“معاريف”: حزب الله يستنزف إسرائيل والاتفاق بات ضرورة

تل أبيب ـ البيادر السياسي:ـ رأت صحيفة “معاريف” الإسرائيليّة، اليوم الجمعة، أنّ ما يجري في جنوب لبنان يُشكّل مؤشّرًا مقلقًا على عجز “المنطقة الأمنيّة” الجديدة عن توفير الحماية لسكان الشّمال، معتبرةً أنّ حزب الله عاد، على الجانب الآخر من الحدود، إلى أنماط حرب العصابات التي لا تحتاج إلى حشود كبيرة، بل إلى عمليّات استنزاف متواصلة تستهدف آلاف المواقع والأهداف التي نشرها الجيش الإسرائيلي في مواجهتها.واستهلّ الكاتب مقاله باستحضار مقولة كارل ماركس إنّ “التّاريخ يعيد نفسه مرّتين: الأولى كمأساة، والثّانية كمهزلة”، ليخلص إلى أنّ لبنان يعيش اليوم مرحلة “المأساة”، في إشارة إلى الخسائر التي تكبّدتها عائلات إسرائيليّة منذ استئناف القتال في الجنوب. ولفت إلى أنّ من يقودون هذه المعركة من كبار ضبّاط الجيش الإسرائيلي هم أنفسهم نتاج تجربة لبنان في تسعينيّات القرن الماضي، أو ما وصفه بـ”مسيرة الحماقة”.
كمين الليطاني يعيد مشهد الحزام الأمني
وبحسب الصحيفة، عملت هذا الأسبوع قوّة من وحدتين خاصّتين في منطقة الليطاني، قبل أن يتمكّن مقاتلو حزب الله من تعقّبها، وتحليل المسار الذي ستسلكه، ثمّ زرع عبوة ناسفة وتفجيرها أثناء مراقبتها ميدانيًّا، ما أدّى إلى إصابة أربعة مقاتلين إسرائيليّين.
واعتبر الكاتب أنّ هذه العمليّة بدت نسخة طبق الأصل عن حرب العصابات التي خاضها حزب الله ضدّ الجيش الإسرائيلي خلال سنوات “الحزام الأمني” بين عامَي 1985 و2000، حين طوّر الحزب قدراته عبر الاحتكاك اليومي بالجنود الإسرائيليّين، وانتقل تدريجيًّا من تنظيم مسلّح إلى جيش عصابات محترف.
وأضاف أنّ الحزب، رغم الضّربات القاسية التي تلقّاها في عام 2024، عاد اليوم إلى الأنماط نفسها، مستفيدًا من تكتيكات لا تحتاج إلى قوّات كبيرة، بل إلى استنزاف طويل الأمد، قائم على رصد نقاط ضعف الجيش الإسرائيلي وضربها، لا بهدف حسم المعركة دفعة واحدة، بل لإنهاكه تدريجيًّا.
“المنطقة الأمنيّة” لا تحمي الشّمال
وتوقّف المقال عند تجربة “المنطقة الأمنيّة” السابقة في جنوب لبنان، مشيرًا إلى أنّ قائد المنطقة الشماليّة الأسبق، يوسي بيلد، كان قد أمر، قبيل إقامتها عام 1985، بتعليق لافتات على المواقع العسكريّة كُتب عليها: “المهمّة: حماية مستوطنات الشّمال”.
غير أنّ الكاتب اعتبر أنّ هذه القناعة كانت “إيمانًا فارغًا”، إذ إنّ حزب الله كان يردّ على أيّ استهداف إسرائيلي للمدنيّين اللبنانيّين بإطلاق النار على بلدات الشّمال، ما أثبت أنّ المنطقة الأمنيّة لم تحقّق الحماية الموعودة.
وأشار إلى أنّ غادي آيزنكوت، حين كان قائدًا للواء غولاني، كان أوّل من تجرّأ على التشكيك بهذه الفكرة، معتبرًا أنّ المنطقة الأمنيّة حوّلت سكان الشّمال إلى من يحمون الجنود الإسرائيليّين، بدل أن يكون الجنود في موقع حماية المستوطنين.
ويرى الكاتب أنّ المشهد ذاته يتكرّر اليوم، إذ تكشف الوقائع اليوميّة أنّ المنطقة الأمنيّة الجديدة لا تحمي سكان الشّمال، لا من الصواريخ ولا من المسيّرات، ولا حتى من الصواريخ المضادّة للدروع.
وذكّر بأنّ صاروخًا مضادًّا للدروع تابعًا لحزب الله أصاب، قبل نحو عشرة أيّام، موقعًا للجيش الإسرائيلي على تلة حمّيس، على بعد 300 متر فقط من المطلة، معتبرًا أنّ من أطلق الصاروخ كان قادرًا، بالسهولة نفسها، على استهداف منزل في إحدى مستوطنات الجليل.
المسيّرات الانتحاريّة والحرب النفسيّة
ولفت المقال إلى أنّ حزب الله بدأ، قبل خمسة وثلاثين عامًا، التركيز على “الحرب النفسيّة”، مستندًا إلى شعار مفاده أنّ “إصابة جندي واحد ستجعل أمًّا واحدة تبكي، أمّا تصوير تلك الإصابة فسيجعل آلاف الأمّهات يبكين”.
وفي هذا السياق، رأى الكاتب أنّ الطائرات المسيّرة الانتحاريّة الموجّهة بالألياف البصريّة تلائم هذا المفهوم تمامًا، لأنّها تمنح الهجوم طابعًا شخصيًّا مباشرًا، فهي ليست صاروخًا يسقط عشوائيًّا، بل أداة تراك وتختارك وتطاردك.
وأشار إلى أنّ مشاهد أوكرانيا، حيث يظهر مقاتلون يتوسّلون النجاة أمام المسيّرات، تثير قلقًا كبيرًا في إسرائيل، خصوصًا أنّ الأوكرانيّين، رغم سنوات الحرب، لم يتمكّنوا بعد من إيجاد حلّ شامل لمواجهة هذا التهديد.
إسرائيل تختبر ترسانة تقنيّة في لبنان
وبحسب “معاريف”، تعمل المؤسّسة الأمنيّة الإسرائيليّة حاليًّا على إغراق ما وصفته بـ”المختبر الجديد” في لبنان بكلّ التقنيّات المتاحة، في محاولة لرصد المسيّرات أو اعتراضها أو الحماية منها، غالبًا من دون اختبارات جدوى كافية.
وقد نشرت إسرائيل وسائل متعدّدة، بينها شباك صيد لحماية الجنود والآليّات، وأجهزة إطلاق دقيقة من نوع “سمارت شوتر”، وصواريخ عنقوديّة، ومسيّرات تُلقي شباكًا، وأسلاك متدحرجة يُفترض أن تمزّق أو تحرق الألياف البصريّة للمسيّرات، إضافة إلى الليزر ومنظومة “القبّة الحديديّة”.
غير أنّ التحدّي الأكبر، وفق المقال، يبقى في القدرة على كشف المسيّرة مبكرًا، لأنّ الإنذار المبكر يرفع فرص الاعتراض أو الحماية. ولهذا الغرض، جرى نشر رادارات ووسائل بصريّة وأجهزة صوتيّة، مع ترجيح الكاتب أن تكون الوسائل الصوتيّة الأكثر وعدًا، نظرًا إلى صعوبة تمييز الرادارات والأنظمة البصريّة بين المسيّرات والطيور، في حين تملك المسيّرات “بصمة صوتيّة” خاصّة.
كما أشار إلى احتمال استخدام سلاح الموجات الميكرويّة عالية الطاقة، القادر على تعطيل المنظومات الكهربائيّة، بوصفه حلًّا مستقبليًّا محتملًا.
لا أهداف حاسمة لإنهاء القتال
ورأى الكاتب أنّ الجيش الإسرائيلي، إلى حين إيجاد حلّ حاسم، يعود بفعل الإحباط إلى حلول قديمة، منها السيطرة على منطقة “ركبة الليطاني”، الأمر الذي جعل قوّاته مكشوفة من مرتفعات علي الطاهر المطلة عليها.
وردًّا على مقولات إنّ “أيدي الجيش الإسرائيلي مكبّلة” بسبب وقف إطلاق النار الذي فرضته الولايات المتحدة، اعتبر المقال أنّ المشكلة أعمق من ذلك، إذ إنّ الجيش، حتى لو مُنح حرّيّة عمل كاملة، لا يمتلك أهدافًا قادرة على إنهاء القتال عبر تدميرها، ولا يملك وسيلة فعليّة لتحييد حزب الله، ما لم يُتّخذ قرار باحتلال بيروت والبقاع اللبناني.
فرصة سياسيّة نادرة
في المقابل، رأى الكاتب أنّ ما يتوافر اليوم هو فرصة نادرة تتمثّل في حكومة لبنانيّة مصمّمة على مواجهة حزب الله، ورأي عام لبناني يقف إلى جانبها. غير أنّه اتّهم إسرائيل بأنّها لم تدخل المفاوضات مع لبنان بنيّة التوصّل إلى اتفاق، بل تعاملت معها بمنطق تعطيل المسار بدل استثماره.
واعتبر أنّه يمكن التوصّل إلى اتفاق جيّد لوقف إطلاق النار في لبنان، يفصل حزب الله عن إيران، ويوفّر للحكومة اللبنانيّة الموارد اللازمة لبناء جيش قوي قادر على مواجهة الحزب. لكنّ ذلك، وفق الكاتب، يتطلّب إرسال وفد أميركي رفيع المستوى، إلى جانب استعداد إسرائيلي حقيقي لمساعدة الحكومة اللبنانيّة بصدق.
الجيش الإسرائيلي منهك ولبنان باب الحلّ
وختمت “معاريف” بأنّ الحاجة إلى اتفاق في لبنان لا تنبع فقط من ضرورة وقف “النزيف” في الشّمال، بل أيضًا من استحالة استمرار الجيش الإسرائيلي في إدارة هذا العدد من الجبهات المفتوحة في وقت واحد: منطقة أمنيّة في لبنان، وأخرى في سوريا، وثالثة في غزة، إضافة إلى حماية الحدود مع الأردن وعشرات المستوطنات الجديدة في الضفّة الغربيّة.
ورأى الكاتب أنّ القوات البرّيّة الإسرائيليّة باتت منهكة، حتى وإن لم يجرؤ رئيس الأركان على إظهار ذلك أمام القيادة السياسيّة، مشيرًا إلى أنّ الجيش متعب، ويعاني تراجعًا في الانضباط، كما تآكل مستواه المهني بسبب غياب التدريبات والروتين العسكري الطبيعي.
ومن بين كلّ الساحات المفتوحة، خلص المقال إلى أنّ لبنان هو الساحة التي يمكن فيها التوصّل إلى اتفاق يخلق واقعًا أفضل، معتبرًا أنّ “الوقت حان لتحقيقه ووقف النزيف”.



