البدائل الإدارية في قطاع غزة: كيف أسهمت إعادة هندسة المنظومة الصحية في تعميق أزمة مرضى الأورام؟.. نضال احمد جابر جودة

لا تُقاس كفاءةُ الأنظمةِ الصحية بعددِ المستشفيات أو بحجمِ المساعدات التي تدخل إليها، وإنما بقدرتها على ضمان استمرارية الخدمة للمريض، ولا سيما في الأمراض المزمنة والحرجة مثل السرطان والفشل الكلوي. فجوهرُ أي نظامٍ صحيٍّ ناجح لا يكمن في قدرته على الاستجابة للأحداث الطارئة فحسب، بل في حفاظه على المسارات العلاجية المستمرة التي تضمن بقاء المرضى داخل دائرة الرعاية الصحية دون انقطاع.
وفي قطاع غزة، أفرزت الحرب واقعًا صحيًا استثنائيًا أدى إلى انهيار أجزاء واسعة من البنية الصحية التقليدية، الأمر الذي دفع الجهات القائمة على إدارة القطاع الصحي إلى البحث عن بدائل مؤقتة لمواجهة حالة الانهيار المؤسسي. غير أن هذه البدائل، التي كان يُفترض أن تشكل أدوات تعويضٍ مرحلية، تحولت تدريجيًا إلى مسارات موازية للمنظومة الأصلية، وأسهمت في خلق فجوات إدارية وخدماتية انعكست بصورة مباشرة على المرضى، وفي مقدمتهم مرضى الأورام.
في الظروف الطبيعية كانت رحلة مريض الأورام تمر عبر منظومة إدارية واضحة المعالم؛ إذ يقوم الطبيب المختص بتشخيص الحالة، ويتولى قسم الأورام تحديد البروتوكول العلاجي المناسب، ثم تضطلع دائرة العلاج بالخارج بإدارة التحويلات الطبية اللازمة، بينما تتولى دائرة تنسيق وارتباط المرضى استكمال الإجراءات المتعلقة بالسفر والوصول إلى مراكز العلاج خارج جغرافيا قطاع غزة. ورغم ما كان يعتري هذه المنظومة من عقبات وتحديات، فإنها كانت تمتلك هيكلًا إداريًا واضحًا، وصلاحيات محددة، ومسارات معروفة للمريض، الأمر الذي وفر حدًا أدنى من وضوح المسؤولية واستمرارية الخدمة.
ومع اندلاع الحرب ظهرت بدائل إدارية جديدة تمثلت في الإدارة الصحية لمناطق قطاع غزة، واللجان الطبية المستحدثة، وتدخل بعض المنظمات الدولية في وظائف تشغيلية كانت تُدار سابقًا من خلال الهياكل الرسمية، إضافة إلى ظهور مسارات إحالة موازية خارج الإطار التقليدي لوزارة الصحة. وهنا انتقلت المنظومة من مفهوم «إدارة الأزمة» إلى ما يمكن وصفه بـ«الإدارة بالأزمة»، حيث أصبحت الأزمة ذاتها هي المرجعية التي تُنتج القرارات والمسارات البديلة، بدلًا من أن تكون الإدارة أداةً لضبط آثارها واحتوائها.
وقد كان من أبرز نتائج هذه التحولات ظهور حالة من تداخل الصلاحيات وتعدد المرجعيات. فعندما حلت الإدارة الصحية لمناطق قطاع غزة واللجان الطبية محل بعض الأدوار التي كانت تؤديها دائرة العلاج بالخارج، وعندما أصبحت بعض المنظمات الدولية تؤدي وظائف كانت سابقًا من اختصاص دوائر التنسيق الرسمية، نشأت مسارات موازية للخدمة الصحية يصعب تحديد حدودها الإدارية ومسؤولياتها التنفيذية. وأصبح السؤال المركزي: من المسؤول فعليًا عن مريض الأورام؟ أهي وزارة الصحة؟ أم الإدارة الصحية للمناطق؟ أم اللجان الطبية؟ أم منظمة الصحة العالمية؟ أم الجهات المانحة؟ وعندما تتعدد الجهات المسؤولة وتتداخل صلاحياتها، تتراجع المسؤولية المباشرة ويصبح المريض الحلقة الأضعف في السلسلة الإدارية.
ولا يمكن قراءة هذه التحولات بمعزل عن أثر تهميش رأس المال المؤسسي الذي تراكم عبر سنوات طويلة من العمل الإداري والفني. فدائرة العلاج بالخارج لم تكن مجرد وحدة إدارية تُصدر التحويلات الطبية، بل كانت تمثل منظومة خبرة متراكمة في إدارة الملفات العلاجية المعقدة، وتحديد الأولويات، ومتابعة الحالات، وبناء قنوات الاتصال مع المؤسسات الطبية المستقبلة. وكذلك الحال بالنسبة لدائرة تنسيق وارتباط المرضى، التي لم يقتصر دورها على استكمال إجراءات السفر، بل شكلت حلقة الوصل الحيوية بين المريض والمنظومة العلاجية خارج حدود القطاع.
إن استبدال هذه الخبرات المؤسسية المتراكمة بمسارات مؤقتة أو جهات بديلة لا تمتلك الإرث الإداري ذاته أدى عمليًا إلى فقدان جزء مهم من الذاكرة المؤسسية للقطاع الصحي. فالمؤسسات لا تُقاس فقط بما تملكه من موارد، وإنما بما تختزنه من معرفة تنظيمية وخبرات إجرائية وعلاقات عمل تراكمت عبر الزمن. وعندما جرى تهميش هذه الدوائر أو تجاوزها، لم يُفقد إطار تنظيمي فحسب، بل فُقدت أيضًا آليات المتابعة والتنسيق والمساءلة التي كانت تشكل عنصرًا أساسيًا في استمرارية الرعاية الصحية، ولا سيما لمرضى الأورام الذين تعتمد رحلتهم العلاجية على تراكم الإجراءات وتكاملها أكثر من اعتمادها على التدخل الطبي الآني.
لقد أفضى تهميش دائرتَي العلاج بالخارج وتنسيق وارتباط المرضى إلى إضعاف رأس المال المؤسسي للمنظومة الصحية، بحيث أصبحت البدائل تُدير الإجراءات اليومية دون أن تتمكن من تعويض الخبرة التراكمية التي كانت تضمن استمرارية الخدمة وحماية المسار العلاجي للمرضى، وفي مقدمتهم مرضى الأورام.
وتتجلى المفارقة في أن كثيرًا من البدائل الصحية التي أُنشئت خلال الحرب ركزت على إدارة الإصابات الحادة والجراحات الطارئة وخدمات الطوارئ والرعاية الميدانية، بينما بقي مرضى الأورام في هامش الاهتمام. فالمستشفيات الميدانية المختلفة قدمت مساهمات مهمة في التعامل مع الجرحى والإصابات، إلا أن مرضى السرطان لم يحصلوا على نصيب مماثل من الخدمات التخصصية المتعلقة بالعلاج الكيماوي أو الإشعاعي أو المتابعة المتقدمة. ونتيجة لذلك وجد مريض الأورام نفسه خارج معادلة الأولويات التشغيلية التي حكمت عمل معظم البدائل الصحية.
ومن منظور إداري، تختلف إدارة أمراض السرطان جوهريًا عن إدارة الإصابات الحادة. فالإصابة الطارئة تحتاج إلى تدخل سريع وعمل جراحي ومتابعة قصيرة الأمد نسبيًا، بينما يحتاج مريض السرطان إلى خطة علاجية طويلة المدى، وأدوية دورية، وفحوصات تشخيصية متكررة، ومتابعة مستمرة، وإحالات خارجية منظمة. وقد نجحت البدائل التي أُنشئت خلال الحرب، إلى حد ما، في إدارة الحدث الطارئ، لكنها لم تحقق المستوى نفسه من النجاح في إدارة المرض المزمن، ومن هنا بدأت الفجوة تتسع بين احتياجات المرضى وبين قدرة النظام البديل على الاستجابة لها.
وعندما تعلن وزارة الصحة عن نفاد 180 صنفًا من أصل 520 صنفًا من الأدوية الأساسية، ونقص 50 صنفًا من أدوية السرطان من أصل 97 صنفًا، ونفاد عشرات الأصناف المخبرية، ووجود آلاف المرضى في دائرة الخطر، فإن هذه الأرقام لا تعكس أزمة إمداد دوائي فحسب، بل تكشف أيضًا عن اختلالات إدارية أعمق تتمثل في ضعف التخطيط الاستراتيجي، وغياب مركزية القرار الصحي، وضعف التشبيك مع الإدارة الأم في رام الله، وتشتت المسؤوليات بين جهات متعددة، وقصور إدارة سلاسل التوريد الطبية، وغياب منظومة متخصصة لإدارة الأمراض المزمنة. وعليه، فإن هذه المؤشرات تمثل دليلًا على خلل إداري بقدر ما تمثل دليلًا على نقص الموارد.
وفي الإدارة الحديثة لا يُقاس النجاح بحجم التبريرات، وإنما بوضوح خطوط المسؤولية. ومن هذا المنطلق فإن أي بديل إداري يتم إنشاؤه يجب أن يجيب عن ثلاثة أسئلة جوهرية: من صاحب القرار؟ ومن مقدم الخدمة؟ ومن المسؤول عن النتائج؟ غير أن الإجابة عن هذه الأسئلة في قطاع غزة أصبحت أكثر تعقيدًا مع تعدد المرجعيات والمسارات، وهو ما أسهم في اتساع الفجوة بين الاحتياجات الفعلية للمرضى وبين الخدمات المقدمة لهم.
وبناءً على ما تقدم، فإن أزمة مرضى الأورام في قطاع غزة ليست مجرد أزمة دواء أو نقص تمويل، بل هي في جوهرها أزمة إدارة صحية تعمقت مع ظهور بدائل إدارية لم تنجح في بناء مسار موحد وواضح للمريض. لقد أدى تعدد الجهات، وتداخل الصلاحيات، وتهميش رأس المال المؤسسي المتراكم، وغياب الإدارة المتخصصة للأمراض المزمنة، إلى خلق فجوة خدماتية انعكست في صورة نقص الأدوية وتعطل العلاج وتراجع فرص النجاة. ومن ثم فإن إصلاح الواقع الصحي لا يبدأ فقط بتوفير الدواء، وإنما بإعادة الاعتبار للمؤسسات الصحية المتخصصة، وإعادة بناء منظومة إدارية موحدة تحدد المسؤوليات بوضوح، وتضمن استمرارية الرعاية، وتحافظ على الخبرة المؤسسية المتراكمة، بحيث يبقى المريض محور النظام الصحي لا ضحيته.



