وِلادَةٌ قَيْصَرِيَّةٌ وَحَمْلٌ كاذِبٌ: ثَرْثَرَةٌ في دَهالِيزِ المُؤَسَّسَةِ الصِّحِّيَّةِ الحُكُومِيَّةِ في قِطاعِ غَزَّةَ.. نضال احمد جابر جودة

في واقع معقد مثل واقع القطاع الصحي في قطاع غزة، تتعدد زوايا التناول وتختلف أدوات التحليل، إلا أن اللافت في المشهد العام أن جزءاً كبيراً من النقاش العام يُدار عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث ينشغل عدد من النشطاء بمتابعة مظاهر الخلل وإبراز بؤر الفساد أو التقصير كما يرونها.
غير أن هذا الدور، رغم أهميته في إثارة الانتباه العام، لا يرقى في كثير من الأحيان إلى مستوى تصحيح المسار المؤسسي الصحي. فالنقاش الذي يركز على الأشخاص أو الحالات الفردية أو الوقائع الجزئية، غالباً ما يغفل البنية الأعمق للنظام الصحي، ولا يقدم تصوراً عملياً لإعادة بناء المؤسسة أو استعادة توازنها الوظيفي. وبالتالي يصبح تأثيره محدوداً في معالجة جوهر الأزمة، حتى وإن كان واسع الانتشار إعلامياً.
في المقابل، شهد القطاع الصحي خلال السنوات الأخيرة نشوء مجموعة من البدائل والمؤسسات الموازية، سواء على شكل مستشفيات ميدانية أو برامج صحية أو لجان إدارية متخصصة، جاءت في سياق الاستجابة للظروف الاستثنائية التي فرضتها الأزمات المتلاحقة. هذه البدائل لعبت دوراً مهماً في سد الفراغ وضمان استمرار الحد الأدنى من الخدمات الصحية.
لكن الإشكالية التي برزت تدريجياً ليست في وجود هذه البدائل بحد ذاتها، بل في العلاقة التي نشأت بينها وبين المؤسسة الصحية الحكومية الأصلية، حيث أدى انتقال جزء من الكوادر والخبرات إلى هذه المسارات البديلة إلى إضعاف تدريجي في البنية المؤسسية للمؤسسة الصحية العامة.
ويُعد جوهر هذه الإشكالية في إدارة الموارد البشرية الطبية والإدارية، وبشكل خاص في ظاهرتين محوريتين: الأولى هي الإعارات الواسعة لموظفي المؤسسة الصحية الحكومية للعمل في تلك المؤسسات البديلة، والثانية تتمثل في عقود الكفاءة والامتيازات المهنية التي مُنحت لبعض الكوادر الطبية في تلك المسارات، بما خلق بيئة جذب وظيفي خارج الإطار المؤسسي التقليدي.
هذا التحول لم يكن مجرد حركة وظيفية طبيعية، بل أدى إلى إعادة توزيع غير متوازن للخبرات، حيث انتقلت كفاءات تراكمت عبر سنوات طويلة من العمل داخل المؤسسة الحكومية إلى بيئات موازية، ما انعكس على قدرة المؤسسة الأصلية على أداء وظائفها السيادية والتخطيطية والإدارية.
وتبرز أهمية هذا الخلل بشكل خاص عند النظر إلى المؤسسات السيادية المختصة بإدارة ملف العلاج خارج قطاع غزة، وفي مقدمتها دائرة العلاج بالخارج. فهذه الدائرة لا تقتصر وظيفتها على إصدار التحويلات الطبية، بل تقوم على منظومة متكاملة من التعاقدات مع المشافي الخارجية، وبناء شبكات علاجية، وتحديد آليات توزيع المرضى وفق اعتبارات طبية وإدارية دقيقة، بما يضمن توجيه كل حالة إلى المسار العلاجي الأنسب.
كما يبرز دور دائرة تنسيق وارتباط المرضى بوصفها حلقة مركزية في إدارة رحلة المريض العلاجية، إذ لا ينحصر عملها في تسهيل إجراءات السفر أو تذليل العقبات الإدارية، بل يمتد إلى متابعة المريض منذ لحظة مغادرته وحتى وجوده في المشافي الخارجية، ومتابعة تطورات حالته، والتنسيق المستمر مع الجهات المستضيفة، وصولاً إلى عودته واستكمال علاجه داخل القطاع. وبذلك فإن عمل هذه الدائرة هو عمل تراكمي متصل، وليس إجراءً لحظياً ينتهي بخروج المريض.
إن إضعاف هذا الامتداد المؤسسي، سواء عبر تهميشه أو عبر استبدال بعض وظائفه بآليات موازية، يؤدي إلى تفكك في وحدة القرار الصحي، ويؤثر مباشرة على كفاءة إدارة الملفات الطبية المعقدة، وعلى رأسها ملف المرضى المحولين للعلاج خارج القطاع.
ومن هنا يمكن فهم المسألة الصحية من خلال منهجية الوقت المناسب والوقت الأفضل. فخلال فترات الأزمة، كان الوقت المناسب يفرض تبني حلول عاجلة وبدائل سريعة تضمن استمرار الخدمة الصحية ومنع انهيارها الكامل. في هذا السياق، كانت بعض الإجراءات الاستثنائية مفهومة وضرورية.
لكن مع مرور الوقت، يصبح الوقت الأفضل هو معيار التقييم والإصلاح، حيث يُفترض الانتقال من إدارة الأزمة إلى إعادة بناء المؤسسة، ومن المسارات الموازية إلى تعزيز المؤسسة الصحية الحكومية بوصفها المرجعية الأساسية للنظام الصحي. فاستمرار الحلول المؤقتة خارج إطارها الزمني الطبيعي قد يحولها من أدوات إنقاذ إلى عوامل إضعاف للبنية المؤسسية على المدى الطويل.
إن تصحيح المسار لا يعني إنكار دور البدائل أو التقليل من أهمية الجهود التي بُذلت خلال الأزمة، بل يعني إعادة ضبط العلاقة بين هذه البدائل والمؤسسة الأصلية، بحيث تكون داعمة لها لا بديلة عنها. كما يعني إعادة الاعتبار لدور المؤسسات السيادية الصحية، وإعادة تجميع الخبرات داخلها، بما يضمن استعادة القدرة على التخطيط والإدارة واتخاذ القرار الصحي المتكامل.
وفي المحصلة، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في توصيف الخلل أو تتبعه إعلامياً، بل في القدرة على إعادة بناء منظومة صحية متماسكة، تُدار عبر مؤسسة مركزية قادرة على الجمع بين الكفاءة والخبرة والقرار، وتستند إلى فهم دقيق للتوازن بين الوقت المناسب الذي تفرضه الأزمات، والوقت الأفضل الذي تفرضه متطلبات البناء والاستدامة.



