مناجاة بالجنون.. حين يتحول الألم إلى ذاكرة وطن.. بقلم/ شريف الهركلي

في لحظة ثقافية تتقاطع فيها الذاكرة مع الألم، وتتشكل فيها الكلمة بوصفها امتدادًا لصوت الحياة تحت الركام، نظّم الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين ندوة أدبية لمناقشة المجموعة القصصية «مناجاة بالجنون» للكاتب محمد أبو ريا، وذلك في مركز التضامن الإعلامي، بمشاركة نخبة من النقاد والأكاديميين والأدباء.
وفي أجواء حملت الكثير من الدفء الثقافي رغم قسوة المشهد العام، تولّى الشاعر أحمد تايه افتتاح فضاءات الندوة، فقدم إدارة اللقاء بروح شاعرية ووعي نقدي، واضعًا الحضور أمام عتبة أولى من التأمل في النص والواقع، ومؤكدًا أن هذا اللقاء ليس مجرد مناقشة أدبية، بل مساحة حوار بين الذاكرة الفلسطينية وأسئلتها المفتوحة، وبين القصة بوصفها شكلًا من أشكال البقاء الإنساني.
استُهل اللقاء بكلمة ترحيبية ألقاها الدكتور رجاء صالحة، الذي أكد أن استمرار الفعل الثقافي في غزة هو شكل من أشكال المقاومة الهادئة، وأن الوعي الأدبي في زمن الحرب يمثل خط الدفاع الأول عن الذاكرة والهوية.
وفي مداخلة تأسيسية، قدّم الكاتب عبدالله تايه قراءة في نشأة القصة القصيرة في فلسطين، مستحضرًا روادها الأوائل مثل خليل بيدس وأحمد شاكر الكرمي ومحمود سيف الدين الإيراني وجميل البحري، الذين أسسوا لمرحلة مبكرة من السرد الفلسطيني عبر مجلات أدبية وصحف شكلت منابر للقصص والترجمة، وأسهمت في ترسيخ حضور الأدب في الحياة الثقافية العامة.
وأشار إلى أن تلك التجربة لم تكن مجرد كتابة فنية، بل كانت فعلًا ثقافيًا مرتبطًا بالهوية والوعي الوطني، حيث تداخلت القصة مع هموم الإنسان الفلسطيني وتاريخه الاجتماعي والسياسي، لتشكل بذور السرد المقاوم لاحقًا.
من جانبها، قدمت الدكتورة ميسون الشنباري قراءة نقدية أكدت فيها أن «مناجاة بالجنون» توثق الذاكرة الفلسطينية بلغة إنسانية عالية الحس، حيث تتحول الشخصيات إلى انعكاس مباشر للإنسان الفلسطيني في ظل الحرب والتهجير والاقتلاع. وأشارت إلى البعد الرمزي في نصوص مثل «الدمى المعلقة» و«العصافير المصلوبة»، معتبرة أن الكاتب يحول الألم إلى بنية جمالية مقاومة.
بدوره، تناول الدكتور محمد صالحة البناء الفني للقصة القصيرة، موضحًا عناصرها الأساسية، قبل أن يطبق قراءته النقدية على ثلاث قصص من المجموعة: «مناجاة بالجنون»، «الدمى المعلقة»، و«العصافير المصلوبة»، محللًا تطور الحدث وبناء الشخصيات والاشتغال الرمزي الذي يمنح النصوص عمقها الدلالي.
أما الأستاذة نبيلة أبو اسبيتان، فرأت أن المجموعة تمثل مشروعًا أدبيًا وإنسانيًا يرصد آثار الحرب على النفس والذاكرة، من خلال لغة رمزية وصور مكثفة، مع حضور واضح للبعد النفسي وتجسيد الصدمة والاختناق الداخلي، مؤكدة نجاح الكاتب في تفكيك قسوة الواقع عبر استعارات تعيد تشكيل الألم في صورة فنية ذات بعد إنساني عميق.
وفي ختام اللقاء، عبّر الكاتب محمد أبو ريا عن شكره للنقاد والأكاديميين، ولـ الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين على تنظيم الندوة، مؤكدًا أن «مناجاة بالجنون» محاولة لبلوغ الإنسان الفلسطيني أينما كان، وأن الرسالة الأدبية قادرة على العبور إلى ما وراء الحدود التي تعجز الجغرافيا عن احتوائها.
وخفتت أضواء الندوة في ختامها، لكن الكاميرا التقطت لوحة فوتوغرافية جمعت الكتاب والشعراء والنقاد والضيوف، لتبق محفوظة في مكتبة المشهد الثقافي الفلسطيني، شاهدة على لحظة أدبية حاولت أن تقول إن الذاكرة لا تُهزم، حتى وهي تحت القصف.



