صبح كاتب وروائي وفنان تشكيلي يفوز بجائزة السوربون بلوحة سريالية في باريس

بقلم/ شريف الهركلي
كمال صبح، الروائي والفنان التشكيلي من رفح، يخطو خطوة نوعية في مشهد الفن العالمي بفوزه بجائزة السوربون المرموقة عن لوحته السريالية التي جسدت رؤية فنية وفلسفية عميقة حول الحرب وآثارها على الإنسان. وقد تفوقت لوحته على أعمال لفنانين من البرتغال وفرنسا وإيطاليا والمملكة المتحدة، لتنال شرف تمثيل العمل الفني المركزي في مؤتمر دولي تستضيفه جامعة السوربون في باريس منتصف سبتمبر المقبل تحت عنوان “تفكيك الحرب”.
ويعكس اختيار اللوحة مكانة الإبداع الفلسطيني وقدرته على الوصول إلى أهم المنابر الثقافية والأكاديمية العالمية. فالعمل الفني يقدم قراءة تحليلية ونفسية لفكرة الحرب، ويكشف من خلال لغة سريالية مكثفة آليات الصراع وآثاره الخفية على الفرد والمجتمع، فيما رأى نقاد ومتابعون أن هذا الفوز يشكل حضوراً لافتاً للثقافة العربية والفلسطينية في الفضاء الأوروبي.
يجمع كمال صبح بين الرواية والفن التشكيلي، حيث نجح في بناء تجربة إبداعية تمزج السرد الأدبي بالتعبير البصري والفلسفة الإنسانية. وقد أصدر ست روايات هي: “أسير الثلج”، “أرتميس”، “بداية مؤجلة”، “إيفانوف في إسرائيل”، “فندق خريستوس”، و”جروح على خد الكريستال”، وهي أعمال تناولت قضايا وطنية واجتماعية وإنسانية عميقة، وحظيت باهتمام الأوساط الثقافية والأدبية في فلسطين والعالم العربي.
كما يعمل حالياً على كتاب بعنوان “حبر على أرض قلقة”، وهو دراسة نقدية مقارنة تتناول الأدب العبري من ما قبل النكبة إلى ما بعد السابع من أكتوبر، وتبحث في صورة فلسطين كما قدمها الأدباء والشعراء الإسرائيليون ومقارنتها بالواقع التاريخي والإنساني.
وقد انطلق صبح من حارة الجنينة في رفح، حاملاً الكلمة والريشة معاً، ليجوب بهما فضاءات الإبداع محلياً وعربياً ودولياً. ويعد من الأصوات الأدبية الفلسطينية التي كرست أعمالها لخدمة الرواية الفلسطينية والدفاع عن الهوية الوطنية من خلال رؤية تجمع بين البعد الاجتماعي والسياسي والإنساني.
أما اللوحة الفائزة، فتجسد التداعيات النفسية والجسدية للحروب، وما تتركه من آثار عميقة في أرواح الضحايا ووعيهم، كما تؤكد أن التضامن الإنساني والتكاثف الاجتماعي وقرب الناس من بعضهم بعضاً يمكن أن يشكل ملاذاً آمناً في مواجهة الخوف والعنف والخراب.
ولا يقتصر هذا الإنجاز على بعده الفني والثقافي فحسب، بل يحمل دلالة وطنية عميقة في ظل ما يعيشه الشعب الفلسطيني من حرب وتهجير ومحاولات مستمرة لطمس هويته وروايته التاريخية. فحضور فنان وروائي فلسطيني في واحدة من أعرق الجامعات الأوروبية يؤكد أن الرواية الفلسطينية لم تعد حبيسة الجغرافيا والسياسة، بل أصبحت جزءاً من الحوار الثقافي والإنساني العالمي. وهنا تتجلى قوة الفن بوصفه أحد أدوات القوة الناعمة القادرة على نقل معاناة الإنسان الفلسطيني إلى العالم بلغة تتجاوز الحدود واللغات.
إن أعمال كمال صبح الأدبية والفنية تمثل تجسيداً لرؤية فلسطينية عميقة، تستمد روحها من الأرض الفلسطينية وذاكرة المكان، وتروي حكاية الإنسان في زمن الخوف والحب والأمل. وقد أسهمت رواياته ولوحاته في إثراء المشهد الثقافي الفلسطيني، لتتعانق الكلمة مع اللون في بناء سردية وطنية وإنسانية تتجاوز حدود المكان.
وفي زمن تُحاصر فيه فلسطين بالحرب والدمار، يواصل مبدعوها فتح نوافذ جديدة للحضور العالمي، مؤكدين أن الرواية الفلسطينية لا تُكتب بالسياسة وحدها، بل بالكلمة واللون والجمال أيضاً. ومن هنا يأتي فوز كمال صبح في جامعة السوربون بوصفه انتصاراً للإبداع الفلسطيني ورسالة تؤكد أن الثقافة قادرة على عبور الحصار والحرب والوصول إلى العالم حين تعجز الحدود عن ذلك.



