الهوية الصحية المؤسساتية في قطاع غزة بعد السابع من أكتوبر 2023.. نضال احمد جابر جودة

الهوية الصحية ليست بطاقة تعريف، وليست ملفاً طبياً، وليست مجرد سلسلة من الإجراءات الإدارية التي تبدأ عند تشخيص المرض وتنتهي عند تحويل المريض إلى جهة أخرى. الهوية الصحية في جوهرها منظومة متكاملة من المسؤوليات الإدارية والطبية والعلاجية والمالية، تتشارك في أدائها مؤسسات وأقسام متعددة ضمن إطار واحد هدفه حماية المريض وضمان استمرارية الرعاية الصحية له أينما وجد.
فالعمل الصحي يشبه سيمفونية متواصلة العزف؛ قد تتقدم فيها آلة على أخرى في لحظة معينة، وقد تعزف جميع الآلات معاً في آن واحد، لكن اللحن لا يتوقف حتى يصل إلى نهايته الطبيعية. كذلك هو مسار المريض داخل المنظومة الصحية، إذ تتداخل الأدوار الإدارية والطبية والعلاجية والمالية بصورة متزامنة أو متتابعة، دون أن يعني انتقال المريض من مرحلة إلى أخرى انتهاء مسؤولية أي طرف من الأطراف المشاركة في رعايته.
وانطلاقاً من هذا المفهوم، فإن تصدير المريض للعلاج داخل قطاع غزة أو خارجه لا يمثل نهاية المهمة الوظيفية للمؤسسة الصحية التي أوصت بتحويله، بل يمثل انتقالاً إلى مرحلة جديدة من مراحل الرعاية الصحية. فالمؤسسة التي شخصت المرض وقررت الحاجة إلى التحويل تبقى مسؤولة عن متابعة الحالة، واستلام التقارير الطبية، وتقييم النتائج العلاجية، وضمان استمرارية الرعاية الصحية للمريض.
لقد شكلت دائرة العلاج بالخارج في وزارة الصحة الفلسطينية عبر سنوات طويلة نموذجاً عملياً لهذا المفهوم. فوظيفتها لم تقتصر على إصدار تغطية مالية للعلاج، بل تجاوزت ذلك إلى إدارة مسار علاجي متكامل يبدأ بدراسة الحالة الطبية، وإصدار التغطية المالية، واختيار المؤسسة العلاجية المناسبة، ومتابعة الحالة المرضية بعد تحويلها، واستلام التقارير الطبية الدورية، والتواصل المستمر مع المؤسسات الصحية المستضيفة للحالات المرضية سواء في مصر أو الأردن أو الضفة الغربية أو القدس أو داخل إسرائيل.
ولذلك فإن دائرة العلاج بالخارج لم تكن مجرد دائرة إدارية، بل كانت جزءاً أصيلاً من الهوية الصحية الفلسطينية، تقوم بوظائف تتجاوز في أهميتها وإدارتها العلاجية ما تقوم به العديد من المؤسسات الصحية التنفيذية. فدورها لم يكن ينتهي عند توقيع ورقة التحويل، وإنما يبدأ معها مسار طويل من المتابعة والتنسيق والتقييم المستمر.
وينطبق الأمر ذاته على دائرة تنسيق وارتباط المرضى، التي ارتبط دورها تاريخياً بمسار العلاج خارج حدود قطاع غزة. فهذه الدائرة لم تكن مسؤولة فقط عن استصدار التصاريح اللازمة لعبور المرضى عبر المعابر المختلفة، بل كانت تمثل حلقة الوصل اللوجستية والإدارية بين المريض والمؤسسات الصحية الواقعة خارج قطاع غزة. وكانت تمارس دوراً تراكمياً يبدأ منذ صدور التحويلة العلاجية ويستمر حتى وصول المريض إلى المؤسسة الصحية المستضيفة، بل ويتواصل عند الحاجة إلى نقله بين المستشفيات المختلفة عبر المعابر والحدود المحلية والدولية على حد سواء.
لقد كانت العلاقة بين دائرتي العلاج بالخارج وتنسيق وارتباط المرضى علاقة تكامل وظيفي لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر. فالأولى تدير المسار العلاجي والمالي للحالة المرضية، والثانية تدير المسار اللوجستي والإجرائي اللازم لوصول المريض إلى الخدمة العلاجية المطلوبة. وبتكامل هذين الدورين كانت الهوية الصحية للمريض الفلسطيني تظل قائمة ومتصلة رغم انتقاله خارج جغرافيا قطاع غزة.
إلا أن الواقع الذي نشأ بعد السابع من أكتوبر 2023 أفرز مسارات بديلة وموازية أسهمت بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تهميش هاتين الدائرتين، وأضعفت مفهوم الهوية الصحية الذي تراكم عبر سنوات طويلة من العمل المؤسسي. فقد أصبح خروج بعض المرضى من قطاع غزة يتم عبر ترتيبات استثنائية لا تستند إلى التغطية المالية الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة الفلسطينية، ولا تمر بالمسار الإداري والعلاجي المعتاد الذي يضمن استمرارية المتابعة والمسؤولية المؤسسية.
وفي الظاهر قد يبدو أن المريض الذي تمكن من مغادرة قطاع غزة للعلاج قد تجاوز أزمته، إلا أن الواقع يكشف عن عبء جديد يضاف إلى معاناته ومعاناة أسرته. فالكثير من هؤلاء المرضى وجدوا أنفسهم خارج المظلة المالية والإدارية الرسمية، الأمر الذي جعلهم عرضة لحالة من عدم اليقين بشأن استكمال علاجهم أو تمويله أو متابعة احتياجاتهم الصحية المستقبلية.
كما أن عدداً من الجهات والدول المستضيفة، رغم ما قدمته من جهود إنسانية مشكورة، تعاملت مع الحالات المرضية ضمن أطر زمنية أو برامج علاجية محددة، بينما تحتاج العديد من الأمراض المزمنة والخطيرة، وفي مقدمتها أمراض الأورام، إلى رعاية ممتدة ومتابعة طويلة الأمد وعلاجات ذات كلفة مالية مرتفعة. وعندما تتوقف تلك البرامج أو تنتهي المساعدات الاستثنائية يجد المريض نفسه أمام فراغ إداري ومالي وصحي يصعب التعامل معه منفرداً.
ومن هنا تبرز أهمية إعادة الاعتبار لمفهوم الهوية الصحية باعتباره مسؤولية مؤسسية مستمرة لا ترتبط بمكان وجود المريض، بل بحاجته المستمرة للرعاية الصحية. فخروج المريض عبر معبر رفح أو معبر كرم أبو سالم لا ينبغي أن يُفهم باعتباره نهاية لدور المؤسسة الصحية العامة، وإنما بداية لمرحلة جديدة تتطلب مزيداً من المتابعة والتنسيق والدعم الإداري والمالي والطبي.
إن الحفاظ على الهوية الصحية الفلسطينية بعد السابع من أكتوبر لا يتحقق بإنشاء مسارات موازية أو بدائل مؤقتة، بل من خلال ترسيخ مبدأ استمرارية المسؤولية الصحية، بحيث يبقى المريض مرتبطاً بمؤسسته الصحية الوطنية أينما تلقى العلاج، وتبقى المؤسسات الصحية مسؤولة عنه حتى اكتمال رحلته العلاجية واستقرار حالته الصحية. فالمريض قد يغادر جغرافيا قطاع غزة، لكن مسؤوليته الصحية يجب ألا تغادر منظومة الرعاية التي بدأت رحلته معها.



