غزة جرح فلسطين النازف: ألم تكتفِ آلة القتل الإسرائيلية بزهق الأرواح؟.. أبو شريف رباح

وتبقى غزة جرح فلسطين النازف، ففي القطاع لم يعد الموت حادثة استثنائية بل أصبح أسلوب حياة فرضته الحرب على أكثر من مليوني إنسان فلسطيني، فلم يعد الغزاوي يخشى الموت بقدر ما يخشى أن يبقى وحيدا بعد أن يفقد جميع أفراد عائلته أو أن يعجز عن دفن أحبته أو أن يتحول منزله إلى قبر جماعي لمن كانوا قبل ساعات فقط يخططون ليوم جديد، ولم تعد صور الدمار وحدها هي التي تصدم العالم بل القصص التي تفوق الخيال قسوة وألما.

ففي غزة شاب يودع والدته بعد استشهادها ومن ثم يدفن شقيقه وبعد أيام قليلة يقف أمام جثمان شقيقته وشقيقه الآخر فلم يبقَ من أسرته الكبيرة سواها ليحمل ذاكرة عائلة كاملة محيت من الوجود، فأي عقوبة هذه التي يحكم بها على إنسان أن يعيش شاهدا على نهاية أسرته بأكملها، وأي مستقبل يمكن أن يبنى فوق هذا الكم الهائل من الفقدان، في غزة لم يعد السؤال من استشهد اليوم، بل من بقي على قيد الحياة؟

وداخل المستشفيات تتجسد المأساة بأبشع صورها فتجد طبيب يهرع لإنقاذ جريح ليكتشف أنه شقيقه، وطبيبة تستقبل المصابين أثناء تأدية واجبها الإنساني، فتتفاجأ بأن زوجها وطفلها بين الجرحى أو الشهداء، ومسعفون ينتشلون أقاربهم من تحت الركام وآباء يحملون أبناءهم بأيديهم إلى المقابر وأطفال يبحثون بين الأنقاض عن أم أو أب أو أخ لم يعودوا موجودين، وعائلات فلسطينية تحولت أسماء الكثير منها إلى صفحات مطوية في السجل المدني بعدما أُبيدت أسر بكامل أفرادها ولم يبقى منها أحد ليروي حكايتها ولا من يحمل اسمها ولا من يضع الزهور على قبورها.

وإذا كان الموت في القصف مأساة فإن مصير كثير من الأسرى الفلسطينيين يزيد الجرح عمقا، فمئات المعتقلين من قطاع غزة فقدوا حياتهم في السجون الإسرائيلية منذ السابع من أكتوبر 2023، بينما لا يزال الكثيرين في عداد المفقودين في ظل غياب المعلومات الكافية عن مصيرهم، فعائلاتهم لا تعرف إن كانوا أحياء ينتظرون الحرية أم شهداء ينتظرون أن يكشف عن مصيرهم.

الحرب الإسرائيلية الغاشمة لم تترك طفلا إلا وسرقت جزءا من طفولته ولا أما إلا وأثقلت قلبها بالخوف والألم ولا أبا إلا وحمل هم حماية أسرته في ظروف تكاد تكون مستحيلة، المدارس دمرت والمستشفيات استهدفت ومعظمها خرج عن الخدمة وأحياء سويت بالأرض ومخيمات للنازحين لم تسلم من القصف فيما يستمر الحصار وتستمر معاناة المدنيين في الحصول على الغذاء والماء والدواء.

غزة الجرح الفلسطيني النازف تحولت إلى كتل من الدمار، وإلى شعب يعيش بين القصف والجوع والنزوح والخوف، وأعداد الشهداء والجرحى والمفقودين تتزايد وآلاف العائلات فقدت أبناءها ومنازلها، فيما لا يزال كثير من الشهداء تحت الأنقاض والركام ينتظرون من ينتشلهم أو حتى يوثق أسماءهم.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بقوة أمام هذا المشهد، ألم تكتفي آلة الحرب الإسرائيلية بكل هذا القدر من القتل والدمار، ألم تشبع من شلال الدم الفلسطيني، كم عائلة أخرى يجب أن تمحى من الوجود، وكم طفلا آخر يجب أن يقتل أو ييتم، وكم طبيبا ومسعفا وصحفيا ومدنيا يجب أن يسقط قبل أن يدرك العالم أن ما يجري في غزة ليس مجرد أرقام في نشرات الأخبار بل أكبر مأساة إنسانية يعيشها الشعب الفلسطيني، والسؤال الآخر الذي لا يقل إيلاما، أين المجتمع الدولي، أين المؤسسات التي رفعت شعار حماية الإنسان وحقوق الأطفال، أين الدول التي تتحدث ليل نهار عن العدالة والقانون الدولي، هل أصبحت دماء الفلسطينيين كشربة ماء، وهل باتت مشاهد الأطفال الشهداء والنساء الثكالى والآباء المكلومين مشهدا اعتياديا لا يستحق سوى بيانات القلق والأسف؟

إن الصمت الدولي لم يعد مجرد موقف سلبي فقط بل أصبح عاملا يطيل أمد العدوان ويزيد الفلسطينيين المعاناة والمأساة ويمنح إسرائيل مساحة أوسع للقتل والتدمير، وكل يوم يمر دون وقف لهذا العدوان يعني مزيدا من الشهداء والجرحى والأسرى، ومزيدا من الأطفال الذين يكبرون على أصوات الانفجارات ومزيدا من العائلات التي تفجع بأحبائها، فغزة اليوم لا تطلب المستحيل ولا تطلب الإمتيازات لكنها تطالب العالم بتطبيق ما كفلته الشرائع السماوية والقوانين الدولية، فلكل إنسان الحق في الحياة والحق في الأمن والحق في العلاج والحق في أن يعيش الأطفال دون جوع أو خوف.

ولقد آن الأوان لأن يتحمل المجتمع الدولي مسؤولياته القانونية والإنسانية وأن يتجاوز مرحلة بيانات الإدانة والاستنكار إلى إجراءات عملية توقف شلال الدم الفلسطيني وتحمي المدنيين وتضمن إدخال المساعدات الإنسانية وتفتح الطريق أمام محاسبة كل من إرتكب انتهاكات وجرائم حرب بحق المدنيين وفق القانون الدولي، لأن التاريخ لا يحفظ عدد بيانات الإدانة والاستنكار التي صدرت بل يحفظ من وقف إلى جانب الإنسانية ومن صمت أمام المأساة، فكم فلسطينيا يجب أن يفقد حياته حتى يقتنع العالم بأن الوقت قد حان لوقف هذه الحرب الظالمة على قطاع غزة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com