إسرائيل ما بعد الحرب…حين تبلغ القوة حدودها… ويبدأ التاريخ بطرح أسئلته…

بقلم د. عبدالرحيم جاموس

ليست كل الحروب سواء. فبعضها ينتهي بتوقيع اتفاق أو وقف لإطلاق النار، ثم يطويه النسيان. أما بعضها الآخر، فيترك أثرًا يتجاوز ميادين القتال، ويعيد تشكيل الأفكار التي قامت عليها الدول، ويغيّر قواعد الصراع لعقود طويلة. ومن هذه الزاوية، تبدو الحرب الأخيرة على غزة أكثر من مجرد مواجهة عسكرية؛ إنها لحظة اختبار لمستقبل المنطقة بأسرها.
لقد انشغل العالم طوال أشهر الحرب بحسابات الخسائر العسكرية، وأعداد الضحايا، وحجم الدمار، لكن السؤال الأعمق ظل حاضرًا: ماذا بعد؟ وهل خرجت إسرائيل من هذه الحرب كما دخلتها، أم أن ما جرى كشف حدود القوة العسكرية، وأعاد فتح ملفات ظن كثيرون أنها أُغلقت إلى غير رجعة؟
منذ تأسيسها، بنت إسرائيل أمنها القومي على معادلة واضحة: تفوق عسكري نوعي، وتكنولوجيا متقدمة، واستخبارات فعالة، ودعم دولي واسع، بما يجعل أي تهديد قابلًا للاحتواء. وقد أثبتت هذه المعادلة فعاليتها في مراحل عديدة، لكنها لم تنجح في إنهاء جوهر الصراع. فالقضية الفلسطينية بقيت حاضرة، لأن الصراعات المرتبطة بالهوية والحقوق الوطنية لا تُحسم بالسلاح وحده.
ولعل أهم ما كشفت عنه الحرب أن إدارة الصراع ليست بديلًا عن حله. فقد أثبتت السنوات الماضية أن تأجيل التسوية السياسية لم يؤدِّ إلى الاستقرار، بل إلى جولات متكررة من العنف، يدفع الجميع ثمنها، وإن اختلفت طبيعة هذا الثمن وحجمه.
ولا يعني ذلك أن إسرائيل فقدت تفوقها العسكري أو مكانتها الإقليمية، فهذه قراءة لا تسندها الوقائع. لكن الصحيح أيضًا أن التفوق العسكري، مهما بلغ، لا يكفي وحده لتحقيق الأمن الدائم إذا ظل الصراع السياسي بلا أفق. وهذه الحقيقة ليست جديدة في التاريخ؛ فقد واجهتها قوى كبرى حين اكتشفت أن القوة تستطيع كسب المعارك، لكنها لا تكفي لكسب السلام.
وفي المقابل، أثبت الفلسطينيون أن معاناتهم، على قسوتها، لم تُلغِ حضور قضيتهم في الوعي العالمي. بل إن الحرب أعادت القضية الفلسطينية إلى مركز النقاش الدولي، ليس بوصفها ملفًا إنسانيًا فحسب، وإنما باعتبارها قضية سياسية وقانونية تتعلق بحقوق شعب يسعى إلى تقرير مصيره.
غير أن هذه الحقيقة تضع الفلسطينيين أيضًا أمام مسؤولية تاريخية. فالصمود، مهما كان عظيمًا، لا يغني عن الحاجة إلى مشروع وطني موحد، وإلى مؤسسات شرعية، ورؤية سياسية قادرة على تحويل التضحيات إلى إنجازات دبلوماسية وقانونية. فالشعوب لا تنتصر فقط بصمودها، وإنما كذلك بحسن إدارة لحظات التحول التاريخي.
إن ما بعد الحرب يفرض مراجعة على الجميع. على إسرائيل أن تسأل نفسها إن كانت القوة وحدها قادرة على صناعة المستقبل، وعلى الفلسطينيين أن يسألوا أنفسهم كيف يحولون صمودهم إلى مشروع وطني جامع، وعلى المجتمع الدولي أن يبرهن أن القانون الدولي ليس مجرد نصوص تُستدعى في بعض الأزمات وتُغيب في أزمات أخرى.
لقد أثبتت هذه الحرب أن الشرق الأوسط لا يمكن أن يبقى أسير إدارة الأزمات إلى ما لا نهاية. فالاستقرار الحقيقي لا يُبنى على اختلال موازين القوة، بل على الاعتراف بالحقوق، واحترام القانون الدولي، وإيجاد تسوية سياسية عادلة تضع حدًا لصراع طال أمده.
ويبقى السؤال الذي ستجيب عنه السنوات القادمة: هل كانت هذه الحرب محطة جديدة في صراع مفتوح، أم أنها كانت بداية إدراك جماعي بأن الأمن لا يولد من فوهة البندقية وحدها، وأن السلام، مهما بدا بعيدًا، يظل أقل كلفة من الحروب التي لا تنتهي؟
د. عبدالرحيم جاموس
الرياض
28/6/2026 م

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com