال تجاه السكان الواقعين تحت سيطرتها.

إن المضي في إقرار أو تطبيق هذه القوانين من شأنه أن يفتح الباب أمام تصعيد خطير، ويقوّض أسس العدالة الدولية، ما يستدعي تحركًا دوليًا عاجلًا، تقوده الأمم المتحدة ومؤسساتها، وفي مقدمتها مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، للضغط باتجاه إلغاء هذه التشريعات، وإلزام إسرائيل باحترام قواعد القانون الدولي الإنساني ومبادئ حقوق الإنسان.

إن قضية الأسرى الفلسطينيين ليست مجرد ملف حقوقي، بل هي اختبار حقيقي لمدى التزام المجتمع الدولي بمنظومة العدالة الدولية. وفي يوم الأسير الفلسطيني، تتجدد الدعوة إلى تحويل هذه القضية إلى أولوية دولية، من خلال تفعيل أدوات المساءلة، وضمان حماية الأسرى، وإنهاء السياسات التي تنتهك حقوقهم الأساسية.

فإنصاف الأسرى الفلسطينيين، وحمايتهم من تشريعات تمس الحق في الحياة، وفي مقدمتها قوانين الإعدام، ليس فقط التزامًا قانونيًا، بل ضرورة إنسانية وأخلاقية، تتطلب إرادة دولية حقيقية تضع حدًا لسياسات الإفلات من العقاب، وتمهّد الطريق نحو عدالة طال انتظارها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com