ما بين النكبة والنكسة.. د . عبد الرحيم جاموس

ما بين النكبة والنكسة…
ليس زمناً عابراً في الذاكرة،
بل عمرُ وطنٍ يمشي على جمر الحكاية، ويحرسُ الحلم من رياح الخذلان.
ما بين النكبة والنكسة…
ثمانية وسبعون عاماً من النزف الجميل، ومن الصبر النبيل، ومن شعبٍ كلما ظنَّ العالم أنه سقط، نهض أعلى… وأقوى… وأشدَّ التصاقاً بأرضه.
مرّت القوافل، وتبدّلت الرايات، وسقطت مشاريع، وقامت أخرى، وتغيّرت خرائط المنطقة والعالم،
إلا فلسطين…
بقيت هناك،
في عيون أطفالها، وفي مفاتيح بيوتها القديمة، وفي زيتونها المعمَّد بالشهداء، وفي القدس التي تحفظ أسماء عشاقها كما تحفظ السماء نجومها.
أرادوها غريبةً عن أهلها…
فصارت أكثر قرباً.
أرادوا محوها من الذاكرة…
فصارت ذاكرة الأحرار.
أرادوا اقتلاع شعبها…
فأنبتت من كل جرحٍ شعباً، ومن كل شهيدٍ راية، ومن كل منفى وطناً مؤقتاً ينتظر العودة.
ما بين النكبة والنكسة…
ولدت الثورة.
ثورةٌ لم تكن بندقيةً فقط،
بل كانت فكرةً، وهويةً، وإرادةً، ومشروع وطن.
ومن قلبها نهضت فتح…
تحمل فلسطين إلى العالم، وتحمل العالم إلى فلسطين.
تصنع للثورة عنوانها، وللقضية حضورها، وللهوية الفلسطينية شخصيتها الوطنية المستقلة.
خاضت معارك السياسة، كما خاضت معارك الميدان.
وواجهت الاحتلال في المحافل الدولية، كما واجهته على أرض الوطن.
فكانت رائدة النضال الوطني، وصانعة القرار الفلسطيني المستقل، وحارسة الحلم الذي ما زال يسكن وجدان الملايين.
وما بين النكبة والنكسة…
تتجدد الحقيقة:
أن فلسطين ليست قضية لاجئين فحسب،
ولا أرضاً متنازعاً عليها،
ولا بنداً مؤجلاً في دفاتر السياسة الدولية.
فلسطين وطن. وفلسطين شعب. وفلسطين حق.
والحق لا يشيخ، ولا يسقط بالتقادم، ولا يضيع ما دام وراءه شعبٌ يؤمن به.
لذلك…
فإن الدولة الفلسطينية ليست حلماً بعيداً، بل وعد التاريخ لأصحابه.
قادمةٌ بإرادة شعبها، وبعدالة قضيتها، وبصمود أبنائها.
قادمةٌ كما يأتي الفجر بعد أطول ليل.
والقدس…
درة التاج، ونبض الروح، وعنوان السيادة، وعاصمة الدولة الفلسطينية الحرة المستقلة.
أما مشاريع الاقتلاع والتزوير، والعنصرية والاستعلاء، ومحاولات طمس الهوية وسرقة التاريخ،
فهي مهما امتلكت من قوة السلاح، وعجرفة السلطة، ودعم الأقوياء،
تبقى عابرةً في وجه الحقيقة.
لأن الظلم لا يصنع مستقبلاً، والاحتلال لا يصنع وطناً، والقوة لا تمنح الشرعية.
وما بُني على القهر مصيره إلى زوال.
ويبقى الفلسطيني…
واقفاً على بوابة الزمن،
يحمل مفتاح العودة بيد، ويرفع راية الحرية باليد الأخرى.
يمضي نحو غده بقلبٍ مثقلٍ بالجراح، لكنَّه ممتلئٌ بالأمل.
مؤمناً أن الفجر آتٍ…
وأن الحرية آتية…
وأن القدس آتية…
وأن فلسطين، رغم النكبة… ورغم النكسة… ورغم كل ما كان وما يكون…
ستبقى الحكاية الأجمل،
والوطن الأجمل،
والحلم الذي يتحول كل يوم إلى حقيقةٍ أقرب.
فلسطين… حرةً كما أرادها أبناؤها.
مستقلةً كما استحقها شهداؤها.
وعزيزةً كما تحفظها ذاكرة التاريخ.
د . عبد الرحيم جاموس
الرياض
4/6/2026 م
في الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة الفلسطينية، واستحضاراً لدروس النكسة، وإيماناً بأن الحرية والاستقلال والعودة ليست مجرد أحلام، بل استحقاقات وطنية وتاريخية لا بد أن تتحقق.
د. عبد الرحيم جاموس



