أوقفوا المسكنات… فالجسد التنظيمي يحتاج إلى جراحة وطنية.. بقلم: شريف الهركلي

ليست كل الآلام عدوًا، فبعضها رسالة إنذار تدعونا إلى التوقف والمراجعة. والخطر الحقيقي لا يكمن في الوجع، بل في الاعتياد على إخفائه بالمسكنات حتى يستفحل المرض، ويصبح العلاج أكثر صعوبة وكلفة.
في واقعنا التنظيمي والإغاثي، اعتدنا تقديم المسكنات بدل البحث عن العلاج. نُرحّل المشكلات، ونُجمّل الأزمات، ونخفض سقف الأصوات المطالبة بالإصلاح، بينما تتراكم الأخطاء وتتسع الفجوة بين القاعدة والقيادة، وبين الطموح والواقع.
نطالب اليوم بإيقاف المسكنات، لا حبًا في الألم، بل لأن صراخ الوجع هو أول الطريق نحو العلاج. فمن حق كل صاحب قضية أن يُسمع صوته، ومن حق كل مخلص أن يطالب بإصلاح الخلل قبل أن يتحول إلى مرض مزمن ينهش الجسد التنظيمي.
إن الجسد التنظيمي يحتاج إلى مضادات حيوية حقيقية، لا إلى جرعات من التخدير. يحتاج إلى اجتثاث الجراثيم الإدارية والبكتيريا التنظيمية التي تتغذى على الإقصاء، والمحسوبية، وغياب العدالة، وضعف المحاسبة. فهذه الأمراض لا تقتل الأشخاص فحسب، بل تقتل الفكرة، وتغتال المبادرة، وتدفع أصحاب الكفاءة والإبداع إلى الصمت أو إلى ركوب قطار الهجرة، فينزف الوطن قبل أن ينزف التنظيم.
والأمر ذاته ينطبق على العمل الإغاثي؛ فالإغاثة ليست مجرد توزيع مساعدات، بل منظومة تقوم على العدالة والشفافية واحترام كرامة الإنسان. وكل خلل فيها يجب أن يُعالج بشجاعة، لا أن يُغطى بالشعارات أو البيانات المؤقتة. أوقفوا نزيف بعض المبادرين الذين انحرفت بوصلتهم الوطنية والإنسانية، فتحولت رسالة الإغاثة لدى بعضهم من واجب أخلاقي ورسالة إنسانية إلى وسيلة للمحاباة أو تحقيق المكاسب الشخصية وصناعة النفوذ. فحين تُستغل معاناة المحتاجين، لا تكون الخسارة في المساعدات وحدها، بل في الثقة والقيم التي يقوم عليها العمل الإنساني.
إن النقد المسؤول ليس تمردًا، بل هو جهاز المناعة الذي يحمي أي مؤسسة من الانهيار. أما إسكات الأصوات الصادقة، فهو أشبه بإعطاء المريض جرعات من الأفيون السياسي؛ تخفف الألم مؤقتًا، لكنها تسمح للمرض بأن ينتشر بصمت حتى يهدد حياة الجسد كله.
وإذا كانت بعض الأمراض تُعالج بالأدوية، فإن الأورام الخبيثة لا يكفي معها المسكن ولا المضاد الحيوي، بل تحتاج إلى جراحٍ محترف، وإلى مشرطٍ وطني شجاع يجتث بؤر الفساد والترهل والانحراف قبل أن تنتشر في كامل الجسد التنظيمي. فالتردد في إجراء الجراحة ليس رحمة بالمريض، بل إطالة لمعاناته، وتأجيلًا لشفائه، وربما فتحًا للطريق أمام انهيار لا تُجدي معه كل محاولات العلاج.
لن نخشى صوت الألم، بل نخشى اليوم الذي يتوقف فيه الجسد عن الإحساس، لأن فقدان الإحساس يعني أن المرض بلغ مرحلة خطيرة، وأن الصمت أصبح أخطر من الضجيج.
الإصلاح يبدأ بالاعتراف، ثم بالمحاسبة، ثم بإطلاق طاقات الشباب وأصحاب الكفاءة والإخلاص، ومنحهم مساحة للمبادرة وصناعة القرار. فالأوطان والتنظيمات لا تُبنى بالمجاملات، وإنما بالشجاعة في مواجهة الخلل، والإرادة الصادقة في صناعة التغيير.
أوقفوا المسكنات… فالجسد التنظيمي ما زال قادرًا على التعافي، لكنه يحتاج إلى علاج حقيقي، وإلى جراحة وطنية جريئة قبل أن يدخل مرحلة الموت السريري. فالإصلاح ليس ترفًا تنظيميًا ولا مطلبًا مؤجلًا، بل مسؤولية وطنية وأخلاقية. فالأوطان التي تمتلك شجاعة مواجهة أخطائها تكتب مستقبلها، أما التي تكتفي بالمسكنات، فإنها لا تمنع الانهيار، بل تؤجل موعده.



